|
العالميه
الإسلاميه
في فكر السيد
محمد باقر
الصدر عبدالكريم
آل نجف مقدمه
العالميه
معلم أصيل من
معالم
الرساله
الإسلاميه
التي هي
كسائر
الأيديولوجيات
كل لا يقبل
التجزئه،
فإما أن تؤخذ
بكل معالمها
و سماتها و
إما أن ترفض. و
كما أن
النتائج
تتوقف علي
توفر كل
الأسباب
الدخيله و
ارتفاع كافه
الموانع
المؤثره،
كذلك الواقع
الإنساني لا
يمكن أن يوصف
بالإسلام ما
لم تكن
الرساله
بتمامها
متجسده فيه؛
و العالميه
من تمامها.
و الحديث عن
عالميه
الإسلام
حديث واسع
متشعب، قد
يطرق من
زوايا
متعدده،
فتاره، يطرق
من زاويه
أهميه الأفق
العالمي في
الرساله
الإسلاميه،
و مدي حاجه
الإنسانيه
إليه في حل
الأزمات
الاجتماعيه
و السياسيه و
الدوليه. و
يكفي
لاستكشاف
هذه الأهميه
أن نشير إلي
حقيقه هامه
يشترك في
الاعتقاد
بها الفكر
الديني و
الوضعي
معاً، و هي أن
المجتمع
البشري بداً
عالمياً في
فجر التاريخ
توحده
الفطره و
البساطه، و
سيعود في
خاتمه
المطاف
عالمياً في
نظامه
السياسي و
الاجتماعي و
في بنيته
العقائديه.
فقد آمن الإسلام
بأن البشريه
كانت في أول
أمرها أمه
واحده
تسودها
الفطره (كان
الناس أمه
واحده فبعث
الله
النبيين
مبشرين و
منذرين و
أنزل معهم
الكتاب
بالحق ليحكم
بين الناس
فيما
اختلفوا فيه)1.
فهذه الآيه
صريحه في أن
البشريه
كانت في أول
أمرها أمه
واحده
متأخيه
منسجمه ثم
ظهر فيها
الاختلاف و
التشتت، و
هنا جاءت
السماء
لتلعب دوراً
مباشراً في
إرجاع
البشريه إلي
سابق عهدها
بالتآخي و
العالميه (فبعث
الله
النبيين
…
و أنزل معهم
الكتاب
بالحق ليحكم
بين الناس
فيما
اختلفوا فيه)
و أستمر هذا
الدور
متواصلاً
علي مدي 124 الف
نبوه ضمن خمس
رسالات
أساسيه هي
رسالات أولي
العزم (ع)
آخرها
الرساله
المحديه
الخاتمه
التي ختم
الله بها أمر
البشريه و
التي لابد
لها من يوم في
خاتمه
التاريخ
تظهر فيه علي
سائر
الأديان و
تحقق
انتصاراً
ساحقاً و
سياده تامه
عبر دوله
عالميه هي
دوله الإمام
المهدي (عج)،
فتكون هذه
الدوله
محققه للهدف
المركزي لخط
النبوات
الذي عبرت
عنه الآيه
بقولها: (ليحكم
بين الناس
فيما
اختلفوا فيه).
فإن دور
الأنبياء و
الكتب
السماويه في
رفع
الاختلافات
و الصراعات
البشريه،
سوف يظهر
بصوره تامه
متكامله في
ذلك اليوم؛
لأن الوحده
البشريه سوف
تبلغ ذروتها
آنذاك.
و قد ساند
المفكرون
الغربيون
الشق الأول
من هذه
النظريه؛
حيث آمنوا
بأن المجتمع
كان بدائياً
شيوعياً، و
علي أساس هذه
الفكره آمن
ماركس، بأن
الشيوعيه
البدائيه هي
المرحله
الأولي في
الماديه
التاريخيه،
أو أن
المرحله
الأخيره في
مسيره
التاريخ
لابد من أن
تتمثل في
العوده إلي
هذه
الشيوعيه، و
هذا يعني أن
الماركسيه،
قد وافقت علي
جوهر الشق
الثاني
المتعلق
بالمستقبل
من هذه
النظريه
القرآنيه.
