المشهد الثقافي في العالم العربي و إيران

المعرفه، الدوله، الآخر

سرمد الطائي

 

     يطالعنا في المشهد الفكري و الثقافي في إيران جانب خصب من مظاهر التحول في الخطاب الإسلامي المعاصر، يستلهم محفزاته من متغيرات سياسيه و اجتماعيه مهمه في الداخل، و نماذج فكريه مشابهه في البلاد العربيه و الاسلاميه الأخري.

     و يدرك المتابع لذلك المشهد أهميه استيعاب طبيعه ما يتحرك خلاله من اتجاهات، و مستويات، و نماذج لابد من أخذها في الحسبان في أيه ممارسه لقراءه الحاله الإسلاميه في بعديها الفكري و الثقافي، و في ميادين أصول الفقه، و الفقه، و الفقه السياسي، و علم الكلام، و العديد مما يرتبط بذلك من مقولات.

     و هذا ما يناظره تيار تحولات آخر في العالم العربي، لا تقوم أسس شراكته للحاله الإيرانيه علي صدفه من نمط تاريخي أو ارتجالي بل تتأسس الشراكه علي حقيقه خضوع الدائرتين لسطله سياقات متشابهه، أو متطابقه.

     فبمعزل عن الشراكه في الدائره الإقليميه سياسياً و استراتيجياً، ثمه سلطه مشتركه للمناهج المعرفيه السائده التي تهيمن علي الحالتين (العقل الثقافي السائد)، و الأهم من كل ذلك الإشكاليه التي يدور حولها هذا العقل و تمثل هاجسه التاريخي. و ثمه تجربه الدوله الحديثه التي تقوم علي أنقاض نموذجين متشابهين للغايه (العثماني، الصفوي، إضافه إلي ظاهره المماليك الاتراك).

     و علي مقربه من ذلك نجد انتكاسه حضاريه منيت بها الحالتان تتمثل في العوامل التي صاغت ثوابت العلاقه مع الغرب. و مضافاً إلي مستويات الشراكه الأخري، تمثل أمامنا تحديات متشابهه يواجهها تيار التحولات المنوه إليه آنفاً، علي مستوي طبيعه إطار الحركه، و حداثه التجربه، و النمط المميز من ردود الفعل تجاهه مما لا نجده في النطاقات الإقليميه و الحضاريه الأخري.

 

طبيعه التحولات

     منذ لحظه التكوين الأولي للفكر العربي الإسلامي و انطلاقاً من ظهور الإسلام و النص النازل في القرآن الأول الهجري، راحت تطرح الأسئله الكلاميه و الفلسفيه لتتبلور في عصر الترجمه و الانفتاح علي الميراث الفكري الإنساني، و يتحقق التفاعل ثم الازدهار المعرفي في الفلسفه، و علوم الشريعه، و اللغه، و العلوم الطبيعيه، و غيرها. و في ظل سياق التردي السياسي و الاجتماعي دخل الفكر في حقبه الغزالي و ارتبك موقف الإنسان المسلم من المعرفه كما تجلي في «تهافت الفلاسفه». و راج لون طافح من التصوف، فانحسرت الرؤيه العقلانيه و خاصه مع صعود تيار المدرسه النصوصيه متمثله بالاتجاه الاشعري- الحنبلي في مرحله سابقه شهدت نهايه المعتزله.

     و لا يزال هذا الفكر يشهد تحولات مهمه، رغم التفاوت بين درجاتها و دوائرها و مدياتها الزمنيه و طبيعه البني الجدليه التي أفرزتها، و رغم التيارات السكونيه التي ظلت تستعصي علي التحول و تعتبر مظاهره لوناً من الرده و الانحراف، و هي تيارات لا يستهان بشأنها، و نفوذها، و المساحات التي تغطيها إلي درجه ربما يغيب خلالها اثر التطورات تلك، و تكتسب في وجهه نظر البعض طابعا شكيلاً لا يلج إلي  بنيه الخطاب أو استراتيجيته.

