التعدديه الدينيه نظره تحليليه

محمد رضا الحجازي

ترجمه : علاء الرضائي

تستند التعدديه الدينيه باعتبارها فرعاً من فلسفه الدين الى نظريه تقول : يمكن في عصر توافر الاديان (و الايديولوجيات) ايجاد نوع من الوفاق و التعايش بين اتباع تلك الاديان ، على اساس فهم كل فريق للآخر و قبوله . و هذه الفكره التي لا يمكن تحديد مبدا لها ، اصبحت مصدراً لتطورات و تحولات مختلفه و في مجالات عديده ، فلسفيه و دينيه و اجتماعيه و سياسيه .

و فكره » التعدديه الدينيه « و ليده عوامل و افكار متنوعه تمتد على مدى تاريخ الحضاره الانسانيه . و يبرز فيها دور علماء الكلام و علماء الدين و علماء الاديان و الحضاره اكثر . و مقدمه للبحث ، سنتعرض الى جذور فكره التعدديه بشكل مجمل .

كان لكلمه » التعدديه « معان كثيره و مختلفه في تاريخ الفلسفه و العلوم الاجتماعيه ، ففي كل مجال ، يقصد بها امراً معيناً و بعض تلك الاصطلاحات ، كالتالي : التعدديه الفلسفيه (Philosophical Pluralism) ، و التعدديه الاخلاقيه Moral or Ethical) ( Pluralism ، و التعدديه الثقافيه Cultural) (Pluralism ، و التعدديه الدينيه او الكلاميه (Religious or Theological Pluralism) .

و معرفه التعدديه الفلسفيه يمكن اعتبارها الى حدّ ما ، مدخلاً لفهم التعدديه الدينيه ، لذلك سنتناول ذلك مقدمه لبحث التعدديه الدينيه .

التعدديه الفلسفيه

نشاهد بين المنظومات و الافكار الفلسفيه ما يسمى بـ» التعدديه الفلسفيه « . و التي تطلق تاريخياً على نوع من الفكر الميتافيزيقي . و هذه الفكره التي تقابل فكره الاحديه (Monism) تقول بان الحقيقه لا يمكن ان تبتني على جوهر فردي او عنصر واحد . فالعناصر الاساسيه التي تشكل حقيقه الوجود ثنائيه او متعدده 1 . و في تاريخ الفلسفه هناك مذاهب كثيره يشكل الامر المذكور اساس نظرتها الميتافيزيقيه ، سنشير الى ثلاثه نماذج منها في هذا البحث ، و هي :

1- التعدديه الماديه  (Materialistic Pluralism)2 :

و هذه الفكره التي تنسب الى ديموقريطس (Democritus) و كان لها اتباع في مختلف الاتجاهات الفلسفيه ، ترى ان الذرات البسيطه تشكل العناصر الاوليه لجميع العالم . و الذرات اجراء صغيره جداً في الاشياء الماديه لا تقبل التقسيم و لا التغيير . و هي مختلفه من حيث الشكل و الحجم و تتحرك في الفضاء بحريّه . اما سبب تركيبها فهو التصادم الذي يحدث بينها ، و بذلك تظهر الاشياء ، و في النهايه تظهر المنظومه بالكامل .

و النظريه الذريه التي قال بها ديموقريطس و اتباعه مبنيه على الفكره التاليه : ليست مشاهداتنا للعالم الخارجي ، من قبيل الالوان و الاصوات و الاشكال ، سوى ذرات مركبه و مجالات خاليه بينها .

و رغم التحولات التي عُرّض لها » المذهب الذري « او » التعدديه الماديه « على مدى تاريخ الفلسفه ، لكنه لم يفقد اساسه التعددي . و في الوقت ذاته ، رغم التاثير الذي تركه مذهب » التعدديه الماديه « الاّ انه لا يمثل الافكار العلميه المتكامله على اساس الماده و الماديه في عالمنا المعاصر ، لان في مثل هذه الافكار العلميه اتجاهاً متزايداً نحو فهم معيّن عن الاحاديه او النسبيه المطلقه ، و التي لكل واحده منها نهج و تفسير مستقل عن » التعدديه الماديه « 3 .