كما آمنت
المسيحيه من
قبل بأن
التاريخ
سيختم بظهور
ملكوت الله
في الأرض علي
يد المسيح
المنقذ.
كما نادي و
ينادي
العديد من
أقطاب الفكر
و السياسيه
في الحياه
المعاصره
بنبذ
العنصريه و
العوده إلي
التآخي
الإنساني و
القيم
العالميه
بدلاً عن
القيم
القوميه. و
هكذا فإن
اتفاق
العقائد
الدينيه و
النظريات
الوضعيه علي
عالميه
المجتمعين
الأول و
الأخير في
التاريخ
يقدم دليلاً
حاسماً علي
أصاله
العالميه و
عمقها في
الحياه
الإنسانيه. و
بالتالي،
مدي أهميتها
و خطوره
الانحراف
عنها.
و يطرق هذا
البحث مره
أخري من
زاويه ما
تلقيه
عالميه
الإسلام من
وظائف و
التزامات
علي عاتق
المسلمين
تأتي في
مقدمتها
وظيفه نشر
الإسلام في
إرجاء
المعموره و
الدعوه إليه
في صفوف
المجتمعات
غير المسلمه
تجسيداً
لخصوصيه
الشهاده
التي جعلها
الإسلام في
المسلمين.
و قد يطرق
مره ثالثه من
زاويه
الاستحقاق،
استحقاق
الإسلام
للمكانه
العالميه و
اعتلاء
السده
البشريه علي
النحو
الدائم
المتواصل، و
استحقاق
المسلمين
للزعامه
الإنسانيه.
و لاشك في أن
مهمه من هذا
النوع تحتاج
إلي جهود
متظافره و
متنوعه، و
مستوي رفيع
من الشعور
بالمسؤوليه،
غير أن هناك
نوعاً من
الجهود و
الأنشطه
يمكنها أن
تلخص كل هذه
الجهات معاً.
تستجيب لكل
هذه الجوانب
في وقت واحد
كالمبادره
إلي طرح رموز
المسلمين، و
قياداتهم
الفكريه و
السياسيه من
الطراز
الأول كرموز
و قيادات ذات
مكانه
عالميه. فلو
أن الكتاب و
الفنانيين
المسلمين
وفقوا في
أعمالهم
الفكريه و
الفنيه في
طرح شخصيه
الرسول
الأعظم (ع)
كشخصيه
إنسانيه
عالميه لا
تداني في
سمو، و
لاتخاذي في
رفعه من خلال
بيانات
فكريه موثقه
و مبرهنه و
علي أساس
منهج
المقارنه
المنصفه مع
الشخصيات
الأخري التي
قد يدعي أنها
تنافس
الرسول (ص) في
ذلك، و ترافق
مع ذلك حركه
إعلاميه و
تبليغيه
مناسبه لا
تضح للعالم
أن الرسول
الأعظم (ص) هو
أعلي رمز
إنساني علي
صعيد
الإصلاح و
التغيير
الاجتماعي.
و هكذا
الأمر
بالنسبه
لأمير
المؤمنين (ع)
الذي هو أعلي
رمز إنساني
في العداله
الاجتماعيه،
و الإمام
الحسين (ع)
الذي هو أعلي
رمز ثوري في
التاريخ
البشري، حتي
نصل إلي
الأمام
المهدي (ع)
الذي تؤكد
النصوص
الإسلاميه
أنه سيكون
خلاصه القيم
الإنسانيه و
منتهي القمم
في العداله،
و التغيير، و
الإصلاح.
و بإمكان
هذا الاتجاه
أن يتواصل و
يتخذ من بعض
أعلام
المسلمين
البارزين
محطات، ما
يؤكد قابليه
المسلمين
لممارسه دور
الشهاده
بالنسبه إلي
البشريه، و
بخاصه
الحلقات
المعاصره من
هؤلاء
الأعلام.
