العالمية و العولة و موقف الأمة

آية الله الشيخ محمد علي التسخيري

الامين العام للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية

بسم الله الرحمن الرحيم

القسم الأول:‌ الوضع الطبيعي

إذا اردنا ان نعرض الواقع الطبيعي للعالم فإنه ينبغي أن نعرضه علي مستويين تارة‌ علي المستوي النظري، من وجهة‌نظر الاسلام و أخري علي المستوي الواقعي الحالي القائم من وجهة نظر هي اقرب الي العدالة‌ كما نتصورها.

اما علي  المستوي النظري فإن الإسلام يري ان الوضع الطبيعي للبشرية إنما يتم إذا قام نظام عالمي شامل له قانون واحد، و له امام واحد، و يتمتع بخصيصة:

امتلاك قوانين منسجمة مع الفطرة الانسانية، باعتبار ان الفطرة‌ هي الحد المشترك بين الأفراد والدين ينسجم تمام الانسجام مع هذه الفطرة، و هي سنة‌الله في خلقه كما في الآية الشريفة‌(فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم)،[1] و هذه الفطرة‌ تقتضي اللجوء الي الله تعالي و استمداد الشريعة في أصولها من الله تعالي ؛ لأنه أعلم بما يصلح الانسان ، و يحقق العدالة ‌في هذا الاصلاح لانه تعالي الخالق العليم الرحيم؛ فلا حيف و لا ظلم و لا جهل ، و الرسالة التي تأتي من الله تعالي تعتمد منطق العدل و الاحسان. و العدل يقتضي عدم التمييز إلا بالصفات التي يكتسبها الفرد، و هذه الصفات هي التقوي ( إن أكرمكم عندالله اتقاكم)،[2] و الجهاد ( و فضّل الله المجاهدين علي القاعدين أجراً عظيماً)،[3] و العلم ( قل هل يستوي الذين يعلمون و الذين لا يعلمون)[4] ، كما ان هذه الرسالة تقتضي اتباع منطق الشوري في الأمر هذا هو التصور الاجمالي للوضع الطبيعي للبشرية – علي المستوي النظري: مجتمع واحد و إمام واحد و قانون واحد يستمد اصوله من هداية‌الله تعالي و يسير وفق التشريع الإلهي.

أما علي المستوي الواقعي الحالي و المنطق السائد فإننا إذا لا حظنا الوضع الحاضر فإنه يبدو ان الوضع الطبيعي للعلاقات الدولية‌و النظام الحاكم في الأرض يقتضي أن تكون هناك أمم متحدة‌و قانون دولي واحد و منظمات دولية‌واحدة نظم هذه العلاقات خصوصاً و انها مسيرة تكاملية و حركة‌من التفرق الي التجمع و ان هناك مسائل لا يمكن ان تعالج اليوم علي اساس محلي من قبيل (مسائل البيئة الحياتية و حقوق الانسان، و الاقتصاد العالمي و التجارة العالمية و الطاقة و الارتباطات و القوانين الدولية لحركة السنن و الطائرات و الامواج الاذاعية و التلفزيونية) و ان تعامل الثقافات اليوم ضرورة ملحة للشعوب و لكن هذا النظام العالمي يجب ان يقوم علي أسس منها:

1 – احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.

2 – احترام الثقافات المتنوعة.

3 – اتباع سياسة عامة لمحو الفقر و دعم العدالة الاجتماعية.

4 – دعم الديمقراطية في اطار احترام القيم التي يؤمن بها المجتمع.

5 – اتخاذ منطق الحوار للوصول الي المشتركات و التعاون في هذه المتشركات و ذلك علي المستويات كافة، سواء كان حواراً بين الحضارات او بين الأديان او بين المدارس و المذاهب المختلفة.

6 – الارتفاع بالمستوي العلمي الانساني، و التعاون بين الدول في هذا المجال.

7 – دعم قضية‌ السلام العالمي العادل.

8 – نفي الاحتلال و الظلم و الارهاب بأنواعه.

9 – فتح المجال للمعلوماتية‌البناءة النافعة للبشرية.

10 – تقوية‌الجوانب المعنوية الانسانية و عدم السماح للأفكار الهدامة بالظهور، من قبيل النازية و الفاشية‌و العنصرية‌ و باقي الأفكار الشيطانية باجماع البشرية.

