العرفان عند الإمام الخميني (قده)

د. سامي مكارم (*)

 

     إن المسلك العرفاني صعب مستصعب في تطبيقه عملياً، و صعوبته تكمن في أنه لايتأتى للمرء إلاّ أذا تخلّص مما بُرمج عليه من الإنطلاق من «الأنا» في كلا تصرفه العلمي و النظري، و الاعتماد على التوسل بالعقل البشري للوصول إلى العرفان، أي بالخلط بين ما هو عقلي مختص بعالم الشهاده، و هنا يكون لهذا العقل البشري دور في المعرفه، و ما هو غيي حيث لايكون اهذا العقل البشري أي دور، إذ يكون المرء قد تخطى المعرفه القائمه على المكان و الزمان إلى العرفان الأصيل، حيث لا حيث و لا نسبه و لا أنائيه و لا أنتيه. في هذه المرحله المتقدمه التي تتجاوز المعرفه إلى العرفان، و الكثره إلى الوحده، لايعود للبراهين العقليه و للحكمه الفلسفيه و الكلاميه و للوعي الأنائي اي دور. و قد ذكر ذلك بوضوح آيه الله روح الله الموسوي الخميني (قُدّس سرّه) إذ قال في كتابه «الأربعون حديثاً» ما تعريبه:

     «و ما ذُكر من البراهين و الآراء الدقيقه على يد علماء الحكمه و الفلسفه، أو في أبحاث الأسماُء و الصفات لأرباب المصطلحات العرفانيه، يكون صحيحاً حسب مسلكهم و مبادئهم التي ينطلقون منها، و لكن نفسَ العلمِ حجاب غليظ، فإذا لم يُخرق هذا الحجاب بتوفيق من الله سبحانه في ظل التقوى الكامله و الترويض المجهد و الإنقطاع التام لله، و المناجاه الصادقه معه، لم تُشرِق في قلب السالك أنوار الجمال و الجلال، و لم يشهَد قلبُ المُهاجر إلى الله المشاهداتِ الغيبيه، و لم يتمتع بالحضور العيني لتجلّيات الأسماء و الصفات، فضلاً عن الحظوه بالتجلّيات الذاتيه»(1).

     فالعلم، كما يقول الإمام، حجاب غليظ، يحجب السالكَ عن العرفان حيث أنوار الجمال و الجلال، و المشاهدات الغيبيه و الحضور العينيّ لتجلّيات الأسماء و الصفات، و حيث الحظوه بالتجلّيات الذاتيه.

     أما اختراق السالك لهذا الحجاب الغليظ فقد بيّن الإمام الخميني (قدّس سرّه) شروطاً له هي التقوى الكامله، و الترويض المجهد للنفس، و الإنقطاع التام لله، و مناجاتُه الصادقه، غير أن كل ذلك، كما يقول (قُدّس سرّه الشريف) لايتمّ للسالك إلاّ بتوفيق من الله سبحانه. و توفيق الله إنما هو فعل منه تعالى يستلهمه العارف وجوباً و لايصل إلاّ به. و لايوفّق الله تعالى السالك لهذه الطريق إلاّ إذا كان سلوكه لوجهه تعالى، دون أن تكون في نفس السالك غايهُ إلاّ الحق سبحانه، فكل غايه أنائيه هي حجاب. روح السالك تكون مطروحهً بين يدي الله، و قد خلت من كل مصلحه ذاتيه. طرحُ السالك لروحه تلك إنما هو طرحُ كلِّ أنا، كلِّ حجاب. إذ ذاك تشرق أنوار الجمال و الجلال، و يشهد القلب المشاهدات الغيبيه و يتمتع بالحضور العيني أجل الحضور العيني لتجلّيات الأسماء و الصفات، و يحظى بالتجلّيات الذاتيه. و هكذا لايترك الوجود الحق إلاّ بالفناء عن الوجود الأنائي الملكي، و لايتم العناء هذا إلاّ بتوفيق الله عندما يلتقي حب السالك لله بحب الله للسالك. و الله إنما يحب لا لمصلحه ذاتيه، و أي مصلحه له تعالى و الدنيا لاتساوي عنده جناح بعوضه، و هكذا حب السالك لله لايوفق بحب الله للسالك إلاّ إذا أحب السالك الله لذاته تعالى، عندئذٍ يلتقي الحبان و تشرق أنوار الوجود، و يغدو الحب مرادفاً للعرفان، ألم تقل رابعه العدويه مخاطبه الله:

أحبّك حبين حب الهوى      و حباً لأنك أهل لذاكا

فأما الذي هو حب الهوى      فشغلي بذكرك عمّن سواكا

و أما الذي أنت أهل له      فكشفك للحجب حتى أراكا

فلا الحمد في ذا و لا ذاك لي      و لكن لك الحمد في ذا و ذاكا

     أجل له وحده الحمد في هذا الحب لأنه توفيق منه تعالى وفّق به عبده الذي يحبه كما حبه تعالى، و هذا معنى السلوك الحق.

     فالمشاهده، أي إشراق أنوار الجمال و الجلال، إنما هي حال تنزل إلى السالك من لحق، من عين الجود سبحانه. هي غايه السالك الذي اتّقى و روّض نفسه ترويضاً مجهداً، فكانت المشاهده غايتَهُ، أجل و لكن لم تكن نتيجهً لعمله الواعي هذا، و إنما كانت توفيقاً من الله، هو تعالى الذي وفّقه إلى ذلك و أنعم عليه بذلك، فالله لايخضع لقانون السبب و النتيجه، و هو لايعرفه السالك بأعمال وعيه الذي يبقى حجاباً، و إنما يعرفه بتنكره لكل غيريه، لكل أنائيه، و العقل البشري من هذه الغيريات. المشاهده العرفانيه حال كما يقول أهل الذوق العرفاني. و الحال هبه منه تعالى، و ليست مكتسبهً يكتسبها الإنسان بعقله المحدود، و المجهول الواعي يهيّىء السالك و يعدُّه لتقبّل الأحوال. ذلك ما نبّه الإيه الإمام (قُدّس سرّه الشريف) عندما قال ايضاً في كتابه «الأربعون حديثاً»:

     «إذا أراد شخص أن يصف الحقّ المتعالي بوصفِ من وحي عقله القاصر المشوب بالأوهام، من دون أن يستنير بنور المعرفه و السداد الغيبيّ، لسقط إما في ضلال التعطيل و البطلان، و إما في هلاك التشبيه»(2).

     و هذا ما عناه أيضاً أبوالحسين النوري عندما سُئِل كيف لاتدركه العقول فأجاب:

     «كيف يدرِك ذو أمَد مَن لا أمَدَ له، أم كيف يُدرك ذو عاهه مَن لا عاهه له و لا آفه، أم كيف يكون مكيَّفاً مَن كيّف الكيف، أم كيف يكون محيّثاً مَن حيّثَ الحيث فسمّاه حيثاً، و كذلك أوّل الأول و أخّر الآخِر، فسماه أولا و آخرا، فلولا أنه أوّل الأوّل و أخّر الآخشر، ما عُرِف ما الأوّليه و ما الآخِريه»(3).

     إن العقل البشري يصدر عن الأنا النسبيه، و لذلك لايصح أن يكون وسيله لبلوغ الحق المطلق. فالأنا، كما ذكرت من قبل في كتابي «الحلاّج في ما وراء المعنى و الخط و اللون»:

     «هي الحاجز الذي يحجر الإنسان عن التوحيد الحق، فإذا ما تخلّص منها الإنسان، مشي على درب المعرفه الحق، و توصل إلى الشعور بالوحدانيه التي لاتفصل عالم الشهاده عن عالم الغيب، بل تجعل عالَم الخلق هذا بدواً للحق، فيتخلص الإنسان من هذه الثنائيه الشركيه، و يصل إلى الوحدانيه التي بدؤها هذا الكون العباره»(4).