و ليس من شك
في أن السيد
الشهيد
الصدر (رض)
يتقدم إلي
الطليعه من
هذه
الحلقات، و
هو الحلقه
المشعه التي
لو أتيح
لشعاعها أن
يمتد و يأخذ
ما يستطيعه
من المدي
لنفذ إلي
قلوب أحرار
العالم، و
مفكريه، و
مستصعفيه
أينما
كانوا، إلا
أن قله
الاهتمام و
قصور المنهج
هو الذي أقعد
هذا الشعاع
عن الوصول
إلي مرماه
الأخير. ما
نعنيه
بالأفق
العالمي
العالميه
مصطلح قابل
للاستعمال
في ثلاثه
معان:
1. ذيوع الصيت
و انتشاره.
2. الاهتمام
بأمر
البشريه و ما
يمثل قضيه
إنسانيه
عامه و
مصيريه.
3. احترام دور
العناصر
الإنسانيه
الأصيله في
حركه الفرد و
المجتمع و
التاريخ و
عدم تغليب
العناصر
المحليه
كاللون، و
الجنس، و
القوميه
عليها.
فالنظره
الأيديولوجيه
المرتكزه
علي هذا
المحور تسمي
نظره
عالميه،
بينما تسمي
النظره
الأخري
المرتكزه
علي تغليب
دور العامل
القومي و
الوطني و
العرقي
بالنظره
المتعصبه.
و نحن نقصد
في دراستنا
هذه المعني
الثالث، و
نحاول
استقصاء ما
قدمه السيد
الشهيد من
معالجات و
آراء و
نظريات في
هذا
المضمار، و
إن كانت
المعاني
الثلاثه
تنطبق عليه،
فهو مفكر
عالمي بمعني
ما يستحقه من
المكانه و
ذيوع الصيت و
انتشاره،
كما أنه مفكر
عالمي بمعني
ما قدمه من
اهتمام بأمر
البشريه و حل
معضلاتها
الاجتماعيه،
و أطرواحات
تتبني
العناصر
الإنسانيه
الأصليه و
تستبعد دور
العناصر
المحليه في
حركه الفرد. و
المجتمع، و
التاريخ. و
ذلك أن
المعني
الثالث
يشتمل علي
جدليات
تنطوي علي
درجه كبيره
من الأهميه و
الغموض، و من
الممكن أن
تؤدئ إلي
منزلقات و
أخطار كبيره.
و من الطبيعي
أن يفرع
المعنيون
بمثلها من
ذوات البأس
إلي السيد
الشهيد
الصدر بوصفه
قمه الفكر
الإسلامي
الأصيل في
عصرنا،
محاولين
استلهام
الحلول و
المعالجات
من مدرسته
الرائده. الأبعاد
العالميه في
مدرسه
الشهيد
الصدر
إذا ما حاول
الباحث
استقصاء
الفكره
العالميه و
معالجات
السيد
الشهيد
الصدر لها في
مدرسته
الفكريه و ما
خلفه من آثار
و مؤلفات،
فسيجد نفسه
أمام عدد
كبير من
الآراء و
الأفكار و
المؤشرات
المفصله
أحياناً، و
المقتضبه
أخري و التي
يمكننا
تقسيمها إلي
أربعه
مجالات:
1. الأبعاد
العالميه في
المجال
العقائدي
2. الأبعاد
العالميه في
المجال
التاريخي
3. الأبعاد
العالميه في
المجال
السياسي
4. الأبعاد
العالميه في
السيره
الذاتيه
للشهيد
الصدر أولاً:
الأبعاد
العالميه في
المجال
العقائدي
العالميه
في الإسلام
ليست شعاراً
عاطفياً
عابراً، و
إنما هي
مفهوم
أخلاقي حيوي
تنطلق جذوره
من عمق
العقيده
التوحيديه
القائمه علي
الإيمان
بالله
سبحانه و
تعالي كمطلق
و مثل أعلي في
الكون و
الحياه
الإنسانيه.
بما يستتبع
انضواء كافه
المخلوقات
تحت لواء
ربوبيته
سبحانه،
فيغدو بذلك
إطاراً
عقائدياً و
عاطفياً
يربط أفراد
البشريه
بأخوه
إيمانيه من
شأنها تذويب
الفوارق
المحليه و
الطبيعيه، و
تحويلها إلي
فوارق غير
مؤثره بعدما
أصبح
الإيمان
بالله هو
المحور
للمجتمع و
ليس العامل
البيئي و
المادي.
