الاسلام و التنميه الاقتصاديه

الشيخ غلام رضا صديق

التنميه في اللغه العربيه تقابل كلمه (Development) في الانجليزيه ، و هي على و زن (تفعله) (مصدر باب التفعيل) مثل : تزكيه و تغذيه التي يلحظ فيها معنى الفعل المتعدي . و اذا تجاوزنا التعريف اللغوي ، فعلينا ان نبحث في المعنى الاصطلاحي » للتنميه الاقتصاديه « في علمي الاقتصاد و الاجتماع .

في الوقت الحاضر ، لا يوجد اتفاق عام حول تعريف » التنميه الاقتصاديه « في الكتب التخصصيه ، الاّ ان هناك نقطه مشتركه في جميعها ، و هي صدق النمو و التطور على دول امريكا و اوربا الغربيه و اليابان و استراليا و روسيا . بينما يرى البعض عدم صدق ذلك على كوريا الجنوبيه و سنغافوره و مثيلاتهما من الناحيه الاقتصاديه .

و من موارد الخلط في مثل هذه الابحاث ، هو الخلط بين » التنميه الاقتصاديه « و » التنميه الانسانيه « ، و قد سعينا في هذا المقال الى تجنب الوقوع في هذا الخلط و تناول » التنميه الاقتصاديه « فقط .

و النقطه الاخرى التي اجد من الضروري الاشاره اليها قبل بدء البحث ، هي الاجماع على فصل » النمو الاقتصادي « عن » التنميه الاقتصاديه « و لهذا فالموشرات و الدلائل التي يمكن ملاحظتها في النمو الاقتصادي ، غير مقبوله لفهم و معرفه » التنميه الاقتصاديه « . و على ما تقدم ، تكون » التنميه الاقتصاديه « غير » التنميه الانسانيه « و » النمو الاقتصادي « و حتى » النمو الاقتصادي المستمر « .

إذن ما هي التنميه الاقتصاديه ؟

بعضهم يرى ان لمفهوم التنميه بعداً قيمياً ، فيلحظ فيه ما هو المنشود ، او ما هو المنشود لاقتصاد المجتمع . و هذا الراي قائم على الراي القائل : ان التنميه الانسانيه هي مدار البحث ، و بالنتيجه تكون التنميه الانسانيه بمعنى ظهور انسان متكامل ، بنحو يلحظ فيه الجانب » المنشود « و » البعد القيمي « ، هذا من جهه و من جهه اخرى » التنميه « تعني الانتشار و التوسع .

و بهذا المنظار ايضاً يوجد بعد قيمي لكن ليس له علاقه بوصف كونه انسانياً او اقتصادياً و الخ .

و الاشكال الذي يرد على هذه الآراء ، هو : انها لا تنسجم و الاجماع الحاصل على التطور و التقدم الاقتصادي لدول امريكا و انجلترا و المانيا و اليابان و استراليا و سائر الدول الغربيه الاخرى ، لانه رغم الاجماع المذكور ، لا يوجد هناك » اجماع « على » جوده « الوضع الاقتصادي لانجلترا او باقي الدول الغربيه . اذن ، ليس هناك تلازم او مقارنه بين » الجوده « و » التنميه « براي الاجماع المذكور .

الخصائص المشتركه للدول المتقدمه

سنسعى في ضوء النقاط السابقه ، بعد نظره تاريخيه لوضع الدول المتطوره اقتصادياً : امريكا و الدول الغربيه و اليابان و استراليا و روسيا و يضيف بعضهم ، كوريا الجنوبيه و سنغافوره و تايوان ايضاً ، سنسعى لبيان خصوصيات هذه الدول المشتركه بشكل سريع و نقارنها بخصوصيات الدول المتخلفه و الناميه ، و عن هذا الطريق سنقدم تعريفاً للتنميه الاقتصاديه .

و هذا الاسلوب في التعريف يوكد المنطق الصوري ، و يستلزم ادراك خصائص الواقع الخارجي ، و هذا الاسلوب في التعريف ينطبق بدقه على قولعد المشاهد الثلاثه و تعريف الحوادث الاجتماعيه كما جاء في الفصل الثاني من كتاب قواعد اسلوب علم الاجتماع لـ» دوركهايم « .