 

القسم الثاني : ذكرنا فيه عناصر مهمة‌في العلاقات مع الآخرين في رأي الإسلام

و هنا نود أن نجمل الأمر، فنذكر بعض العناصر التي تلعب دورها الكبير في تحديد نوعية العلاقات الدولية‌للسياسة الخارجية الإسلامية‌، إلا أننا قبل ذكر هذه العناصر ، نشير الي الأساسين الرئيسين، اللذين تقوم عليهما السياسة‌الخارجية الإسلامية، و هما:

1 – المصلحة الأسلامية‌العليا علي ضوء الواقع القائم.

2 – الروابط و الرحمة الانسانية، و الصلات الخلقية.

و الواقع ان كل التشيع الإسلامي يستقي من هذين المعنيين بل يمكننا القول – عند التعمق – انهما يعبران عن موقف واحد، فلم يكن الإسلام ليقصد إلا أن يضع الانسان علي طريق تكاملة، و يفجّر طاقاته و ينفي عن حياته كل المعوقات التي تقف في وجه مسيرته المتمدة‌ من هدي الرسولين الداخلي و الخارجي أي الفطرة و التشريع.

و الواقع الذي لا شك فيه أن الواقعية و الروح المناقبية تعتبران من أهم سمات التشريع الإسلامي في شتي جوانبه و ما سنراه فيما يلي من أسس انما ينبثق عن هاتين الصفتين الرئيسيتين.

أما العناصر التي وددنا التركيز عليها في نظرتنا السريعة‌هذه، فهي كما يلي:

أولاً : العمل علي ابقاء الامة نموذجاً اعلي للمجتمعات البشرية

فالأمة‌الإسلامية التي يصفها القرآن : هي  الأمة‌الوسط ، والوسطية ‌هنا بلا ريب يراد بها النموذج الأسمي و ما يمكن استفادته من تعبير واسطة العقد، حيث الجوهرة الثمينة التي تتبعها الجواهر الأخري فيه. و هي الأمة الشاهدة‌و هي خير أمة أخرجت للناس و علي هذا فالسياسة‌الخارجية الإسلامية‌تسير بشكل منسجم مع مجموع السياسات الداخلية باتجاه تحقيق هذا الأمر بشتي الوسائل و السبل، أي سواء علي الاصعدة السياسية او الاعلامية ‌او الاجتماعية او العسكرية او غيرها.

إن هذا العنصر يدفع الأمة الي التعالي و التكامل في كل حقل،‌ و الاستفادة‌الأكمل من تجارب الآخرين و استغلال كل تسابق في سبيل تحقيقة.

انه يعني الانفتاح علي كل مجالات الحياة و حمل رسالة‌انسانية‌حضارية‌كبري نقول هذا و نحن نعترف بأنّ أمتنا – نتيجة عوامل كثيرة – قد اقصيت عن هذا الدور الطبيعي الذي أهلت له و لكن هذا لا يعني أن لا تظل تلح علي الوصول اليه ، او تنساه عندما تحاول او تؤصل اية علاقة دولية.

 

ثانياً: المبدئية في التعامل

و هي سمة في كل خط سياسي سواء علي الصعيد الداخلي او الخارجي ذلك:

أن الدولة‌ الإسلامية ‌دولة‌ عقائدية تؤمن بمبادي تصورية‌تقوم علي أساس منها خطوط عملية تستوعب حياة‌الانسان الفرد و المجتمع.

و لهذا فهي تقترب من الآخرين بمقدار قربهم من المبدأ، و تبتعد عنهم بنفس المقياس و هي لا تتعامل معهم إلا من خلال الامتدادات التي يسمح بها المبدأ... فعلي ضوء المبدأ يتحدد نوع العلاقات الدولية‌و كونها ودية‌او حسنة‌او سيئة‌في الأصل

أما العلاقات الاخوية‌فلا تقوم إلا بين المؤمنين و ذلك لأنها علاقات سامية‌قد تعني وحدة‌الأفراد في مختلف الشؤون و ليس هناك إمكان أن يصلها أناس يختلفون علي قضية‌الايمان.