     و في هذا يقول ابن عربي:

إلى أين أو من أين أنت مسافِرُ      و ذاك لعمر الله أمرُ ينافرُ

     إلى أن يقول:

ففيه فسافر لا إليه، و لاتكن      جهولاً فكم عقلُ عليه يثابرُ(5)

     العقل إن أُعطِيَ المجالَ في العلم في الغيب يثابر على الجهل، و لايوصل المرء إلاّ إلى النسبيه الواهمه.

     فالحب، لا العقل القاصر المشوب بالأوهام، على حد تعبير الإمام الخميني (قُدّس سرّه)، هو الوسيله الحقيقيه لبلوغ العرفان الأصيل. العقل ليس إلاّ وسيله للعلم. و العلم، كما يقول روح الله، حجاب غليظ لايُخرَق إلاّ بتوفيق من الله سبحانه في ظل التقوى، الكامله و الترويض المجهِد للنفس، و الإنقطاع التام لله، و المناجاه الصادقه معه.

     هذا التهيؤ في المقامات إنما يؤدّي إلى فناء السالك عن وعيه العقليه لأنائيته، فيتهيّأ إلى تقبّل الأحوال، و بالتالي الوصول إلى العرفان الأصيل. فالإنسان، كما يقول الإمام الخميني:

     «ما دام ساقطاً في شباك حبّ الجاه و المال و الدنيا و النفس .. يكون بعيداً عن المعارف الحقّه، و محروماً من الوصول إلى هدفه و مبتغاه، و إذا لم تصله و العياذ بالله نجدهُ غيبيه من الحق المتعالي أو أوليائه الكاملين، لَمَا عرف المصير و النهايه لهذا المسير و الحركه، اللهّم إليك الشكوى و أنت المستعان»(6).

     من هنا نرى الإمام يركّز على أن «الأنا» هي الحجاب الذي يحجب السالك عن العرفان، و هي الباب المؤدّي إلى الحيره و الضلال.

     في دراسه سابقه قارنت فيها بين الإمام الخميني و الحلاّج(7) ذكرت أن الحلاّج، مع أنه نفى الأنا و الأنت نفياً قاطعاً، لم يتخلّص في عباراته من الأنا و الأنت تجبره ضروره اللغه على ذكرها، فقال في جمله ما قال:

وحِّد واحدي بتوحيد صدقٍ      ما إليه من السالك طُرقُ

فأنا الحقّ حقَّ للحق حقُ      لابس ذاته فما ثَّم فرقُ (8)

     و تقرأ الإمام الخميني يعلّق على الحلاّج قائلاً:

خلصتُ من نفسي و قرعتُ طبل «أنا الحق»      و مثلَ المنصور صرتُ شارياً رأس الصليب (9)

     و قد كان قُدّس سرّه أكثر حذراً من الحلاّج في استعمال ضمير المتكلم، ذلك لأن رسالته التعليميه تضطرّه إلى الإفصاح في التحذير، في حين أن الحلاّج لم يكن في هذا الموقع، أو، هو الأرجَحُ، لأن الحلاّج كان بخلاف الإمام، يقول بوحده الشهود القائمه على وحده الصفات لا وحده الذات القائمه على وحدهٍ بين اللامحدود و الحدّ أو بين الحق و مظهر الحق، أو بين الحق و الخلق. و هذا ما حدا بالإمام الخميني أن يقول في إحدى رباعياته ما تعريبه:

ما دمت ابن منصور تطوف حول «انا الحق»

تثير الضجيج و الهياج دون أن ترى جمال لحبيب(10)

     فهذه «الأنا» التي في «أنا الحق» الحلاجيه، إنما توحي بالفصل بين اللامحدود و المحدود فصلاً ذاتياً، و هي في نظر الإمام الخميني درجه دون درجه الوحده الكليه. و مَن يقل بها يكن في نظره، قُذِّس سرّه، على درجهٍ من التوحيد لم تبلغ بسموّها أعلى الدرجات، إذ هي ما تزال في حمى العباره و العاطفه الهائجه التي تغلي في النفس وجداً، و هي ما تزال على مسافه من التوحيد الحق مهما تكن هذه المسافه قربيه، على حدّ تعبير النِّفَّري الذي يقول على لسان الله: «و قال لي: القرب الذي تعرفه مسافه، و البعد الذي تعرفه مسافه، و أنا يقريب البعيد بلا مسافه»(11).