2- التعدديه المعنويه (غير الماديه او Spirituslistic Pluralism) :

يرى هذا المذهب ان الذرات الماديه لا تشكل العناصر الاوليه للعالم ، بل ان جوهر الوجود تشكله عناصر اخرى تسمى بـ» وحده « (Monad) . و على اساس التعريف الذي يقدمه » لايبنتر « (Leibnitz) موسس هذه الفكره : تكون الوحدات ، عناصر معنويه بسيطه مستقله بعضها عن بعض ، لها مراتب مختلفه من ضعيفه الى قويه . فجميع الاشياء تتكون من هذه الوحدات .

و الروح تعدّ الوحده الساميه و العليا في الانسان ، بينما الله هو الوحده و العنصر الاسمى في كل منظومه . و الحقيقه ان الفكره المبنيه على اساس الوحده او العنصر ، هي رد فعل ازاء الفكر المادي الذي طرحه مذهب  » الذريه « .

و في الوقت الذي كان للتعدديه الماديه تاثير مباشر و كبير على مختلف العلوم ، لم يكن لفكره التعدديه المعنويه (فكره الوحدات او العناصر) اي تاثير على مسار العلوم و تطورها . و من خلال دراسه المنهج المتّبع في هذين المذهبين و فهم كل واحد منها لبنيه الوجود الجوهريه ، تظهر مساله التاثير بالعلوم مساله منطقيه .

3- التعدديه الجديده (New Pluralism) :

و رغم ان المذهبين السابقين عرفا على انهما فكرتان تعدديتان ، الا انهما متفقان على وجود نوع من البساطه تحكم العالم . و رغم ان الذرات او الواحداً . و في مقابل ذلك ، فالتعدديه الجديده تنفي ايه وحده او اطلاق ، و تقول بنوع من النسبيه في حقيقه الوجود 4 .

كانت اغلب المنظومات الفلسفيه قبل وجود فكره النسبيه في الفلسفه ، محكومه بنوع من الاتجاه المطلق ، المدعوم بالمنطق الكلاسيكي الذي هو بذاته مطلق ايضاً . و على اساس هذا الاطلاق الذي يثبت نوع الوحده في كل الوجود ، وجدت مفاهيم من قبيل الزمان و المكان و العليه ، التي لها تفسيراتها الخاصه ، و التي بموجبها يمكن تقديم تفسير واضح للعالم .

و قد انسحب هذا الاتجاه المطلق على منظومه الانسان المعرفيه ايضاً ، فطرحت هذا التصور و هو انه يمكن ان يمتلك الانسان فهماً و ادراكا مطلقاً عن حقائق الوجود . و على اساس الاتجاه النسبي في الفلسفه و الذي ظهر الى حدّ ما تحت عنوان » التعدديه الجديده « ، لا يمكن الوقوف على فهم مطلق للمفاهيم المذكوره ، كما لا يمكن تفسير الاحداث بشكل مطلق ايضاً . فالحركه و التغيير تحكمان كل الوجود ، و العالم . و على اساس ذلك ليس بالامكان استشراف نتيجه واحده و مصير مطلق و متكامل لاحداث العالم . و من هنا نواجه دائماً احتمالات عديده لا يمكن تفسيرها في ضوء منطق الاتجاه المطلق ، بل تحتاج الى نوع من المطلق النسبي .

و من ابرز وجوه هذا الخط الفكري : » ويليام جيمس « (William James) و » جون ديوي « (Jihn Dewey) و » شيلر « (Schiller) و » هنري برغسون « (Henri Bergson) 5 .

و كان لهذا الاتجاه النسبي تاثير عميق و كبير على المنظومات الفلسفيه المعاصره . فلم تنحصر هذه النوعيه من النسبيه الفلسفيه و العقلانيه في حدود المباحث الفلسفيه و العقلانيه الصرفه ، بل تجاوزتها الى دائره المباحث الاخلاقيه (العقل العملي) و الكلاميه و الاجتماعيه و السياسيه . و موضوع دراستنا (التعدديه الدينيه) ايضاً تاثر بهذا الاتجاه النسبي ، بحيث إن بعض عناصره مبنيه على القبول بفكره النسبيه .