و من هنا،
نعتقد أن
الإسلام هو
العقيده
الوحيده
القادره علي
إنجاز
عالميه
حقيقيه، و أن
ما عداها
عالميات
زائفه تبدأ
شعاراً
عاطفياً
ساذجاً، و
تنتهي غطاء
للعدواه و
تبرير
الهيمنه علي
الآخرين؛
لأن العامل
البيئي الذي
يقسم
المجتمع
البشري إلي
قبائل، و
قوميات، و
أوطان لا
يمكن التغلب
عليه إلا من
خلال قيم
سماويه
فعاله تشعر
الإنسان
برابطه أعلي
و أسمي من تلك
الانتماءات.
ذلك أن
الانتماء القبلي-
و كذلك
القومي و
الوطني-
المنطلق من
غريزه حب
الذات و
المتمحور
حولها، بكل
ما تنطوي
عليه من قيم
أرضيه ماديه
إذا ما انفرد
بالساحه
الاجتماعيه
سرعان ما
يطغي و
يتجاوز
حدوده
الطبيعيه
ليتحول من
انتماء إلي
ولاء، من
رابطه
اجتماعيه
إلي مثل أعلي
يعبيء
الإنسان في
معارك مع
الآخرين، و
ينتحل لنفسه
كل خصائص
الالوهيه، و
هذه هي محنه
الإنسان مع
المطلقات
الزائقه
التي أشار
إليها السيد
الشهيد
الصدر في بعض
مؤلفاته،
فقد كتب يقول:
«…
علي مر
التاريخ
توجد خطوات
ناجحه
تاريخياً، و
لكنها لا
يجوز أن تحول
من حدودها
كخطوه إلي
المطلق إلي
مثل أعلي،
يجب أن تكون
ممارسه تلك
الخطوه ضمن
المثل
الأعلي، لا
أن تحول هذه
الخطوه إلي
مثل أعلي.
حينما اجتمع
في التاريخ
مجموعه من
الأسر
فشكلوا
القبيله،
حينما
اجتمعت
مجموعه من
القبائل
فشكلت
عشيره،
حينما
اجتمعت
مجموعه من
العشائر
فشكلت أمه،
هذه الخطوات
صحيحه في
تقدم
البشريه و
توحيد
البشريه، و
لكن كل خطوه
من هذه لا يجب
أن تتحول إلي
مثل أعلي، لا
يجوز أن
تتحول إلي
مطلق، لا
يجوز أن تكون
العشيره هي
المطلق الذي
يحارب من
أجله هذا
الإنسان، و
إنما المطلق
الذي يحارب
من أجله
الإنسان
يبقي هو ذاك
المطلق
الحقيقي،
يبقي هو الله
سبحانه و
تعالي،
الخطوه تبقي
كاسلوب و لكن
المطلق يبقي
هو الله
سبحانه و
تعالي هذا
التعميم
الزمني
أيضاً هو شكل
من التعميم
الخاطئ،
حينما يحول
هذا المثل
المنتزع من
خطوه محدوده
عبر الزمن
إلي مثل أعلي»2.
ثم يقارن في
موضع آخر بين
المثل
الأعلي
الحقيقي و
المثل
الأعلي
الزائف،
فيقول: «إن
المثل
الأعلي يوحد
الجامعه
البشريه و
بلغي كل
الفوارق و
الحدود
باعتبار
شموليه هذا
المثل
الأعلي،
باعتبار
شمولياته
فهو يستوعب
كل الحدود و
كل الفوارق،
يهضم كل
الاختلافات،
يصهر
البشريه
كلها في وحده
متكافئه لا
يوجد ما يميز
بعضها عن بعض
لا من دم، و لا
من جنس، و لا
من قوميه، و
لا من حدود
جغرافيه، أو
طبقيه،
المثل
الأعلي
بشموليته
يوحد
البشريه، و
لكن المثل
العليا
المنخفضه
تجزئ
البشريه و
تشتتها،
أنظروا إلي
المثل
الأعلي كيف
يقول: (إن هذه
أمتكم أمه
واحده و أنا
ربكم
فاعبدون)3، (و
أن هذه أمتكم
أمه واحده و
أنا ربكم
فاتقون)4.