     مع عصر النهضه و «تخليص الإبريز في تلخيص باريز» لرفاعه الطهطاوي و ما قام به الأفغاني و  غيره من جهود، طرأ تحول جديد اقترن بحاله ذهول حيال وافد فكري رافق الغزاه الشماليين معبراً عن عصر العلم الحديث في الغرب من جهه، و مؤذناً بتحديات جديده سيواجهها العقل المسلم من جهه أخري. فوجدنا أنفسنا أمام الوضعيه العلميه؛ و التيار المادي الماركسي بكل ما في جعبتهما من تساؤلات، و إثارات، و أنماط من التفكير لم نالفها، و بدأت مرحله التعرف و الاستيعاب لمعطيات الوعي الإنساني الحديث.

     بعيداً عن لغه الإسراف في التحقيب نلاحظ أن حرب الخليج الثانيه عام 1991 التي مثلت نكسه أخري لعلها مثلت انتكاسه أشد من هزيمه حزيران، راحت تعلن بنحو أوضح عن فوضي مستشريه في العالمين العربي و الإسلامي كانت عبرت عن نفسها بشكل أقل وضوحاً في حرب الخليج الأولي 1980-1988. كما عملت بعض التجارب الحديثه كالثوره الإسلاميه في إيران، علي اختيار مقولات فكريه سائده و التوقف عند بعضها، و إعاده النظر و تقديم مقاربات جديده فيما يتصل بها.

     و قد لعبت هذه المتغيرات دوراً في صياغه شتي الصدمات السابقه علي شكل جرح نرجسي كبير (حسب التعبير المفضل لدي فرويد) يستجمع في نسيجه سائر جراحنا التاريخيه. و هو ما أدي إلي ظهور اتجاه أخذ يعيد النظر بجديه في نظامه الثقافي، و يحاول أن ياخذ الدرس من كبوات العقل في الماضي، فاقترن العقد الماضي بتكوين ملامح لنظام ثقافي جديد القي بظلاله علي ما ينتجه الفكر العربي و الإسلامي. و يمكن القول بأننا ما فتئنا نلمح في العقدين الأخيرين شواخص لمرحله فكريه جديده تتباين مع سابقاتها، إذ تبلورت جهود عديده حاولت إعاده النظر في موقفنا الفكري الراهن علي مستوي مرجعياته، و مناهجه، و ما تطرحه علينا هموم التجديد من أسئله.

     علي الصعيد المعرفي سادت في الخطاب العربي الإسلامي محددات تقليديه لمفاهيم (الحقيقه و العلم و اليقين). و بالطبع، فإنها تجاوزت إطارها الإبستمولوجي لتلقي بتأثيراتها علي نماذج التحليل و التنظير و الولاءات و المواقف. فالحقيقه ليست شيئاً آخر سوي الرؤيه التي تحملها الأنا أو تحتكرها، و لا يعبر العلم إلا عن عمليه كشف صارمه لقوانين أزليه تربط مفردات الواقع، بينما اليقين ظاهره يفرزها منهج رياضي معصوم نمتلكه كأداه طيعه في إنتاج المعرفه. و في تكوينه للوعي التاريخي وجدنا هذا الخطاب- و في مستويات ليست بعديمه الأهميه- يتشبث مصراً بعنصر المؤامره في تكوينه للحقيقه التاريخيه، فنراه يعزو سائر مظاهر الخلل التي تكتنف تجربته التاريخيه إلي مؤامرات يدبرها الخصوم، و يسرف في اللجوء إلي هذا العنصر ليدير من خلاله سجالاته و معاركه، حتي الخصوم، و يسرف في اللجوء إلي هذا العنصر ليدير من خلاله سجالاته و معاركه، حتي ما كان يجري منها في أروقه البيت الكبير، و هو ما أنتج وعياً دسائسياً  للتاريخ. و في ما يرتبط بالنظام السياسي، فلا زلنا حتي هذه اللحظه نجد من يري في الحكم إماره يكون فيها الناس عبيداً و رعيه، و تتمثل مشروعيته بأساس يخول «الأمير» صلاحيات تمنع من مساءلته و تحول دون تخطيئه أو سهوه، بل يبلغ الأمر بالبعض إلي القول بأن وجهات نظر «الأمير» تشكل جزءاً من الشريعه الإلهيه مما يعني أن الحديث عن تطابق آرائه و مواقفه أو تنافيها مع الشريعه و مصالح الإنسانيه، هو شأن يفتقد أساسه المنطقي.