كانت الدول المتقدمه قبل عصر النهضه ، اكثر تخلفاً من سائر مناطق العالم من حيث البنيه العلميه خاصه بالنسبه الى ماضي الدول الاسلاميه المزدهر ثم ظهرت تغييرات في نظرتهم و افكارهم فيما يتعلق بالطبيعه و الانسان ، حيث ظهرت الفيزيلء الحديثه و الاهتمام بالمنهج التجريبي و الاستفاده من الاكتشافات التجريبيه في الانتاج الاقتصادي . كما طرحت افكار فلسفيه جديده تتعلق بالانسانيه و الثقافه و التربيه و الحكومه و السياسه و الدين و الحريه و ، و قد عاشوا في المجال السياسي ، الحرب الاهليه الامريكيه ، و الثوره البريطانيه و الثوره الفرنسيه و الثوره الروسيه ، فاستقرت اسس الحكومات البرلمانيه و الرجوع الى الراي العام في تحديد اطر و اشكال الحكومات .

و من التجارب الزويله لهذه الدول ، مشاركه الرجال و النساء ممن تزيد اعمارهم عن سن الخامسه عشره سنه في ميادين الانتاج الاقتصادي . و منحهم اجور كافيه لتامين حاجاتخم الضروريه من الماكل و الملبس و ذلك مقابل عمل يمتد الى 18 ساعه في اليوم ، و من ثم اصبح 12 ساعه في اليوم . و قد ادى ذلك الى تراكم الثروه عند بعضهم ، مما حدا بالراسماليين إلى استثمار هذه الثروات في زياده الانتاج .

و قد وصف كارل ماركس في كتابه » راس المال « هذا الوضع و بيّن جذور تراكم الثروه ، و قال ان استمرار هذا الوضع سينتهي الى الركود . و قد قام الراسماليون و رجال السياسه في النظام الراسمالي من جهه ، بفتح اسواق الدول الاخرى ، حيث حصلوا على مواد خام منها باسعار زهيده ، و من جهه اخرى اجبروا العمال على تقليل ساعات العمل في بلدانهم ، و رفع قدراتهم الشرائيه ، و بهذه الصوره حققوا شيئاً فشيئاً ، مستوىً من » الرفاه المتوسط « .

و بنظره تاريخيه عابره الى الدول الغربيه المتقدمه و الى طبيعه تراكم الثروه و راس المال الخاص في روسيا و اليابان . و الى حصه الافراد في الانتاجو الاستهلاك حيث تختلف نسبياً مع اوربا الغربيه و امريكا نحدد خصائص تلك الدول ، و هي كاتالي :

1- اصبحت العلوم الطبيعيه بعد عصر النهضه ، الاساس في التقنيه و الانتاج في جميع تلك الدول ، و قد تطورت الفيزياء الحديثه و الكيمياء و الى التكنولوجيا ، و ظهرت في صناعه الوسائل و الادوات ، و بذلك رسمت ملامح الانتاج الصناعي . و هذه الخصيصه نجدها في جميع الدول المتقدمه ، شرقيه كانت ام غربيه ، في حين هي مفقوده في الدول الناميه و المتخلفه . و نذكّر بان نقل الشركات الصناعيه الى الدول الناميه لم يات بهذه الخصوصيه ايضاً .

2- كانت ثمره مليرات الساعات من العمل الصناعي المتراكم في هذه الدول ، هو ما نسميه بالاستثمار الصناعي . في حين ان من خصائص الدول الناميه و المتخلفه فقر الاستثمار الصناعي . فراس المال الصناعي الموجود في تلك الدول الصناعيه و الخبرات التقنيه و العلوم التجريبيه كان الاساس لراس المال ، مما ادى الى رفع مستوى حجم الانتاج و سرعته ، في حين ان الدول الناميه لازالت تعاني من ضيق العلوم التجريبيه و قله الخبرات التقنيه و راس المال في انتاجها الصناعي .