و يعدّ الاتجاه نحو الفكر الديني و ظهوره باشكال مختلفه و متباينه احياناً ، الجزء الاعظم من مباحث فلسفه الدين في القرون الاخيره . و الفكر الديني الذي يطرح بشكل اكاديمي على شكل نظريات دينيه اجتماعيه ، ليس منحصراً في اطار دين او اكثر ، بل يشمل جميع الاديان العالميه الكبيره ضمن مجموعتين كبيرتين : هي الاديان الغربيه ، و الاديان الشرقيه ، فالاسلام و المسيحيه و اليهوديه من مجموعه الاديان الغربيه . بينما الاديان البوذيه و الهندوسيه و من مجموعه الاديان الشرقيه . و قد اوجدت العلاقات و المواجهات التي تحصل اليوم في عصر الاتصالات ، دافعاً قوياً لظهور نظره شامله الى جميع الاديان . و هذه الآراء المطروحه من قبل علماء الدين او المختصين بشوون الاديان ، تحمل كل واحده منها شواهدها وادلتها الخاصه بها .

و بشكل عام هناك ثلاثه انواع من الراي قد تكون متباينه في هذا المجال : فكره الاقتصاريه الدينيه Exclusivism ، و فكره الشموليه (المشاركه) الدينيه Jnclusivism و فكره التعدديه الدينيه Pluralism و من خلال دراسه الفكرتين الأوليين بشكل دقيق باعتبارهما منافستين لفكره التعدديه الدينيه ، نفهم فكره التعدديه بشكل افضل .

الاقتصاريه الدينيه

على اساس هذه الفكره هناك ديانه واحده هي الحق ، لهذا فالسبيل للسعاده و الفلاح يكون من خلالها فقط . و يرى اصحاب هذه الفكره ان الحقيقه تكون في عقيده واحده ، و طريق الوصول اليها واحد . اما سائر الاديان فلا توصل الانسان الى الحقيقه و السعاده الحقيقيه . و هنا سنتعرف على نوعيه الدين الذي بوصل الانسان للسعاده و الفلاح ، رغم ان جميع الاديان تدعي ذلك لنفسها ، بل يستدل اتباع كل دين بشواهد و نصوص من سائر الاديان الاخرى على ذلك ، و سنشير الى نماذج منها :

جاء في الانجيل على لسان السيد المسيح (ع) ما يبيّن هذا الاسلوب من الفكر الديني . فنقرا في احدى عبارات الانجيل : لا يستطيع احد الوصول الى الاب الاّ عن طريق (المسيح) 6 . اضافه الى ذلك نشاهد في تاريخ المسيحيين ، هذا الفكره : » لا سبيل الى السعاده من دون الكنيسه « و هذه الفكره هي اساس العديد من الحركات الدينيه المسيحيه التي ظهرت خلال القرنين الثامن عشر و التاسع عشر الميلاديين 7 .

و في الاسلام ايضاً ، هناك ادله و نصوص كثيره تويد هذا النحو من الفكر . فنقرا في القرآن مثلاً : ] ان الدين عند الله الاسلام [ ، 8 او في آيه قرآنيه اخرى : ] و من يبتغ غير الاسلام ديناً فلن يقبل منه و هو في الآخره من الخاسرين [ 9 .

و على هذا الاساس ، نعرف سبب سياده هذا النوع من الفكر الاقتصاري (الانحصاري) بين المسلمين ، و تاكيدهم ان الاسلام هو الدين الحق و السبيل الوحيد لفلاح الانسان و سعادته .

و الفكر الاقتصاري في الديانه اليهوديه على هذا المنوال ايضاً . فقد ادعى اليهود ان بني اسرائيل هم شعب الله المختار ، و ان اليهوديه هي السبيل الوحيد للسعاده و الفلاح .

كما ان هناك شواهد كثيره في الديانات الشرقيه كالهندوسيه و البوذيه على ذلك ايضاً 10 .

و بشكل عام ، ينسب الفكر الاقتصاري الى افراد او مجموعات تنتسب هي الى ديانه معينه . و طبيعي ام يكون تعاملها مع الديانات الاخرى على سبيل النفي ، فالحقيقه تكون ما يومنون به من عقيده . و بعد تطور الفكر الديني ، ضعف هذا الاتجاه بشده في مختلفه الاديان خلال القرون الاخيره ، فلا نجد من يدافع دفاعاً مستميتاً عن هذه الفكره بين علماء الاديان و المتكلمين المعاصرين . و الانتقاد الاساسي على هذه الاديان في حصرها للحقيقه و المعرفه بها ضمن دائره معتقداتها ، و السبب في ذلك يعود الى ان جميع النصوص الدينيه (لدى جميع الاديان) مقدسه و لها اهميتها في معرفه الحقائق الدينيه و تبيين الطريق الى سعاده الانسان و فلاحه . مع الاحتفاظ بتفاوت درجات الاختلاف بينها في هذا المجال .