     أما ممارسه الحوار، فقد باتت تعني في العديد من باحات البيت الكبير- و لا أقول غرفه أو زواياه - أداه للتسبيح بحمد الحزب أو الفرقه أو التيار، تمارس تهويل محاسنه، و تبرير هفواته، و القذف بالشتائم و الرمي بالرده و الانحراف للمناوئين، كما تخضع لو وجدت بشكل يتسم بانفتاح نسبي إلي إشراف كامل من قبل المرجعيات الوصائيه خشيه تعرض المسارات للانزلاق!

     و حين نتخذ من هذه العينات نقطه لتحديد ما يجري من تحول، فإننا سنلاحظ اتجاهاً حاول استيعاب الراهن الفكري الإنساني كي يبلور من خلال موقف الوعي بالذات، و الكون، و الحياه، رغم أن انفتاح الفكر العربي الإسلامي علي المعطيات المعرفيه الحديه، لا يعني أنه قد وظفها علي الدوام في اتجاه هادف يتوخي إعاده النظر في القناعات الموروثه، و استجلاءها نقدياً، و بناء موقف جديد يلبي الحاجات الملحه، بل كثيراً ما جري توظيفها بشكل يؤدي إلي انتهاك منطقها الداخلي و آفاقها المنظوره.

     و رغم ذلك كله، فقد راح اتجاه التحولات- كما يحلو لي أن أسميه- يدرك مستويات متعدده للوعي بالحقيقه و ينفتح علي طيف فكري واسع و متنوع، فلا يهرطق ما لم يالفه من صور الاشياء، كما يذعن بأن العلم لا يمثل بالضروره أداه كشف صارمه بقدر ما هو فعل إنساني كثيراً ما يمارس- و لو بشكل لا شعوري- منح الانحيازات و الميول شكلها المنطقي ليقدمها بصوره نتائج مبرهنه، فلا يترشح مفهوم اليقين لدي هذا الاتجاه عن هيكل حديدي من الوثوق لا يقبل الانخرام، بل يحافظ إزاءه علي درجات من وعي الحقيقه، و إدراك تاريخيه المعرفه. و هو ما يترك مبرراً لإمكانيه المراجعه، و النقد، و الحوار، و الاختلاف في وجهات النظر.

     كما لا تمثل قراءات السلف لديه مرجعيه نهائيه تجعله يستقبل فكرياً و يسلم عقله و منطقه إلي اجتهاداتهم، بل يسعي إلي مراجعتها و الوقوف عندها لاسترجاعها بحاسه فاحصه نقديه، و ليس هذا التصور حول المعرفه، و الحقيقه، و المرجعيات العلميه بشاذ عن إرثنا الحضاري؛ إذ نجد أن القرآن قد تناول- في سياق جدله مع غير المسلمين إشكاليه المنهج في بناء الإيمان و العقيده، و تكوين الوعي، فجري في آيات عديده نقد المنهج الذي ساد قديماً في الواقع العربي، و غيره كما تجلي لدي ( مشركي) قريش الذي برروا بشكل غير منطقي تمسكهم بالإرث العقيدي (و إذا قيل لهم تعالوا إلي ما أنزل الله و إلي الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا)1، (بل قالوا إنا وجدنا آباءنا علي أمه و إنا علي آثارهم مهتدون)2. و القرآن يستعرض هذا المنهج بشكل نقدي بوصفه تقليداً لا عقلانياً كان تمسك به رجال قريش و غيرهم في مناوءتهم للأنبياء. فيتمسكون بالثابت و ما تم الإجماع عليه و ما كان محل اتفاق الجمهور! و اتهموا الأنبياء في ضوء ذلك بتجاوز الثوابت العقيديه التي أجمع عليها الآباء و الاجداد و تخطي أصول الديانه التي قررها أجيال من كهنه المعابد. و هم إلي جانب ذلك يزعمون امتلاك اليقين الذي لا يقين بعده و الحقيقه المطلقه. لكن القرآن عاب عليهم ذلك و أنكره (إن يتبعون إلا الظن و إن هم إلا يخرصون)3 و قال (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين)4 إلي غير ذلك من النصوص، و لم يقف القرآن عند ذلك، بل طرح بديلاً منهجياً لبناء العقيده، فأمر بالتدبر في الكون و الوجود و النظر فيهما و تعقلهما (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق)5 و أمر نبيه بالفهم و الوعي و القراءه (إقرا باسم ربك الذي خلق  إقرا و ربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم)6، و غير ذلك من النصوص التي تحت علي النظر، و التدبر، و التعفل. كما أكد أن (لا إكراه في الدين)7.