     و هكذا يكون الواصل إلى هذه المسافه، في مفهوم الإمام الخميني، ما يزال في حمى بكثره، و لم يبلغ الوحده في الذات، وحده الوجود. ذلك أن العارف الحق يفني كما عند الإمام الخميني فناءً كلياً فلايعود موجوداً إلاّ الواحد الأحد، و يتيقن العارف المتحقق أن لا شيء يوجد خارج ملكوت الحق. استهلك المطلقُ اللامحدودُ عالَم النسبه، لا شاهد و لا مشهود، و لا مشهود بشاهدٍ أو بشهود، لا موجود إلاّ الله الواحد الأحد، استهكلت الأنوات و الأنتيات بالهو.

     ذلك هو الذي قصده الإمام الخميني عندما وصف مَن يبقى دائراً حول «أنا الحق» بأنه يثير الضجيج و الهياج دون أن يرى جمال الحبيب. و الضجيج و الهياج كثافه، أما الرؤيه، رؤيه جمال الحبيب فهي رؤيه اللطافه للطافه. و هو قدِّس سرّه الشريف يواصل رباعيته الحاديه و العشرين ليقول:

دُكّ كومسي جَبَل أنانّيتك      حتى يتجلّى جماله من دون «أرني»(12)

     فلا وحده في الحق، كما يقول إلاّ إذا دككت جبل أنانيتك، و دكّ جبل الأنانيه هذا لايتحمله إلاّ القلّه من العارفين الذين عرجوا في معارج التحقق. أما مَن دونهم فيدكّون دكّاً و يخرّون مصعوقين حتى و لو كان بعضهم من الأنبياء. ألم يقل الله: ]و لَمّا جاءَ موسى لميقاتنا و كلَّمَهُ رَبُّهُ قال ربِّ أرني أنظر إليك قال لن تراني و لكنِ انظر إلى الجبل فإنِ استقرَّ مكانه فسوف ترابي فلما تجلّى ربُّهُ للجبل جعلَهُ دكّاً و خرَّ موسى صعِقاً فلمّا أفاق قال سبحانك تُبتُ إليكَ و أنا أوَّلُ المؤمنين[(13).

     و قد أحسنت لجنه التحقيق و الإعداد في شرحها لهذه الرباعيه إذ قالت:

     «بل إنَّك إذا دككتَ جبل أنانيتك فربما كنتَ أَفضلَ من نبي الله موسى (ع)، لأن جماله سبحانه و تعالى سيتجلّى لك قبل أن تقول له و دون أن تقول له (كما قال موسى):  ]ربِّ أرني أنظر إليك[(14).

     و في هذه الأنا الإمام الخميني في مجموعه غزلياته ما تعريبه:

أترُك نفسَكَ حتى و لو كنتَ عاشقاً وَ لهاً      إذ لا حائل بينك و بينه غيرُك(15)

     و تحوي هذه المجموعه من شعر الحب العرفاني أبياتاً كثيره في هذا المعنى منها قوله:

إن هذا «الأنا و النحن» هو من العقل، و هو عقال      ففي حلوه السكارى لايوجد أنا و نحن(16)

     و لايقصد الإمام إلى القول بذم الأنا في المطلق، فالأنا التي تدفع الإنسان إلى المحبه و المعرفه و الخير هي محموده، بل واجبه ضروريه، ذلك أنها تؤدي بالسالك إلى مقام التذلل و التضرع و الحب و الشوق و الإعتراف بالعجز و نفي الإستقلاليه، فالإمام في شرح دعاء السحر يقول:

     «و أما إثبات الأنانيه في مقام التذلل، و إظهار الفقر، فليس مذموماً، بل ليس من إثبات الأنانيه بل حفظ مقام العبوديه و التوجّه إلى الفقر و الفاقه»(17).