ثالثاً : نفي السبيل علي المؤمنين

و تعتبر هذه القاعدة ‌من أروع  قواعد السياسة‌الخارجية و ربما كانت في بعض جوانبها تطبيقاً للقاعدة الأولي كما تعبرً عن علو الإسلام علي غيره من الأنظمة ‌و كرامة‌ المسلمين التي يجب أن لا تمسّ مطلقاً.

و بموجب هذه القاعدة فإنّ أي تصرف او معاهدة او عقد يؤدّي الي تفوق الكافرين علي المسلمين يعد ملغياً من أساسه و كما يعبر الفقهاء فإن هذه القاعدة شأنها قاعدة ( لا ضرر و لا ضرار في الاسلام) و قاعدة ( نفي العسر و الحرج) تعد من القواعد الثانوية التي تستطيع أن تحكم علي الأحكام الاولية بمجموعها اللهم إلا تلك التي تتضمن بنفسها تحمل الضرر في سبيل تحقيق غاية‌أسمي كالجهاد.

و تستند هذه القاعدة‌الي أدلة ، منها: الآية الشريفة:

( و لن يجعل الله للكافرين علي المؤمنين سبيلاً).[5]

و منها الأحاديث التي تطبقها في بعض الموارد كالحديث الوارد بما نصه:

( الإسلام يعلو و لا يعلي عليه و الكفار بمنزلة الموتي لا يحجبون و لا يورثون).[6]

كما تستند الي اجماع الفقهاء و ربما أمكن أن يقال: إن روح التوجهات الإسلامية‌و ملاحظة المناسبات بن الحكم و الموضوع تقرر هذه الحقيقة بوضوح و ( لله العزة و لرسوله و للمؤمنين و لكن المنافقين لا يعلمون).[7]

و ينبغي أن ننبه هناالي أن هذا التوجه لا يعبر عن نوع من التكبر – كما يقول البعض – و انما هو تقرير حقيقة علو النظام الإسلامي علي غيره باعتباره النظام الأكمل و بالتالي افضلية‌ تابعيه فهو يعمل علي أساس من معيار إنساني نعم، يمكن أن يناقش او يتساءل أحد عن أصل المعيار و يتحول البحث حينئذ الي الأدلة أما أن يطلق القول علي عواهنه و يعتبر ذلك بشكل عام عملا عنصريا فهو من أشد الظلم.

إنها قاعدة ‌تعاملية ‌مهمة لها تطبيقاتها في مختلف المجالات و منها : المجالات السياسية.

و ليس هنا بأروع من تطبيقها اليوم في تعاملنا مع القوي العظمي التي تعمل علي ابتلاع العالم و نهب ثرواته و عبر بعض الأساليب الخداعة.

و تعد حادثة تحريم شراء و بيع التبغ الداخلي و الخارجي لبريطانيا من خلال تاجر انكليزي (رجي) تطبيقا لهذه القاعدة في ايران حيث سلط الشاه الظالم الكافرين علي جانب اقتصادي اسلامي فاصدر الميرزا الشيرازي فتواه المعروفة‌القائلة:

( إن استعمال التبغ و مشتقاته حرام اليوم و انه يعد بمثابة‌اعلان الحرب ضد الامام المهدي – عج - ).

و التطبيق السياسي الثاني المعاصر: هو الموقف الحازم الذي وقفه الامام الخميني من معاهدة‌الكابيتولاسيون ( أي الاشتراط) و يعني : اشتراط لا تطبيق علي السكان الاجانب في ايران إلا قوانين دولهم، حيث يقوم قنصل الدولة المذكورة بتطبيقها.

و ما كانت تعني الا نوعا من الحصانة القضائية‌ للأجانب و تسليطهم علي رقاب المسلمين و قد قام نظام الشاه المقبور بعقد هذه المعاهدة في عام 1963 م ، فنهض العلماء الكبار – و في طليعتهم الإمام القائد – ضد هذا العمل المنافي للإسلام و العدالة ‌مما أدّي به الي إبعاده من قبل الحكم الطاغي الي تركيا و الواقع أن بذ رة الثورة الإسلامية الكبري غرست في ذلك اليوم و الرائع ان الامام استهل بيانه الجريء و فتواه بالآية القرآنية الشريفة: (‌و لن يجعل الله للكافرين علي المؤمنين سبيلاً).[8]

و لو أن الأمة الإسلامية أو هؤلاء القائمين عليها،‌راعوا هذه القاعدة في تعاملهم، لما أصيبت الأمة بالحالة‌التي هي عليها الآن قطعاً.