3- اغلب الدول المتقدمه مسيحيه في حين ان اغلب الدول الناميه المتخلفه غير مسيحيه .

4- اغلب الدول المتقدمه كانت لفتره من الزمن دولاً استعماريه ، في حين كانت اغلب الدول الناميه و المتخلفه مستعمره لفتره من التاريخ .

5- في اغلب الدول المتقدمه نظام سياسي برلماني ، في حين ان اغلب الدول الناميه و المتخلفه لا يوجد فيها نظام برلماني حقيقي .

6- في اغلب الدول المتقدمه فصل للدين عن الدنيا (علمانيه) ، في حين انه لا زالت العقائد الدينيه في الدول الناميه و المتخلفه توثر بشكل فاعل على الاعمال الدنيويه (الاقتصاديه و السياسيه و الخ) .

و يمكن من خلال البحث و الدراسه اكتشاف خصائص عديده اخرى ، الاّ ان التي ذكرناها تبقى هي ابرز خصائص تلك الدول . جميع الدول المتقدمه بدون استثناء ، في الوقت نفسه تفتقدهما جميع الدول الناميه و المتخلفه ، لكن الخصائص الاخرى ليست جامعه و لا مانعه .

أ- تقسم الدول المتقدمه الى مجموعتين : احداهما لها ماضٍ استعماري . فمثلاً انجلترا لها ماضٍ استعماري في حين ان استراليا ليس لها ذلك .

ب- ليست جميع الدول الاستعماريه السابقه ، متقدمه ، فالبرتغال على سبيل المثال مع انها كانت من اوائل الدول الاستعماريه ، الاّ انها من الدول غير متقدمه في الانتاج الصناعي .

ج- ليس جميع الدول الناميه و المتخلفه حالياً كانت مستعمرات في السابق ، و مثال ذلك ايران و تركيا ، فالدوله العثمانيه لم تكن مستعمرهً ، و كذلك دوله تركيا الجديده التي اسسها مصطفى كمال اتاتورك بعد الحرب العالميه الاولى . و ايران ايضاً لم تكن مستعمرهً .

د- ليست جميع الدول التي كانت مستعمره في الماضي ، غير متقدمه حالياً ، فاستراليا و كندا يقعان ضمن الدول غير المتخلفه ، رغم انهما من الدول المستعمره .

فليس جميع المستعمرات في الماضي دولاً متخلفه اليوم ، و لا جميع الدول المتخلفه اليوم كانت مستعمرات في الماضي .

و هذه النقاط الاربع التي ذكرناها تخصّ الخصيصه الثالثه . فقضيه الاستعمار لا يمكن ان تكون السبب القطعي و العامل الرئيسي في التنميه او التخلف الاقتصادي . اما كون تلك الدول مسيحيه او غير مسيحيه ، فهي كمساله الاستعمار لا جامعه و لا مانعه ، فليست جميع الدول المتقدمه . لأن دول امريكا اللاتينيه مسيحيه ، لكنها غير متقدمه .

كما ان النظام السياسي البرلماني يصدق عليه ما تقدم ايضاً ، فهو ليس شرطاً اساسياً في التنميه الاقتصاديه (و هذا طبعاً غير التنميه السياسيه) ، فليست جميع الدول المتقدمه اقتصادياً ، لها نظام سياسي برلماني . مثل روسيا . و ليست جميع الدول التي لها نظام سياسي برلماني ، متقدمه اقتصادياً . مثل تركيا .

إذن : ليس جميع الدول المتقدمه اقتصادياً ، لها نظام سياسي برلماني ، و لا جميع الدول التي لها نظام برلماني ، متقدمه اقتصادياً .