     و هنا نرى أن هذه الأنا التي تعني التضرع و الفقر، و تنفي الإستقلال و الإستغناء، إنما تنفي الكثره، و تنكر الإقرار بأي وجود إلاّ وجود الله. فلا غيريَه له، كل غيريه هي عدم، و هو في ذلك يخاطب الحق فيقول ما تعريبه:

متى كنتَ في عيون العشاق خفيّاً      متى يا حكيمي كنتَ منفصلاً عن الروح؟

إن طوفان حبّك اقتلع جَذر الوجود      متى متى كنت منفصلاً عن النفس أيها الحبيب(18)

     كما يقول في رباعيه اخرى ما تعريبه:

يومَ أمسيتُ عاشقاً لجمالك      جُننِتُ بوجهك العديم المثال

رأيتُ أن لم يكن في العالَمين سواك      فذُهلتُ عن نفسي و غرقتُ في كمالك(19)

     تماماً كما تغرق قطره الماء في البحر، تفنى قطرّيتها الواهمه و تبقى حقيقتُها المائيه، و تصبح هي البحر. تعود الأنا إلى الهو. و في ذلك يقول الإمام الخميني في كتابه «مصباح الهدايه»:

     «فاعلم أن الذات الإلهيه لمّا كانت تامه فوق التمام، بسيطه فوق البساطه، فهي كل الأشياء بوجهٍ بسيك إجمالي منزّه عن قاطبه الكثرات الخارجيه و الخياليه و الوهميه و العقليه، فهي كل الأشياء، و ليس بشيء منها»(20).

     و هو يقول موضحاً هذه الوحده:

     «إن الموجودات الخاصه في كل نشأه من النشآت ظهرت، و الأنوار المتعيّنه في كل مرتبه من المراتب برزت، مستهلكاتٍ في الحضره الألوهيه. فإن المقيَّد ظهور المطلق بل عينُه و القيد أمر اعتباري

     و العالم هو التعيّن الكلّ، فهو اعتبار و خيال في خيال عند الأحرار، و الوجود من صَقعِهِ و حضرته لا حُكمَ له بذاته، فلابدّ للحكيم المتأّلِه أن يستهلك التعيّنات في الحضره الأحديه»(21).

     و يواصل الكلام فيقول:

     «فإن قلتَ إن الله تعالى ظاهر في الأكوان و متلبِّسُ بلباس الأعيان صدقت، و إن قلتَ إنه تعالى مقدَّس عن العالمين صدقت»(22).

     ثم يقول:

     «و أما الذي يشاهد الكثره بلا احتجاب عن الوحده، و يرى الوحده بلا غفله عن الكثره، يُعطي كلَّ ذي حق حقَّه فحَكَم تارهً بأن الكثره متحققه، و تارهً بأن الكثره هي ظهور الوحده كما قال المتحقق بالبرزخيه الكبرى، و الفقير الكل على المولى و المترتقي بقاب قوسين أو أدنى المصطفى المرتضى المجتبى بلسان أحد الأئمه: لنا مع الله حالات هو هو و نحن نحن، و هو نحن و نحن هو»(23).

     وحده الوجود هذه نراها مبثوثه في غير كتاب من كتب آيه الله روح الله الإمام الخميني، ففي كتاب «المظاهر الرحمانيه»، و هو يضم رسائله العرفانيه يقول:

     «فهو ظاهر، و كل ظهور هو ظهورُ له سبحانه و تعالى، و نحن بذاتنا حُجُبُ، فأنانّيتنا هي التي تحجبنا»(24).

     و اخيراً، لنسمعه يرشد السالك إلى الطريق المؤديه إلى هذه الوحده يقول:

     «مَن ملك سبيل الحق، و خرج عن الأنانيه بقول مطلق، و فني ذاتاً و صفهً و فعلاً و شأناً في الرب المتعال، و سلّم مملكه وجوده إلى القيوم ذي الجلال، و أتى الله بقلبٍ سليم، و وصل إلى مقام العبوديه بالطريق المستقيم، و تحقق بحقيقه «لا موجود سوى الله، و لا هو إلاّ هو»، ربّما شملته الرحمهُ الواسعه الإلهيه، و الفيوضات الكامله و الربوبيه، بإرجاعه إلى مملكته و إبقائه بعد فنائه فيصير عالَم الوجود مملكه وجوده، و مقرَّ شلطته و مسند أمارته»(25).