     إن القرآن في حقيقه الأمر لا يبتدع هنا منهحاً جديداً في المعرفه، بل ينبه إلي بديهيات المنهج الإنساني القائم علي الفكر و التعقل، كشان العديد من النصوص القرآنيه التي جاءت لتظهير حقيقه غيبتها مؤثرات متنوعه، و في ذلك يقول الإمام علي بن أبي طالب إن الهدف من بعثه الأنبياء هو هذا التنبيه ذاته، و أن الله بعث الانبياء للخلق «ليثيروا لهم دفائن العقول ...»8.

     و بينما استطاعت هذه الرؤيه النقديه المتحرره أن تؤسس لنهضه حضاريه، و إنسانيه عظيمه، نجد أن حقبه التراجع العام في الحضاره الإسلاميه سرعان ما استعادت شعار أبي جهل، و عتاه قريش في إلغاء‌ العقل، و كان ذلك قدر يلازم حالات التردي و التخلف، فأغلق باب الاجتهاد و راجت سوق التقليد للآباء و الأجداد، حتي عاش المسلم قطيعه مع عصره الذهبي أيام كان واصل بن عطاء يقف في مسجد البصره ليختلف علانيه مع الحسن، و هو شيخه الكبير، فيؤسس فرقه «تعتزل» مدرسه الأستاذ، و تمارس حقها في القراءه التي أمر الله بها نبيه في أول كلمات أوحيت إليه. و لقد كرست هذه القطيعه شتي مظاهر السقوط الحضاري المؤلم، و راحت تؤدي- فيما تؤدي  إلي مشاغله الفكر الإسلامي عن رهاناته الحقيقه و جره إلي جدل عقيم قوامه رمي الخصوم بالكفر، و الهرطقه.

     لكننا نجد أن التحول الأخير أخذ يحرص علي وعي المعادله القرآنيه، و تلبيه دعوته سبحانه إلي دين يجري تعقله و الإيمان به لا ترديده علي اللسان أو التعاطف معه بشكل مجرد، كما حاول إنهاء مستويات القطيعه تلك، لا ليستلهم أفق واصل بن عطاء، و أمثاله في إطلاق العقل و عدم التقيد بقراءات السلف و حسب، بل ليقرأ تلك التجربه من جديد في ضوء وعي العصر، و بما يناسب مختلف التحولات التي طاعت الحياه المدنيه و العلميه، و يقيم معها قطيعه من لون آخر قوامها الاسترجاع النقدي، و في هذا الإطار جري اسيتعاب الدلاله العميقه التي يرمي إليها قوله تعالي (لا اكراه في الدين)؛ إذ إن هذا النص تقرير إلهي للحريه الإنسانيه و كرامه العقل من جهه وفقاً للضروره التي يحتمها علينا العصر، و هو من جهه‌ أخري رد منهجي علي طريقه المشركين، و كل أنصار التيار الظلامي في التعاطي مع الفكر و العقيده، و هو ما يلتقي بالتالي مع مبدأ أسسه علماء الكلام، و انتقل بعد ذلك إلي علم الأصول قبل بضعه قرون ضمن قواعد المستقلات العقليه، و أعني به قاعده «استحاله التكليف بغير المقدور»؛ ذلك أن الأفكار و القراءات ظاهره نفسيه و ذهنيه و عقليه غير خاضعه لاختيار الإنسان و إرادته، إنها بالضبط كدقات القلب و حركه باقي العضلات غير الإراديه، التي لا يمكن للمرء أن يتلقي أوامر فيما يتصل بالتحكم بها؛ لأن ذلك داخل في التكليف بغير المقدور9.