هذا هو منطق
شموليه
المثل
الأعلي التي
لا تعترف بحد
و بحاجز في
داخل هذه
الأسره
البشريه،
انظروا
استمعوا إلي
المثل
المنخفض إلي
مجتمع الظلم
و آلهه مجتمع
الظلم كيف
يقولون، أو
كيف يتحدث
عنهم القرآن
الكريم، (إن
فرعون علا في
الأرض و جعل
أهلها شيعاً)5
6.
و عندما
يكون
التوحيد
عالمياً
بطبعه و
جوهره كما
اتضح من
البيان
السابق، فمن
الطبيعي أن
تكون
النبوات
عالميه كذلك
بجوهرها و
طبعها،
بمعني أن
النبوات
تتعامل مع
أفراد
البشريه
كوحده نوعيه
واحده
متساويه و
متكافئه،
بحيث لا نجد
فيها أثراً
لانحياز إلي
فرد، أو
قبيله، أو
أسره، أو
قوميه، أو
بقعه
جغرافيه،
علي حساب
فرد، أو
قبيله، أو
أسره قوميه،
أو بقعه
جغرافيه
أخري. و من
هنا، كانت
العالميه
صفه منحصره
في الدين
السماوي
الصحيح، فلا
نجد لها
أثراً
حقيقياً في
مبدأ أرضي، و
لا في دين
سماوي مشوب
بشوائب
أرضيه.
قال السيد
الشهيد: «و قد
عرف العالم
دعوات
عالميه
كثيره، عرف
المسيحيه
الرسميه
التي يدعي
أنها عالميه
مع أن كتابها
المقدس ينطق
بأن ما عدا
شعب إسرائيل
كلاب، و لم
تكن إنسانيه
في يوم من
الأيام؛ و
عرف
الماركسيه
في العصر
الحديث و
يدعي
اتباعها
بأنها
عالميه، و
لكنها لن
تكون
إنسانيه في
يوم من
الأيام:
لأنها ماديه
و قد كفرت
بالإنسان
يوم جردته من
مصدر عظمته و
من أعظم
ميزاته، و هو
جانبه
الروحي و
محور
إنسانيه
الوحيد، و
إذا لم تكن
إنسانيه فلن
تكون
عالميه؛
لأنها تفقد
الشرط
الأساس لذلك
و هو الإيمان
بالإنسان، و
يبقي
الإسلام و
الإسلام
وحده دعوه
إنسانيه
عالميه،
كذلك كان و
كذلك هو
الآن، و كذلك
سيبقي حتي
يرث الله
الأرض و من
عليها»7.
و علي أساس
هذه الفكره
ينطلق السيد
الشهيد في
مواضع أخري
ليناقش و
يثبت
حقيقتين:
1. صحه
الإسلام
كرساله
سماويه.
2. إن الأديان
السماويه
توحيديه
عالميه منذ
البدء.
أما
الحقيقه
الاولي، فقد
عالجها و
أثبتها في
كتابه «المرسل
الرسول
الرساله» في
مواجهه
تشكيكات
الخصوم التي
أرادت أن
تنال من
الإسلام
كرساله
سماويه
بادعاء أنه
مبدأ أرضي
كان من إبداع
النبي نفسه،
و هو ادعاء
أظهره
النصاري و
اليهود
قديماً، و
عدد من
المستشرقين
حديثاً بنحو
علني سافر، و
انجر إليه
بعض دعاه
القوميه
العربيه
بنحو ضمني
حينما آمنوا
بأن الإسلام
جاء تعبيراً
قومياً عن
الشخصيه
العربيه في
خصوصياتها،
و طبائعها.