الشموليه الدينيه

خلافاً للفكره السابقه ، تستند فكره الشموليه الدينيه الى عقيده تقول بان الحقيقه واحده ، و ان الاديان جميعها وجوه متعدده لتلك الحقيقه الواحده . و قد بينت الكتب السماويه و تعاليم الانبياء كل واحد منها جزءاً من الحقيقه ، و انها لم تتعارض بعضها مع بعض و حسب ، بل اشتركت جميعها في بيان الحقيقه . و من هنا فإن هدف جميع الأديان واحد رغم اختلافها في الطريق الى ذلك الهدف ، و ذلك مع الاخذ بنظر الاعتبار قدره كل واحد منها و امكاناتها في الوصول الى الحقيقه . و على هذا الاساس ، يكون انطباع اتباع كل ديانه ايجابياً عن الآخرين ، فينظرون الى الديانات الاخرى باعتبارها طرقاً توصل جميعها الانسان الى السعاده و الفلاح ، و لكن بمرتبه ادنى مما يومنون هم به .

و ياتي هذا الفريق ايضاً بادله من مختلف الاديان الكبرى . فالقرآن الكريم مثلاً تحدث كثيراً عن اهل الكتاب ، مما جعل بعضهم يوسع من دائره الاديان الإبراهيميه الى جميع الاديان التي لديها كتب و صحف . ففي سوره المائده نقرا الآيه الشريفه " ] و الذين هادوا و الصابئون و النصارى من امن بالله و اليوم الآخر و عمل صالحاً فلا خوف عليهم و لا هم يحزنون [ 11 .

و بالنسبه للديانه المسيحيه ، فقد تراجع الكلام الكاثوليكي بين سنوات 1962-1965 بشكل واسع عن مواقفه الاقتصاريه السابقه ، و اعترف بنوع من الفكر الشمولي . و بما ان سعاده الانسان مضمونه بالتضحيه التي قام بها السيد المسيح (ع) ، فإن جميع البشر يمكنهم المشاركه في الوصول الى السعاده و الفلاح ، بغض النظر عن عقائدهم و آرائهم ، و الاستفاده من الرحمه التي جاءت بها تضحيه المسيح 12 . و على حدّ قول » كارل راهنر « (Karl Rahner) : الذين يبحثون عن الله ، مهما كانت عقائدهم و دياناتهم ، هم مسيحيون حتى لو لم يكن لهم ذلك العنوان 13 .

و في اليهوديه ايضاً توجد افكار تنتهي الى هذه الفكره الشموليه ، ففي العقيده اليهوديه نجد انَّ جميع الناس صالحون في عالم الآخره و يشتركون في ايجاده 14 .

و الاديان الشرقيه ايضاً ، تساهم في تاييد هذه الفكره . فالهندوسيه ترى انَّ الاديان الاخرى طرق متنوعه للوصول الى حقيقه إلهيه واحده ، و تعتقد ان الاديان ما هي الاّ مراحل مختلفه في مسيره التكامل الروحي . و البوذيه غالباً ما ترى انه يمكن مشاهده جوانب مختلفه (و لكن ناقصه) لتعاليم » داهارما « (Dharma) في سائر النصوص الدينيه15 .

هذا الفهم للأديان الغربيه و الشرقيه استطاع الى حدّ ما ايجاد نوع من الفكر الشمولي ، الذي يرى الحقيقه واحده من جانب ، و من جانب آخر يعتقد ان جميع الأديان ما هي الاّ طرق مشروعه للوصول الى تلك الحقيقه . و على عكس الفكره الاقتصاريه ، ليس هناك تباين و تعارض بين الاديان ، بل انها واحده من حيث الاساس ، فجميعها تشترك في ناحيتي الحقانيه و تقديم الطريق الى الحقيقه . و الحقيقه ان الفكره الشموليه تستند الى نظره اتباع دين معيّن (رغم اعتقادهم بمحوريه ديانتهم واحقيتها) بايجابيه و تحمل الآخرين على اساس حقانيتهم ايضاً . و بعباره اخرى ، يوسع اتباع ديانه معينه دائره حقانيتهم لتشمل الديانات الاخرى و تستوعبها ، فتوجد نوعاً من الوحده بين الديانات .