و من الجدير بالذكر: إن العناصر الثلاثة الماضية تشكل أساساً لروح الاستقلال و الترفع علي أي‌ نفوذ اجنبي مذل .

رابعاً : التوعية قبل أية خطوة أخري الإسلام دين التوعية‌و التربية ... و هو بمقتضي واقعيته  و فطريته يقرر لزوم القيام بتوعية‌ أي انسان يراد له أن ينضم الي معسكره و أي مجتمع يراد للإسلام ان ينفذ الي عمقه... انه يعرض جوهرته الثمينة لأنه يعلم أن قيمتها ستنكشف بكل وضوح للجميع ... و لذا فهو يرفض أي تقليد في العقيدة و يدعو الي البحث و البرهنة ( قل هاتوا برهانكم) و هو يرفض أية عملية‌ إكراه عقائدي ( لا إكراه في الدين) كما يريد من الأمة ‌أن تكون من أولي الأيدي و الأبصار، قوية في بصرها و بصيرتها... و في مجال التعامل مع الآخرين يأمر بالدعوة البينة الواضحة قبل كل شيء يقول القرآن الكريم: (ادع الي سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة و جادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضلّ عن سبيله و هو أعلم بالمهتدين).[9]

( فذلك فادع و استقم كما أمرت و لا تتبع أهواءهم).[10]

(‌و من أحسن قولاً ممن دعا الي الله و عمل صالحاً و قال إنني من المسلمين).[11]

( قل هذه سبيل أدعو الي الله علي بصيرة‌أنا و من اتبعني و سبحان الله و ما أنا من المشركين).[12]

و في هذا يقول آية الله السيد محمد باقر الصدر في كتابه (اقتصادنا):

( و الأمر الآخر :‌أن يبدأ الدعاة الإسلاميون – قبل كل شيء – بالاعلان عن رسالتهم الإسلامية‌و ايضاح معالمها الرئيسية‌معززة بالحجج و البراهين حتي إذا تمت للإسلام حجته و لم يبق للآخرين مجال للنقاش المنطقي السليم و ظلوا بالرغم من ذلك مصّرين علي رفض النور... عند ذلك لا يوجد أمام الدعوة الإسلامية‌- بصفتها دعوة‌ عالمية‌ تتبني المصالح الحقيقية للانسانية – إلا أن تشق طريقها بالقوي المادية، بالجهاد المسلح).[13]و قد جاء في كتاب الكافي للمرحوم الكليني عن الصادق (عليه السلام) قوله: ( قال امير المؤمنين (ع): بعثني رسول الله (ص) الي اليمن فقال يا علي لا تقاتلن أحداً حتي تدعوه الي الاسلام و ايم الله لان يهدي الله عزوجل عل يديك رجلاً خير لك مما طلعت عليه الشمس و غربت و لك ولاؤه يا علي).[14]

إنه اسلوب القرآن قبل كل شيء الذي علّمه الله لموسي و هارون (ع) ( اذهبا الي فرعون انه طغي فقولا ليّناً لعله يتذكّر او يخشي).[15]

انه الدعوة – حتي عند مواجهة الطواغيت – عسي أن يهتدوا الي الحق.

و ها نحن نجد الرسول العظيم يكرر عبارة (ادعوك بدعاية‌الإسلام) في رسالته الي شاه ايران و قيصر امبراطور الروم تطبيقاً لهذا التعليم الاسلامي السامي.

و هكذا راح الدعاة‌ يبثون الدعوة ‌الي الأقطار و قد ذكرت اسماء بعض الدعاة‌الي الله و منهم:

عبدالله بن حذافة السهمي – مبعوث الرسول (ص) الي ايران.

حاطب بن أبي بلتعة – مبعوث الرسول (ص) الي مصر لدعوة المقوقس.

دحية‌الكلبي – مبعوث الرسول (ص) الي روما.

عمرو بن أمية – مبعوث الرسول (ص) الي الحبشة.

سليط بن عمرو – مبعوث الرسول (ص) الي اليمامة

عمروبن العاص – مبعوث الرسول (ص) الي عمان.