     و هكذا إذا تدرّج السالك، كما يقول هذا الإمام المعلّم، في مقام العبوديه صُعُداً إلى أن يتحرّر من قيد الأنا، و ذلك بالحب الخالص لوجهه تعالى، و إذا فني ذاتاً و صفهً و فعلاً و شأناً في الحق، و سلَّم ملك وجوده النسبي المحدود إلى ملكوت الحيّ القيوم، و تحقق بحقيقه «لا موجود سوى الله و لا هو إلاّ هو»، و إذا تقبّل الله ذلك منه و هذا شرط حتمي يربط المجهود الإنساني بالإراده الإلهيه الرحمانيه الرحيميه الأمريه، و هو للبعد امتحان في إخلاصه الكلي، إذ ذاك يُرجَع (لايرجع) هذا السالك إلى الله، فيبلغ حقيقته و يدرك غايته، و يكتشف ذاته الحق، و يعود في حقيقيه ناسوتيته إلى المطلق اللامحدود.

 

الهوامش:

     * دائره اللغه العربيه و لغات الشرق الأدني، الجامعه الأمريكيه، بيروت.

     1. الإمام الخميني، الأربعون حديثاً، تعريب محمد الغروي، بيروت، دار التعارف للمطبوعات، ص 595.

     2. المصدر ذاته، ص 594.

     3. أبونصر السراج الطوسي، «اللُّمع»، تحقيق عبدالحليم محمود و طه عبدالباقي سرور، القاهره، دار الكتب الحديثه بمصر، مكتبه المثنّى، 1380هـ 1960م، ص 58.

     4. لندن: رياض الريس للكتب و النشر، 1989، ص 100.

     5. ابن عربي، الفتوحات المكيه، ج 2، بيروت، دار صادر، د.ت.، ص 382.

     6. الإمام الخميني، الأربعون حديثاً، ص 594.

     7. «أنا الحق بين الحلاج و الإمام الخميني»، 1420هـ 1999م، ص 89 و ما بعدها.

     8. الحلاج، ديوان الحلاج، إعداد و تقديم عبده وازن، بيروت، دار الجديد، 1998، ص 142.

     ارتأيت أن أستبدل «يخصني» الوارده في تحقيق الأستاذ عبده وازن عباره وُحِّد على المجهول، و هي أقرب إلى الأصل الذي وردت فيه عباره «وحدني».

     9. الإمام الخميني، سيبوي عشق، طهران، انتشارات راديو إيران، د.ت.، ص 15.

     10. روح الله الموسوي الخميني، الفناء في الحب، ترجمه و شرح و تفسير لجنه التحقيق و الإعداد، بيروت، دار التعارف، د.ت.، الرباعيه 21.

     11. النِّفّري، كتاب المواقف، تحقيق آرثر أربري، القاهره، دار الكتب المصريه، 1934، ص 3.

     12. الخميني، الفناء في الحب، الرباعيه 21.

     13. سوره الأعراف (7)، آيه 143.

     14. الخميني، الفناء في الحب، حاشيه 59.

     15. الخميني، سبوي عشق، ص 9.

     16. المصدر ذاته، ص 7.

     17. الإمام الخميني، شرح دعاء السحر، بيروت، مؤسسه تنظيم و نشر آثار الإمام الخميني (س)، 1416هـ، ص 9.

     18. الإمام الخميني، الفناء في الحب، الرباعيه 12.

     19. المصدر ذاته، الرباعيه 19.

     20. آيه الله العظمى الإمام الخميني، مصباح الهدايه إلى الخلافه و الولايه، بيروت، دار القارىء، 1417هـ