و الفكر الشمولي اصبح مقبولاً اليوم اكثر من الناحيه العلميه ، خاصه في المجتمعات التي يُشاهد فيها تنوع ديني و ثقافي . و نجد بين هذه الفكره و فكره التعدديه الدينيه تقارباً في بعض المباني و الاسس ، على الرغم من المنافسه الموجوده بين الفكرتين ، و بعباره اخرى ، يرى بعض اصحاب الفكر التعددي ، نوعاً من الافراط في الفكر الشمولي ، فيطرحون فكرتهم التعدديه بعنوان اصلاح للفكر الشمولي . و الحقيقه هي ان هولاء يذعنون لنوع من الوحده او الحقانيه المشتركه ، من خلال قبولهم لأصول الفكره الشموليه ، و بهذه المقدمه المطوله ، نصل الى دراسه فكره » التعدديه الدينيه « .

فكره التعدديه الدينيه

كما اشرنا من قبل ، فإن فهم التعدديه الدينيه يكون من خلال تميزها عن الفكرتين السابقتين (الاقتصاريه الدينيه و الشموليه الدينيه) .

و على اساس الفكر الاقتصاري الديني يسعى المتدينون الى إثبات احقيه ديانتهم و رفض الاديان الاخرى ، باعتبار ان الديانه التي يومنون بها هي السبيل الوحيد للسعاده و ان الهدايه لا تكون الاّ باتباع العقيده التي يعتقدونها . بينما اصحاب الفكره الشموليه الدينيه فاضافه الى الحق الذي يرونه لمعتقدهم يرون ايضاً حقانيه الاديان الاخرى ، فتكون الأديان الاخرى امتدادات لدينهم اتخذت اسماء و عناوين اخرى لظروف خاصه . و على هذا الاساس ، بما ان الاديان الاخرى تعبّر عن حقائق دينهم ، إذن باستطاعتها ان تكون دليلاً في طريق السعاده و الهدايه .

اما فكره التعدديه الدينيه ، و على خلاف الفكرتين السابقتين ، فترى ان لكل دين طريقه المستقل في الوصول الى السعاده ، و بما ان هدف جميع الاديان واحد ، و جميعها تسعى للوصول الى الحقيقه و مقصدها واحد ، لذلك فجميع الاديان يمكن ان تكون على حق . و الاديان عباره عن طرق مختلفه و لغات متعدده من اجل الوصول الى حقيقه واحده.

و يعدّ » جان هيك John Hick « من طلائع هذه الفكره . و قد بيّن تلك المساله من خلال طرح مثالي من علم الفلك . و يقول ، كما ان الارض كانت على مدى سنوات طويله هي المحور الذي يدور حوله العالم في علم الفلك ، بينما الحقيقه خلاف ذلك ، و ان ذلك كان مجرد تصور انساني للقضيه و من ثم ظهر انَّ المحورَ شيء اخر ، و الارض جزء من منظومه تدور حول ذلك المحور . ففي مجال الدين و الفكر الديني ايضاً كان المتدينون يتصورون و على مدى سنوات طويله ان دينهم هو محور الحقيقه ، و انه السبيل الوحيد في الوصول اليها ، و ان السبل الاخرى لابد ان تدور في فلك دينهم . و وجدنا الآن ان المحور امر آخر ، و هو الحقيقه ذاتها ، التي تسعى جميع الاديان و المذاهب الوصول اليها 16 .

و طبقاً لاحد الآراء ، فان خصوصيه المجتمع الذي تسوده فكره التعدديه هي ان الدين الذي يشكل اتباعه الاغلبيه تكون له الصفه الرسميه و يفرض سلطته على المجتمع رغم وجود اديان اخرى 17 . و على اساس هذه الخصوصيه ، نستنتج ان التعدديه ليست مجرد ظاهره اكاديميه ، بل لابد من تفسيرها في اطار سياسي .