اما حول علاقه التنميه الاقتصاديه ، بالعلمانيه ، فليس هناك تلازم ضروري بين المفهومين ، بل ان عالم الاجتماع المعروف ، ماكس فيبريقول في كتابه » الاخلاق البروتستانتيه و الروح الراسماليه « : » هناك نوع خاص من الالتزام في المسيحيه هو السبب و العامل الرئيسي في دعم و رفع متغيرات : » النشاط الاقتصادي « و » التوفير « و » الاستثمار الصناعي « و » الاختراعات الصناعيه « و » الاكتشافات العلميه « ، و جميعها يعد الاساس و المبنى للخصيصتين الاولى و الثانيه التي ذكرناهما فيما يتعلق بالدول المتقدمه اقتصادياً ، و قد اشرنا فيما سبق الى علاقه هاتين الخصيصتين بالتنميه الاقتصاديه .

و نستنتج مما تقدم :

1- هناك اتفاق على اصطلاح التنميه الاقتصاديه باعتباره صفه لمجموعه خاصه من الدول ، من قبل جميع المفكرين في العالم و كذلك الراي العام .

2- هناك خصيصتان مشتركتان فقط بين جميع الدول المتقدمه اقتصادياً (اي الخصيصه الدولى و الثانيه) ، و التي تفتقدها جميع الدول المتخلفه تماماً ، و حسب المنطق العلمي ، فهاتان الخصيصتان هما الخصيصتان الموضوعيتان الجامعتان و المانعتان في التنميه . و بالطبع لا يمكن اعتبار تبعات هاتين الخصيصتين خصائص مستقله بذاتها .

راي الاسلام بمقدمات التنميه الاقتصاديه و مستلزماتها

و هنا ، تجب الاجابه عن السوال التالي : ما هو موقف الاسلام من (مقدمات) و (مستلزمات) و (عوامل) تحقيق تلك الخصيصتين في المجتمع ؟

من الضروري هنا ، توضيح بعض النقاط فيما يتعلق بالاسلام :

1- ان الاسلام يسعى الى تامين احتياجات الفرد و اسرته .

2- و يسعى ايضاً الى تنميه الاستفاده من الحياه و توفير الحاجات الثانويه .

3- و يسعى ايضاً الى جمع الثروات و تحويلها الى مستوى اعلى من مجرد تامين الحاجات الاوليه و الثانويه للفرد و اسرته ، حسب التقاليد و الاعراف السائده في الجميع .

4- و يهتم ايضاً بجمع الثروات و تدويلها من اجل الحصول على ثروه اكبر .

5- و يسعى الى تامين حاجات الفقراء و المساكين الضروريه و متطلبات اهل البلد و الدوله .

و من جهه اخرى ، يرى الاسلام انّ السعي الاقتصادي الحثيث و الجهد في طلب المال الحلال و الترفيه عن الأسرهو الآخرين و الانفاق في سبيل الله ، هي وسائل لكسب الثواب و السعاده الأخرويه . و الروايات و الاحاديث تذم التقاعس عن طلب الرزق و الاتكال في العيش على الغير 1 ، لكن هناك روايات و احاديث اخرى تدعو الى عدم اخذ ارباح في معاملاته مع المومنين 2 ، الاّ في حالات المعاملات الكبيره ، التي يمكن كسب المصارف اليوميه من ارباح تلك المعاملات 3 .

و المتطلبات الاقتصاديه في الروايات الاسلاميه ، لاتقتصر على الماكل و الملبس ، و انما تشمل ايضاً الملبس حسب العرف المتداول ، الدار الواسعه و وسيله النقل المناسبه وصله الرحم و دفع الصدقات و الحج و العمره و زياره المشاهد المقدسه و بناء الموسسات الخيريه و الاستثمار في مجال التجاره او الزراعه ، او غرس الاشجار ، فجميع تلك الاعمال تعد من المتطلبات الاقتصاديه ، التي حثّ عليها الاسلام و على طلب المال من اجلها 4 .

و اذا عمل الجميع بتلك النصائح ، فسيبلغون مستوى الحياه المتوسطه و المرفهه نسبياً ، لكن تجمّع الثروه بيد قلّه معدوده ، هو ما تذمه النصوص الدينيه ] كي لا يكون دوله بين الاغنياء منكم [ 5 كما ان الاسلام منع بشده حالات الحرص و البخل او الاسراف و التبذير و عدّ ان تلك الحالات هي من اسباب سقوط المجتمع و انحطاطه .