     و علي مقربه من المحددات التي تسعي إلي إيجاد حاله من التوازن حيال مفاهيم (العقل، و الحقيقه، و اليقين) ثمه رفض للإسراف في اتخاذ عنصر المؤامره كنموذج تفسيري، و أداه لصياغه الموقف و إداره الصراع. و يتفاعل هذان الموقفان ليفرزا شجباً لمظاهر الدو غما السياسيه، و توظيفاً لمعطيات جديده توفر أشكالاً أخري لمشروعيه الحكم، و مرتكزاته، و أولوياته، تاخذ فيه موقعها المناسب مفاهيم أصبحت من مفاتيح إنقاذ الموقف الحضاري المتأزم كسياده الأمه و مجتمع القانون، أو المجتمع المدني. و التعدديه السياسيه، و حربه التعبير، و رفض الوصايات غير المبرره   إلخ. و ضمن هذه الدائره أيضاً تكتسب ممارسه الحوار صياغه جديده تستبعد عن أولوتها ذلك الانهماك المحموم في تنزيه الذات، و تلميع الصور، و الرد علي هذا، و التنكيل بذاك، و تعتمد استراتيجيه طرح الأسئله الجذريه و ممارسه البحث الجريء عن عناصر التأزم في الإشكاليات التي ظلت عالقه و مطويه في أدراج الحسم الأيديولوجي، و الإطلاقيات المتسرعه، بحثاً يتناول فيما يتناوله مفهوم خلافه الإنسان في الأرض كهبه إلهيه و تكريم رباني و مسؤوليه تقع علي عاتق الجميع بشكل متكافئ، فينصت بإمعان إلي الدلالات الكثيفه لنصوص القرآن التي اكدت هذا  الموضوع (ثم جعلناكم  خلائف في الأرض)10، بعد أن تم استهلاك هذا (الخليفه) في دائره الجدل السياسي و الاجتماعي  و اختزل عبر أدوات كلاميه، و فلسفيه، و سياسيه خاصه ليصبح (إضافه إشراقيه) و لا يقع طرفاً في حركه الكون، و هو ما جعله خاضعاً لنماذج الرمز، و الكاريزما، و الزعيم الفذ التي صادرت ما جاء به مفهوم الاستخلاف القرآني من حريه، و راحت تجتزئ  سياسياً- الحقيقه القرآنيه، فلا تري منها إلا ما وقع في سياق (... أولي الامر منكم)!

     لقد رصد العديد من الباحثين في وقت مبكر إرهاصات لتحول يضع حداً للحاله السكونيه التي مر بها الفكر الإسلامي، و من أجمل ما رأيته فيما يتصل ذلك حديث للشهيد محمد باقر الصدر (رحمه الله) في مجله الأضواء الصادره آنذالك في النجف الأشرف، طرح فيه تصوراته عما ستؤول  إليه حركه الاجتهاد الفقهي11. و لم تكن نبوءته هذه استشرافاً لمال الحركه الاجتهاديه‌ و حسب، بل اعتقاداً برواج ما بداً يؤسس له هو في أعماله المتعدده12، علي خلفيه إدراكه لحاجه التجربه الفقهيه إلي إكمال شوط التحول الذي استانفه طبقاً لما تواجهه من تحديات أحسن الشهيد الصدر قراءتها المبكره إلي حد كبير. كما أن ذلك لا يمثل تفاؤلا بما سيطرأ علي الفقه، و العمليه الاجتهاديه من تحول، بقدر ما هو تطلع إلي الآفاق التي سيخوض فيها العقل الإسلامي، أو جانب من هذا العقل علي الاقل. لكن جزءاً من صعوبه المهمه في محاوله رصد التحولات الجاريه في الفكر الإسلامي، يعود إلي ندره النماذج التي يتجلي فيها التحول نسبياً، و هذا ما ينشا عن ظروف الإنتاج الفكري لدينا و التي تحرض علي إنتاج الجدل (بمعناه المرادف لفن الطوبيقا في المنطق) و تسعي إلي تغييب البرهان كمحاوله اكتشافيه، الأمر الذي أدي إلي تضخم في عدد المكتوب و نقص في أدائه؛ إذ إن الجدل يرافقه الإطناب، فهو يتطلب الإقناع و لا يتوقف إلا حين يحقق هدفه و يتفوق علي الخصم، أما البرهان، فلا يتوخي سوي عرض دليل معين أو تقديم تفسير محدد واضح. إن أجواءنا تزخر بمبررات الجدل، حيث إن المشتغل في حقل الفكر لدينا هو بمثابه من يتحرك في ساحه معركه تتقاطع فيها الإرادات، و تتوزع في ضوئها جغرافيا القوه و الهيمنه، فهو في الغالب لا يفكر داخل  حلقه نقاشيه، و لا يجلس علي طاوله حوار مستديره.