حرملة‌بن زيد مع وفد معه الي مدينة (أبلية) الواقعة‌لي ساحل البحر الأحمر.

المهاجر بن أبي أمية – مبعوث الرسول (ص) الي ملوك حميّر

خالد بن الوليد – مبعوث الرسول (ص) الي همدان (مدينة قرب بحر عمان).

علي بن أبي طالب (ع) – مبعوثة الثاني الي هذه المدينة.

حذيفة ‌بن اليمان – مبعوث الرسول (ص) الي الهند.

عبدلله بن عوسجة – مبعوث الرسول (ص) الي قبائل ذي الكلا.

و غيرهم ممن حمل مهمة ‌الدعوة‌ الي الشعوب.

و إذا اردنا ان نجد التطبيقات السياسية لهذا الأصل في التعامل الدولي، أمكننا أن نلحظها في بعثات الإيضاح المرسلة‌من هنا الي هناك و في اساليب توضيح الحقيقية عبر الوسائل السمعية و البصرية‌و في مذاكرات الايضاح الموجهة، و المذكرات التفسيرية المقدمة الي المؤتمرات الدولية.

و مما تتميز به العلاقات الدولية الإسلاميه‌:‌أنها تنظر الي عملية التوعية و الايضاح كرسالة الهية ومبدأ ضروري يجب الالتزام به قبل القيام بأية خطوة عسكرية او سياسية او غيرها تجاه الدول الأخري.

اما ما نجده من السياسة‌الماكرة القائمة بالفعل، فهو اعتماد هذه السياسة‌ التوضيحية باعتبارها مناورة سياسية فإذا لزم  الأمر، قلبت الحقائق و تغيرت الموازين.

و نذكر هنا بان الاسلام قدم للبشرية و للمسلمين بالاخص ارشادات رائعة تؤكد علي:

1 – ان ينطلق الحوار من مباديء ثابتة لا اسماءً موهومة.

2 – ان يكون موضوعياً.

3 – ان يتم في جوخال من التهويل بل يتبع التي هي احسن.

4 – ان يبتعد عن الجدال العقيم.

5 – ان يستهدف غايات نبيله .

و غير ذلك.

خامساً : مراعات العدالة في التعامل

يشكل العدل أهم اصول التصور الإسلامي عن الواقع.

( شهد الله انه لا اله الا هو، و الملائكة و أولو العلم، قائماً بالقسط).[16]

و أهمّ الاسس عند التعامل الاجتماعي.

( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوّامين بالقسط شهداء لله).[17]

و من الطبيعي أن يأتي التأكيد علي العدالة‌حين نثور الإحن و الشنآن و يكاد العدل ينسي من البين و حينئذ تقول الآية:

( و لايجرمنكم شنآن قوم علي ألاّ تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوي).[18] و إذا لا حظنا أن العدل في التعامل مع الأجانب عن دار الإسلام يلحظ فيه واقعهم القائم أدركنا البعد الانساني في هذا ألأصل و هذا ما تؤكده أحكام الإسلام في الجهاد و العهد و الإجارة و غيرها.

و هو ما يفسر وقوف الدولة الإسلامية الي جانب قضايا المستضعفين و المحرومين في الأرض و مقارعة الظلم و الطغيان في كل مكان حتي لو لم يكن الأمر يمسها من قريب، و عملها علي نفي العلاقات الظالمة بين الدول.

فليس وقوفنا الي جانبهم وقوفاً مصلحياً دعائياً ، حتي إذا ما تسنّي لنا الأمر و منحتنا المقادير اíأزّمتها رحنا نسومها سوء العذاب و هو ما نجده من القوي العظمي شرقّيها و غربّيها.

و انما هو موقف مبدئي اصيل قائم علي أساس متين متي ما خالفناه و في أية لحظة – خرجنا عن الخط الاسلامي و دخلنا في عداد المستكبرين الذين يقول فيهم تعالي:

( فهل عسيتم ان توليتم ان تفسدوا في الارض و تقطعوا ارحامكم اولئك الذين لعنهم الله فاصمّهم و اعمي ابصارهم).[19]

ان القرآن علي العكس من ذلك يعطينا صورة الجماعية‌المسلمة المتمكنة بقوله:

( الذين إن مكّناهم في الارض اقاموا الصلاة و آتوا الزكاة و إمروا بالمعروف و نهوا عن المنكر و لله عاقبة الأمور).[20]

سادساً : مبدأ تأليف القلوب

و هو مبدأ يمثل ايجابية الشريعة الإسلامية بكل وضوح كما يعكس واقعيتها في نفس الوقت.