فكتب السيد
الشهيد يقول
في ردهم:
إن «الرساله
ـ كمحتوي –
حقيقه
ربانيه فوق
الشروط و
الظروف
الماديه، و
لكنها بعد أن
تحولت إلي
حركه، إلي
عمل متواصل
في سبيل
التغيير
يصبح
بالإمكان
ربطها
بظروفها، و
ما تكتنفها
من ملابسات و
أحاسيس،
فإذا قيل
مثلاً: إن
شعور
الإنسان
العربي
بالتمزق و
الضياع و هو
يجسد إلهه و
مثله الأعلي
في حجر يحطمه
في لحظه غضب،
أو حلوي
يلتهمها في
لحظه جوع،
جعله يتطلع
إلي الرساله
الجديده، أو
قيل: إن
الشعور
القبلي لعب
دوراً مهماً
في حياه
الرساله؛
إذا قيل شيء
من هذا
القبيل، فهو
أمر معقول، و
قد يكون
مقبولاً غير
أن هذا إنما
يفسر
الأحداث و لا
يفسر
الرساله
نفسها»8.
و لو كان
الإسلام و
ليد البيئه
لانعكست
عليه
خصائصها و
طباعها،
بينما نجد أن
الرساله
الإسلاميه
جاءت بقيم و
مفاهيم عن
الحياه و
الإنسان و
العمل و
العلاقات
الاجتماعيه … فابن
مجتمع
القبيله ظهر
علي مسرح
العالم و
التاريخ
فجاه ينادي
بوحده
البشريه
ككل، و ابن
البيئه التي
كرست
ألواناً من
التمييز و
التفضيل علي
أساس العروق
و النسب و
الوضع
الاجتماعي
ظهر ليحطم كل
تلك
الألوان، و
يعلن أن
الناس
سواسيه
كاسنان
المشط و (إن
إكرمكم عند
الله أتقاكم)9،
و ليحول هذا
الإعلان إلي
حقيه يعيشها
الناس
أنفسهم …
و أبن
الصحراء
التي لم تفكر
إلا في
همومها
الصغيره، و
سد جوعتها و
التفاخر بين
أبنائها ضمن
تقسيمها
العشيري،
ظهر ليقودها
إلي حمل أكبر
الهموم و
يوحدها في
معركه تحرير
العالم … »10.
و هكذا فنحن
«نواجه هنا
طفره هائله و
تطوراً
شاملاً في كل
جوانب
الحياه، و
انقلاباً في
القيم و
المفاهيم
التي تتصل
بمختلف
مجالات
الحياه إلي
الأفضل
بدلاً عن
مجرد خطوه
إلي الأمام.
إن مجتمع
القبيله طفر
راساً علي يد
النبي إلي
الإيمان
بفكر
المجتمع
العالمي
الواحد، و إن
المجتمع
الوثني طفر
راساً إلي
دين التوحيد
الخالص الذي
صحح كل أديان
التوحيد
الأخري
…
»11. و خلاصه ذلك
كله أن
عالميه
الإسلام
تثبيت
سماويته.
و أما
الحقيقه
الثانيه،
فقد بحثها
السيد
الشهيد
الصدر في
نطاق مناقشه
الفكره
القائله بأن
الأديان
تطورت من
الصوره
القبليه إلي
الصوره
القوميه ثم
إلي الصوره
العالميه
علي أساس «أن
كل شعب حين
تطورت ظروفه
الاقتصاديه
و أناحت له
إقامه مجتمع
قومي مستقل
كانت الآلهه
التي يعبدها
آلهه قوميه
لا تتجاوز
سلطتها حدود
الأراضي
القوميه
المدعوه إلي
حمايتها و
بعد أن تلاشت
قوميات هذه
الشعوب
بالاندماج
في
إمبراطوريه
عالميه هي
الإمبراطوريه
الرومانيه
ظهرت الحاجه
إلي دين
عالمي أيضاً.
و كان هذا
الدين
العالمي هو
المسيحيه
التي أصبحت
ديناً
رسمياً
للدوله»12.