     و سنحاول فيما يلي تسجيل بعض الملاحظات، فيما يتصل بتيار التحول الحديث في إيران و العالم العربي، في محاور ثلاثه تمثل التحديات التي تقف أمام حركه التجديد المنوه إليها.

 

أولا: النظام المعرفي

     يكفي بشأن المناهج المعرفيه السائده ملاحظه عنصري الدين الإسلامي، و الآليات التي تم توظيفها في تأسيس الفكر الديني أو القراءه‌ الدينيه، بوصف هذين العنصرين السمه التي طبعت تلك الجهود الفكريه بعامه.

     و فضلاً عن الجدل الدائم الذي كان يثار دوماً حول إشكاليه المعرفيه، فقد حمل عصر النهضه (القرن 19 تحديداً) هموماً و تحديات مختلفه بالكامل في لحظه اللقاء الأولي مع الغرب الحديث؛ إذ كان الجدل حول نظام معرفي معين يقدم بدائل من داخل الدائره التي تضم مجموعه الحضارات القديمه التي راح المسلمون يتفاعلون معها بحكم الجوار، و قد كانوا الفوها قبل الإسلام، أما هذه المره، فإن البدائل التي قدمت كانت تنبثق من عقل جديد بكل ما تغنيه الكلمه اقترن بتقنيه لم يكن من السهل علي العقل الإسلامي استيعابها، كما أنه عقل خاض معركه شرسه مع الكنيسه إضافه إلي أنه لم يجد بأساً في مرافقه الغزاه الشماليين خلال هجماتهم علي العالم الإسلامي. و لا ريب أن هذه المواصفات جعلت الثقافه الإسلاميه لا تألف هذا الواقد، بل و ترميه بشكل غير موضوعي أحياناً باللادينيه و الكفر  إلخ.

     و رغم التنوع و التباين القائم بين الاتجاهات الفكريه التي ظهرت في الدائره العربيه، و ما يناظرها في إيران، إلا أن إشكاليه التعامل مع التركه المعرفيه ظلت هاجساً يحركها جميعاً  لكن المائز الواضح بين الدائرتين العربيه و الإيرانيه خلال العقود الثلاثه الماضيه فرضه المتغير الاجتماعي السياسي.

     فحين راحت معظم المعالجات العربيه تسعي إلي التحرر من قيود التراث، و لا تري بأساً في مناهضه مناهجه، برز في إيران منهج يسوغ لنا إلي حد كبير وصفه بالتوفيقيه التي تحاول المصالحه بين التراث و المناهچ الحدثيه، كما نري في أفكار عبدالكريم سروش الذي استلهم المنهج الكانطي في التمييز بين الشيء في ذاته و الشيء لذاتنا13؛ لكي يميز بين الدين و المعرفه الدينيه كي لا يكون  الدين محوراً لما يسجله من ملاحظات نقديه بل تتجه الاخيره إلي المعرفه الدينيه بوصفها فهماً بشرياً للدين.

     و هكذا نجد أن معظم الجهود الفكريه في إيران حاولت توجيه ملاحظاتها نحو القراءه السائده للدين استجابه للحاله الإسلاميه الثوريه سياسياً و اجتماعياً، و طبعاً فإن الخط البياني لهذا المائز لا يكاد يستقر في دوائر الموضوعات المختلفه و طبيعه الأشخاص الذين تناولوها.