ففي الجو الذي يتم فيه تأليف القلوب تنفتح النفوس للحقيقة و تتقرب الي الواقع و الأصل في هذا المبدأ هو: سهم المؤلفة‌قلوبهم في مصارف الزكاة‌حيث فتح هذا مجالاً للعمل المنظم لتحقيق ذلك عبر الوقوف الي جانب كل المستضعفين و الدفاع عن قضاياهم و جلب القلوب الي الإسلام.

و رغم أن الفقهاء يختلفون في مساحة هذه القلوب المؤلفة‌و هل تختص بغير المسلمين أم تشمل المنافقين أم تعم بعض المسلمين ضعيفي الإيمان، إلا أنّ الذي يبدو من روح الإسلام و اتجاهاته الاقتصادية و من أقوال فقهاء الشيعة و السنة – و منهم الإمام الخميني القائد – أنه مبدأ عام، و أصل يتيح للدولة‌الإسلامية أن تلحظ المصلحة أينما تكون و من هنا فمن الطبيعي أن يشكل عنصراً اسلامياً، له دوره في تحديد العلاقات الدولية‌و تقديم المساعدات الي مختلف الدول و الشخصيات والجمعيات علي شتي مذاهبها.

و لئن كان هناك بعض البحث في لزوم العمل بهذا المبدأ في عصر معيّن ، و بالنسبة لأشخاص معيّنين بعد وفاته (ص) فإنّه لا شك في اسلامية اصلاً و لزومه في العصور الأخري.

علي اننا ننبه هنا الي ان هذا السهم المعطي للمؤلفة قلوبهم لا يختص مورده بباب الزكاة ‌و انما نجد الاسلام يسمح للامام بان يقوم بالانفاق بما يحقق مصلحة الإسلام العليا من أموال الدولة وتفصيل هذا يذكر في البحوث الاقتصادية الاسلامية.

و بانفتاح هذا الباب نجد المجال السياسي لتطبيقاته واسعاً جداً يشمل كل المعونات الاقتصادية و السياسية التي يمكن ان تقدمها الدولة‌في سبيل تقريب القلوب الي مبادئها... إلا أنّ‌ من الواضح فيه ملاحظة مدي ما يعود به من نفع علي القضية الكبري بغض النظر عن أية منافع سياسية ضيقة.

سابعاً : احترام العهود و العقود و الاتفاقيات الدولية

و هذا الأصل هو من أهم الأصول التي تعتمدها السياسة الإسلامية الحقة، و كما قلنا من قبل فإنه يستمد من الواقعية‌التي تتسم بهاالنظرة الإسلامية من جهة، واحترام مقتضيات الحق من جهة أخري.

فالقائد الإسلامي يفكر ملياً في أيّ عهد او عقد يعقده و لكنه إذا عقد العقدة – مستوفيه لكل شروطها – التزم بها تمام الالتزام.

( و أوفوا بالعهد إنّ العهد كان مسؤولاً).[21]

و العهودالتي تعطي للدول الأجنبية‌او الأجانب تارة‌تدخل ضمن عقود صّرح بها الإسلام وحّد لها قوانينها العامة‌فيجب الالتزام بذلك و أخري تسير بمنحي مستقل يري ولّي الأمر أن يعقدها لأنها تحقق المصلحة الأسلامية العليا.

فمثال الأول: عقد الذمة، و عقد الهدانة، و عقد الأمان . و مثال الثاني : كل العقود الأخري و التي تعقد علي الصعيد العسكري و الاقتصادي و أمثال ذلك.

و تستمد التعاليم الإسلامية‌- الخاصة‌بهذا العقد او ذاك – من نصوص القرآن الشريفة، و الأحاديث المباركة و عمل الرسول (ص).

ففي مجال عقد الذمة: تستفاد بعض الأحكام من الآية الشريفة: (قاتلوا الذين لا يؤمنون با