و على الرغم من مرور اكثر من عقد على طرح فكره » التعدديه الدينيه « فلا زالت تحتاج الى معايير و ملاكات منطقيه و فلسفيه و تفسيرات عقلانيه 18 . و على حدّ قول اصحاب الاختصاص فإن الدوافع و العقائد الاساسيه لهذه الفكره لم توضح تماماً من قبل اتباعها . بل حتى من قبل موسسيها . و في الوقت نفسه يزداد احتمال ان المهتمين بالمعرفه الدينيه ، و بتاثير من حركات معينه ، ارادوا ان يقدموا تفسيراً انسانياً لظاهره الدين ، اوسع من التفسير الإلهي و بعباره اخرى ، الدين هو احد سائر شوون الحياه الانسانيه الاخرى ، مثل : الاخلاق و الفلسفه و الآداب و التقاليد الاجتماعيه ، التي يكون مصدرها بشري و يجب ان لا ننسبها الى الآلهه ، فينتج عنه عدم تفضيل دين على آخر ، بل ان قيمه كل دين تحدد في ضوء الاصول و العناصر الاخلاقيه التي ياتي بها ، لا الملاكات المنطقيه و الميتافيزيقيه التي لابد ان يفسّر من خلالها 19.

و النتيجه الطبيعيه لمثل ذلك ، هي نوع من النسبيه التي سنتكلم عنها بالتفصيل لا حقاً .

تاريخ نشوء فكره » التعدديه الدينيه «

يمكن البحث عن الجذور الفلسفيه للتعدديه الدينيه و كما اشرنا من قبل في تاريخ الفلسفات و الاديان القديمه . و قد نجد بعض عناصر هذه الفكره في مختلف الاديان و تحت عناوين متعدده تطرح من قبل اشخاص معارضين للإتجاه العام في الغالب ، لكن ظهورها على شكل فرض او اتجاه فكري يعود الى القرنين الاخيرين .

و يرى بعض الكتّاب ان العوامل و الظروف الاقتصاريه التي شهدها العالم خلال القرنين الاخيرين ، كانا السبب في ظهور فكره التعدديه . فحتى القرن التاسع عشر لا يلاحظ ارتباط و اتصال بين اتباع الديانات الكبيره ، و لم يظهر ايّ منها ميلاً في معرفه الآخر . لكن الثوره الكبيره التي حصلت في الاتصالات بعد القرن التاسع عشر ، و خاصه القرن العشرين ، جعلت الاكاديميين يهتمون كثيراً بمعرفه الثقافات و الشعوب الاخرى ، لان ذلك يشكل ارضيه مهمه في العلاقات الاقتصاديه و السياسيه و الثقافيه و الاجتماعيه . و في سنوات الخمسينات من هذا القرن ، صار الحديث عن ضروره فهم متقابل مبنياً على معرفه ادق بين الاديان الكبيره ، و خاصه بين الاسلام و المسيحيه و اليهوديه . و كان ذلك بدايه لنشاطات شملت مختلف ارجاء العالم و تبعها العديد من الموتمرات و الندوات و الملتقيات .

و قد بقيت تلك النشاطات في حدود الوصف ، بينما اتخذ القليل منها صيغه الحوار 20 .

مباني » التعدديه الدينيه «

طرحت فكره » التعدديه الدينيه « منذ البدايه كفرضيه في مجال معرفه الواقع (او الحقيقه) و الوصول اليها عن طريق علمي و عملي من قبل المفكرين الدينيين . و على هذا يكون الاصل الاساس و المفهوم المحوري في صياغتها هو » الواقع « (The Real) . و التمييز بين الواقع كما هو موجود و الواقعيه الناتجه عن التجربه الانسانيه ، هو احد المحاور الاساسيه التي لحظها اولئك المفكرون المهتمون بشوون الدين .

و قد سعوا في هذه الفرضيه الى اظهار هذا التمايز و تبيينه و تفسيره عقلائياً ، من خلال استخدام بعض الاسس الفلسفيه . و الخقيقه او الواقعيه المطلقه لا يمكن ابداً ان تكون ضمن مجال المعرفه و التجربه الانسانيه . فهي حقيقه واحده و مستقله و لها جميع الصفات الكماليه بشكل مطلق . و قد نجد لتلك الحقيقه مفاهيم و اسماء مختلفه في الثقاف