     نجد أن المثقف الإيراني لا يخفي اعترافه بأهميه الانفتاح علي الأعمال العربيه المعاصره و يجد نفسه يشترك معها في مساحات واسعه للغايه، إلي درجه أن مجله فكريه عرفت بمنهجها النقدي هي مجله «كيان» واصلت حتي عددها الأخير الذي احتجبت بعده، متابعه المشهد الفكري العربي حيث حصل حمل ذلك العدد الحلقه الأولي من حوار مطول مع نصر حامد أبو زيد أجراه معه محسن  خلجي الذي يعمل  في ترجمه أعمال أبو زيد إلي الفارسيه.

     كما تضمنت أعدادها السابقه عشرات من الحوارات مع مفكرين عرب كان أبرزهم محمد أركون و ترجمات لنصوص عديده لبرهان غليون، و جورج طرابيشي، و الجابري و أركون ذاته، و مراجعات لأعمال عربيه مهمه صدرت خلال العقد الأخير. كما يدرك المشهد الثقافي الإيراني أن حركه الترجمه العربيه من لغات العالم الحيه هي أوسع بكثير من جهود الترجمه في إيران، و ثمه سعي للإلمام باللغه العربيه بغيه الإفاده من الترجمات الموجوده عن الفرنسيه، و الالمانيه، و الروسيه بشكل خاص، حتي نقل لي بعض الزملاء الذي يدرس في جامعه إيرانيه مرموقه أن أساتذته يوصون دائماً بالتوفر علي العربيه المعاصره لأجل الإلمام بالثقافه العالميه الحديثه.

     و يكفي في هذا السياق ملاحظه اعتماد الشيخ مرتضي مطهري علي ما ترجمه العرب من نصوص ماركسيه مبكره كما يؤكد ذلك الناقد الإيراني مجيد محمدي الذي يقول: إن أهم ما كتبه الإسلاميون في إيران في نقد الماركسيه منذ الستينات كان يعتمد علي الترجمات العربيه، و كثيراً ما يظهر المفكر اللامع عبدالكريم سروش و امامه علي المنضده دوريات عربيه مهمه كمجله الاجتهاد.

     و بلغ شعور المثقف الإيراني بتواصله مع الثقافه العربيه درجه جعلته يسال محمد عابد الجابري  عن مدي تواصل المثقف العربي مع الثقافه الإيرانيه المعاصره في حوار أجرته معه دوريه إيرانيه في شتاء‌ 1998، و قد أكد الجابري أن المثقفين العرب لا يتجاهلون الثقافه الإيرانيه، بل يحول دون ذلك  حاجز اللغه بينما تلم شريحه من الإيرانيين بلغه الثقافه العربيه و تتواصل مع أعمالها.

     و رغم فقر جهود تعريب النتاجات الإيرانيه إلا أننا لا نعدم دوريات مثل مجله التوحيد، أو مجله قضايا اسلاميه معاصره حيث بذلك- خاصه  الأخيره- جهوداً مميزه في ذلك؛ إذ حرصت علي انتقاء أهم النصوص الفارسيه المعاصره و تعريبها ضمن ملفات حساسه و مهمه كان آخرها ملفاً خاصاً بنظريه عبدالكريم سروش في تكامل المعرفه الدينيه، و هو أول ما ينشر حولها بالعربيه بهذا الحجم و الكيفيه، إضافه إلي جهود مؤسسات أخري و مترجمين عرب يمتلك بعضهم كفاءه جيده. و رغم أن جهود الترجمه تتركز في الغالب في دائره الشيعه العرب و العراقيين بوجه خاص، إلا أننا نلمح  اهتماماً محدوداً تبديه بعض دور النشر العربيه في ترجمه الأعمال الإيرانيه، و لاسيما ما كان قد نشر منها باللغات الإنجليزيه و الفرنسيه، كعدد من أعمال حسين نصر، و داريوش شايغان. و لا يمكن في هذا المستوي تجاهل العهد الخاتمي الذي جعل من أولوياته الانفتاح علي العالم العربي سياسياً و ثقافياً، فيما حظي خاتمي نفسه باهتمام عربي مميز جعل حصته من الحضور في الثقافه العربيه هي ال&