و يرد السيد
الشهيد
الصدر علي
هذه الفكره
بأن
المسيحيه «لو
كانت
تعبيراً عن
الحاجات
الموضوعيه
الماديه
التي تشير
إليها
الماركسيه
لكان من
الطبيعي أن
تولد
المسيحيه و
تنمو في قلب
الامبراطوريه
الرومانيه
الآخذه
بزمام
القياده
العالميه … مع أن
الواقع
التاريخي
يختلف عن ذلك
تماماً
فالمسيحيه
لم تنشأ في
نقاط
التمركز
السياسي، و
لم تولد في
أحضان
الرومان
الذين بنوا
الدوله
العالميه و
كانوا
يعبرون في
نشاطاتهم
عنها، و إنما
نشأت بعيده
عن ذلك كله،
في إقليم من
الأقاليم
الشرقيه
المستعمره
للرومان و
تمت بين شعب
يهودي مضطهد
لم يكن منذ
استعمرته
الإمبراطوريه
علي يد
القائد
الروماني
بمبي قبل
الميلاد
بسته عقود
يحلم إلا
بالاستقلال
القومي، و
تحطيم
الأغلال
التي تربطه
بالمستعمرين
الأمر الذي
كلفه كثيراً
من الثورات و
عشرات
الألوف من
الضحايا
خلال تلك
العقود
السته، فهل
كانت ظروف
هذا الشعب
الماديه، و
السياسيه، و
الاقتصاديه
جديره بأن
تتمخص عن
الدين
العالمي
الذي يلبي
حاجات
الامبراطوريه
المستعمره؟13.
و من
الزاويه
الإسلاميه
إذا «أخذنا
فكره
الماركسيه
عن التطور
التاريخي
للأديان
لنطبقها علي
الأسلام
الدين
العالمي
الآخر،
لوجدنا مدي
التناقض
الفاضح بين
الفكره و
الواقع. فلئن
كانت أروبا
دوله عالميه
تتطلب ديناً
عالمياً،
فلم تكن في
جزيره العرب
دوله، بل لم
تكن توجد
دوله قوميه
تضم الشعب
العربي، و
إنما كان
العرب
موزعين فئات
متعدده، و
كان لكل
قبيله إلهها
الذي تؤمن
به، و تتذلل
إليه و تصنعه
من الحجر ثم
تدين له
بالطاعه و
العبوديه،
فهل كانت
الظروف
الماديه و
السياسيه
تدعو إلي
انبثاق دين
عالمي جديد
من قلب تلك
الجزيره
المبضعه، و
هي لم تعرف
كيف تدرك
وجودها
كقوم و شعب
فضلاً عن أن
تعي وحده من
نمط أرقي
تتمثل في دين
يوحد العالم
برمته؟ و إذا
كانت الآله
الدينيه
تتطور من
آلهه قوميه
إلي إله
عالمي تبعاً
للحاجات
الماديه و
الأوضاع
السياسيه،
فكيف طفر
العرب من
آلهه قبليه
يصنعونها
بأيديهم إلي
إله عالمي
دانوا له
بأعلي درجات
التجريد؟»14.
و هو حينما
يفند هذه
النظريه في
مجال تطور
الأديان
يطرح في
قبالها
نظريه جديده
يمكنها أن
تعالج مسأله
تغيير
النبوات،
تجددها و
ظهورها
واحده بعد
الأخري، و
المجال هنا
لا يسمع لبسط
هذه
النظريه، و
إنما نقتصر
علي القدر
المرتبط
منها بموضوع
دراستنا هذه.
و هو أن
النبوات
تتغير و
تتجدد تبعاً
لعوامل، و من
جمله هذه
العوامل
عامل مدي
استعداد
الإنسان
لوعي حقيقه
التوحيد.