و هناك دوافع كثيره تدعو الى العمل و السعي ، و حفظ الاموال و الاهتمام بتامين العيش لجميع الناس ، و خاصه المومنين منهم ، و هي اي تلك الدوافع من اهم عوامل التنميه الاقتصاديه ، او هي من تبعات التنميه الاقتصاديه . اما النقطه التي يجب الاشاره اليها ، فهي راي اولئك الذين يرون الاسلام مخالفاً للتنميه الاقتصاديه .

الاسلام و استراتيجيه التنميه الاقتصاديه

التنميه الاقتصاديه بالمفهوم المعاصر ، تتطلب تراكم راس المال الصناعي ، من اجل و فره الانتاج ، و تجربه الغرب و روسيا و اليابان في هذا المجال ، و تراكم الثروه بيد اقليه راسماليه ، حصلت عن طريق الاستثمار . و الحقيقه ، ان البحث يدور حول الاستراتيجيه التي تنسجم مع الاسلام و تراكم راس المال الصناعي و ما يسبقه ، و ادخار الفائض و تجميعه ؟ و كيف يتيسر تجميع الثروه و تراكم راس المال الصناعي في الوقت نفسه الذي يكون فيه المال ] دوله بين الاغنياء منكم [ 6 .

و قد اكدت التعاليم الاسلاميه كثيراً على الزراعه و التجاره 7 ، و هذان الامران لا يتحقّقان بدون راس مال ، لذلك يمكن الاتنتاج التالي : دعوه الناس الى الزراعه ، و خاصه التجاره يستلزم وجودراس مال زراعي و تجاري ، إذن ، فراس المال ممتدح من المنظار الاسلامي 8 ، لكنه يمكن ان يكون قصد الاسلام بذلك هو راس المال بالحد الذي يكون فيه المباشر بالعمل هو صاحب المشروع ، و لذلك نرى النصوص الشرعيه تلتزم ان لا يكون الشخص » اجير غيره « 9 ، و ليس بالحد الذي يسمح بظهور اصحاب رووس مال كبار .

اذن ، الاشكاليه ، هي في علاقه تعاليم الاسلام بالتنميه الاقتصاديه ، » استراتيجيه التنميه الاقتصاديه « ، و ليست في دوافع العمل و السعي الفردي ، للوصول الى رفاه اقتصادي . و الافضل ظاهراً طرح خطه استراتيجيه التنميه الاقتصاديه و عمومياتها على طاوله البحث ، و التدقيق في احكامها الفقهيه و الاخلاقيه ، و من ثم الاجابه عنها على اساس المصادر الاسلاميه ، حتى تتضح جلياً .

توضيح الموضوع

لقد كانت استراتيجيه تكريس الثروه في الغرب ، كالآتي : يدخر اصحاب الصناعات لديهم جزءاً من الانتاج ، من خلال تحديد ساعات عمل العمال و تحديد مقدار الفائده ، بالنسبه للمنتج ، (و بالنتيجه يكون تحديد القيمه بشكل ضمني او تحديد الحدّ الادنى لسعر البضاعه على اساس التكلفه و الحد الادنى للفائده المنظوره بين المنتجين) ، و ثم يعيدون استثمارها ، لذلك تراكمت لديهم اموال طائله على مدى عقود متواليه ، و قد اثّر راس المال الصناعي المتراكم هذا في انتاجهم المستقبلي تاثيراً عميقاً ، و الذي نسميه حالياً » التنميه الاقتصاديه « .

و قد رفضت روسيا بعد ثوره اكتوبر ، النهج الغربي في تراكم راس المال ، و لما عجزوا عن ذلك اقاموا الحكومه الاشتراكيه كخطوه على الطريق ، لتقوم بتسعير البضائع الزراعيه و الصناعيه و امتلاك جميع الانتاج الزراعي و الصناعي و وضع برامج قسّمت فيها قوى العمل الى اربعه اقسام :

1- منتجي البضائع (المحاصيل) الزراعيه .