صحيح أن
التوحيد
حقيقه واحده
في كل
النبوات و
الرساله
السماويه، و
لكن
استعدادات
الإنسان و
شروطه
النفسيه و
الفكريه
تختلف من
مرحله زمنيه
إلي مرحله
زمنيه أخري،
و في حاله
كهذه لابد من
أن تقدم فكره
التوحيد «علي
مراحل و علي
درجات كل
درجه تهيئ
ذهنه لتلقي
التوحيد، و
نحن
بإمكاننا
الالتفات
إلي فكره
التوحيد
المعطاه من
التوراه، و
الانجيل، و
القرآن
الكريم. أن
نفهمه
مثالاً علي
هذا المعني،
التوراه و
الإنجيل
الذي يعيش
بيننا
اليوم؛ لأن
التوراه و
الإنجيل
الموجدان
بين أيدينا
اليوم علي أي
حال قد
تقصدان
تصوير
الفكره
الدينيه في
شعب موسي و
شعب عيسي، في
قوم موسي و
قوم عيسي، و
لاشك أنه
أيضاً يحتفظ
بجزء من النص
الديني إلي
حد قليل أو
كثير، خاصه
في التوراه،
و لهذا يمكن
أن نستلهم من
الكتابين في
سبيل تقدير و
تحديد الروح
الدينيه
العامه
لمرحلتين من
مراحل
الإنسان
التي عاشها
مع النبوه
بطبيعه
المعطي،
فبينما
التوحيد في
الكتاب
الأول يقوم
علي أساس
إعطاء إله، و
هذا الإله لا
يستطيع هذا
الكتاب أن
ينزع عنه
الطابع
القومي
المحدود؛
فكانت
التوراه
باستمرار
تقدم الإله
في إطار
قومي، كانه
إله هؤلاء في
مقابل
الأصنام و
الأوثان
التي هي آلهه
الشعوب و
القبائل،
فلم تقل
التوراه
بشكل صريح
عميق لهؤلاء:
إن هناك إلها
واحداً
للجميع، و
إنما عوضت
هؤلاء
بالخصوص عن
صنم و وثن
معين، بإله
يعبدونه
بدلاً عن هذا
الصنم، فخيل
لهم علي مر
الزمن أنهم
يحتكرون
الله
لأنفسهم
بينهما
الشعوب و
القبائل
الأخري هي
ذات آلهه شتي
و أصنام شتي …
في الكتاب
الثاني صعدت
فكره الله
مرتبه؛ و ذلك
لأن الطابع
القومي
انتزع عن هذه
الفكره و
أصبح الإله
المقدم من
قبل تلامذه
السيد
المسيح عليه
السلام
للعالم،
إلها
عالمياً لا
فرق فيه بين
شعب و شعب هو
إله العالمي
علي
الإطلاق، لم
يغادر منطقه
قريبه من ذهن
الإنسان
المحسوس، لم
يجرد
تجريداً
كاملاً عن
عالم الحس،
بقي علي صله
وثيقه جداً
بالإنسان
الحسي، كأنه
أبوه و بهذا
يعبر في
الأناجيل
كثيراً عن
الإنسان
بأنه ابن
الله،
ألأناجيل
تعبر عن أي
إنسان أنه
ابن الله؛
لأنها تعطي
فكره عن الله
فكره الأب
الواحد
للجماعه
البشريه،
فكره الخالق
السيد
المطلق
المقتدر،
بينما
الكتاب
الثالث يعطي
فكره
التوحيد
بأنصع و أوسع
ما يمكن من
التنزيه
الذي يبقي
محتفظاً
بقدرته علي
تحريك
الإنسان؛
لأنه يجرد
هذه الفكره
عن طابع
الأبوه و
العلائق
الماديه مع
الإنسان علي
الإطلاق»15.
و هذه
الفكره تؤكد
ما أسلفناه
من العلاقه
بين التوحيد
و العالميه
فلكما كان
التوحيد
واضحاً
ناصعاً كانت
العالميه
الناتجه عنه
أكبر و أكد،
حتي جاء
الإسلام
ليبلغ
بالتوحيد
إلي أرقي
مراحله و
بالعالميه
إلي أكبر
درجاتها. و في هذا السياق لابد من معالجه الظاهره الملحوظه في خط النبوات، ألا و هي ظاهره إعطاء الوصايه علي الرساله لأشخاص يرتبطون بالرسول القائد ارتباطاً نسبياً أو لذريته و أبنائه، و هذه الظاهره لم تتفق فقط في أوصياء النبي محمد (ص) بل اتفقت في أوصياء عدد كبير من الرسل. قال الله سبحانه و تعالي: (و لقد أرسلنا نوحاً و إبراهيم و جعلنا في ذريتهما النبوه و الكتاب)16 (و وهبنا له اسحاق و يعقوب كلا هدينا و نوحا هدينا من قبل و من ذريته داود و سليمان)17 فاختيار ا |