2- منتجي البضائع الصناعيه الاستهلاكيه و الوسيطه .

3- القوى العامله في قسم البنيه الاقتصاديه مثل : الطرق و الصناعات العسكريه .

4- القوى العامله في مجال الخدمات ، سواءً الاعمال السياسيه العليا او ادنى مستوى خدماتي .

كان انتاج المجموعتين الاولى و الثانيه يجمع بواسطه الدوله و يُسعّر بشكل تتساوى فيه القيمه مع عائدات جميع قوى العمل ، و بالنتيجه كان يقسّم بين جميع القوى العامله . و ينتج عن ذلك ادخار انتاج المجموعه الثالثه ، اي القوى العامله في قسم البنيه الاقتصاديه و الصناعيه و العسكريه . و كان ذلك مصدر نمو دائم في الانتاج الروسي .

و اما في الصين فإن استراتيجيه الادخار ، رسمت بشكل يتناسب و عدد السكان و الاغلبيه الفرديه و بعض التقاليد المتعارف عليها في التعاونيات التقليديه الشعبيه ، حيث و من اجل ايجاد راس مال متراكم و احداث سدود و امثالها كان على قوى العمل الفرديه ان تعمل في قسم انتاج البنى الاقتصاديه ، ازاء عملها لأيام في المزارع . فالمزارع مثلاً يعمل خمسه ايام في مزرعته و يومين من الاسبوع في بناء الطرق ، و بهذا الشكل ، ادخروا نسبه من قوى العمل و ايجاد اساس و بنيه للإقتصاد . و في المجال الصناعي ايضاً عملوا بنفس الاتجاه .

اما الهنود ، فبعد انتصارهم على الاستعمار البريطاني ، لم يقبلوا بايٍ من الاستراتيجيات المذكوره في تراكم الثروه و تبديلها الى راس مال ، و من خلال دعم المنتجين القرويين و غير القرويين ، و تقديم خبرات مناسبه لهم و حثّهم على اقامه تعاونيات بينهم ، استطاعوا رفع مستوى الإنتاج في الوحدات الإنتاجيه . و بعد ان اجتمع عده منتجين في تعاونيه واحده ، و قاموا باستثمار في التعاونيات الكثيره و الصغيره ، المنتشره في جميع انحاء المجتمع الهندي . فقد خطا الهنود خطوات كبيره في هذا المجال ، و استطاعوا جذب نسبه عاليه من علوم مابعد عصر النهضه و التكنولوجيا الناتجه عنها ، فجعلوها اساس انتاجهم الاقتصادي ، و بذلك استطاعوا تجميع راس مال معتنى به ، و اليوم تعدّ الهند خارج دائره الدول المتخلفه اقتصادياً . و لكن هل يمكن اعتبارها من الدول المتقدمه اقتصادياً ؟ و هل يمكن القول بنجاح الاستراتيجيه الهنديه ؟

الجواب هنا بالسلب ، لأن علينا ان ننتظر حتى نهايه القرن العشرين حتى نتمكن من اصدار حكم في ذلك 10 .

هناك ايضاً الاستراتيجيه التنمويه التي تبنتها دول ، مثل كوريا الجنوبيه ، تايوان و سنغافوره ، ففي هذه الدول ، لم يكن راس المال ناتجاً عن تراكم الانتاج الداخلي ، و انما سببه الاستثمارات الاجنبيه المصدّره من الخارج ، و التي وظفت في العمل و الانتاج الصناعي .

و هنا يطرح هذا السوال : ما هو راي الاسلام في الاستراتيجيات الخمس التي ذكرناها ، باعتبارها خمسه مواضيع ، فما هو حكم الشرع المقدس فيها ، و ما هو الحكم الذي يصدق عليها : حرام ، مكروه ، مباح ، مستحب ام واجب ؟

اختلاف الظروف الاقتصاديه و الاجتماعيه

المساله الاخرى التي يجب ان تبحث مقدمه لبحث موضوع علاقه » الاسلام بالتنميه الاقتصاديه