الوعي الانساني السبيل الوحيد لنهضه الحضاره الاسلاميه

عبدالله الفريجي

 

     المفارقه الرهيبه التي يلاحظها المهتم هي ان الامه بمجموع شعوبها تحاول انجاز نهضتها المعاصره بتكرار نفس الخطأ الاساسي السابق و المتمثل في حاله من الانبهار شبيهه بحالة الانبهار التي عاشتها الامه في تأريخها القديم حينما انبهرت بالفلسفات و العقائد القديمه و صارت تطلق جزافاً علي تلك المنتجات الفكريه اسم الحكمه و صارت لا تري سبيلاً الي السعاده و الرقي بدون حفظ كل تلك و تكراره، بل اننا نلاحظ ان المدارس الفلسفيه اليونانيه اعيد احياءها من جديد من خلال تناول الفلاسفه المسلمين لها

     عندما عرفت الثقافه بانها «انواع الانتاج المادي و الروحي و مختلف انماط السلوك الاجتماعي و الاخلاقي» فانها بهذا التحديد تكوت اكثر استيعاباً لعناصر تكوين التفوق الحضاري؛ فالانسان حينما يتحرك كفرد او كمجتمع لا يتحرك بدافع العقل وحده بل ان عواطفه و افكاره و عقائده و النظام السياسي كلها دخيله سواء في تاسيس الحركه و تصاعدها او منعها و المساهمه ابطائها.

     لهذا فان مزيجاً يعرف بالثقافه هو الذي يتم في ضوئه توليد الحضاره الامر الذي ينفي التاكيد علي ان الانتاج النظري وحده؛ هو الثقافه، اذ هو ليس سوي جزء من الثقافه.

 

تعريف آخر للثقافه

     لكن في هذا التحديد محذور بالنسبه للمسلمين يقوم علي اساس رؤيه ان الثقافه هي بيئه الانسان التي يصنعها بنفسه في مقابل البيئ الطبيعيه التي يجدها مصنوعه قبله في الثنائي الكوني؛ الذي هو ثنائي «الانسان و الطبيعه» فالمسلم يعتقد بان العقيده و ما يلحق بها من اخلاق و اعراف ناشئه من الوحي، و الوحي ليس من صنع الانسان بل هو من السماء، و لهذا سيكون من المناسب استخدام مفرده من قبيل (الوعي الانساني) بدلاً من (الثقافه) تخلصاً من محذور الدلاله السابقه لكلمه ثقافه.

     ان الوعي الانساني هو الاساس الذي تصنع في ضوئه الحضاره و تصبح متفوقه تبعاً له او متراجعه؛ ذلك ان الذوق و الاخلاق طريقه انتاج الافكار تعتمد عليه كما ذهب الي ذلك محمد عابد الجابري في كتابه بنيه العقل و قال بان «العقل المكون» هو الذي ينتج الفكر من خلال وعي «ثقافه» خاصه و بناءاً علي مرجعيه محدده الابعاد و هكذا نشاهد سلسله تبدأ من الوعي الانساني «الثقافه» تم ترتبط لتكوين عقل خاص ينتج الافكار و هو بدوره ينتج حضاره معينه.

     فالحضاره ليست نتاج لما تقوم به الطبقات المنتجه للافكار بل انها ناتج لتظافر جهود مجتمع بكامله بجميع طبقاته و فئاته و ان اي انتاج فكري و مهما يؤدي الي نقله في الوعي بدءاً ثم تتغير في ضوئه بقي معالم المجتمع كالنظام السياسي و العلاقات الاجتماعيه و كذلك الاخلاق و العواطف.

     و لذا فان الوعي الانساني المتفوق المنتج لحضاره متفوقه سيبقي دائماً حاله منفتحه علي كل الاحتمالات و بالتالي ليس هناك تفوق دائم و لا تراجع دائم، كذلك كما اننا لا نشاهد حقبه تأريخيه خاليه من مركز اشعاع و اطراف تنهال من هذا المركز فكل طرف سيكون مرشح لاحتلال موقع المركز و كل مركز عرضه للتحول الي طرف حينما تنحسر لديه عناصر الوعي التي اتاحت له فرصه المركزيه.

 

سباق علي النتاج الحضاري

     ان الملاحظ تاريخياً ان الغرب و الشرق تبادلا الادوار فكل منهما اصبح مركزاً ثم تحول الي طرف و صارت الدورات تتعاقب باستمرار بصوره تبادليه.

     فالحضاره اليونانيه اعقبت حفوت الحضارات الشرقيه القديمه ثم حلت الحضاره‌ الاسلاميه محلها و اخيراً تربعت الحضاره الغربيه الحديثه علي عرش الانتاج الحضاري المعاصر.

     و بغض النظر عن كون التعاقب هو قانون نمو و زوال الحضارات ام لا الا اننا لدي مراجعه التأريخ المكتوب للانسانيه نشاهد هذا الامر بوضوح خلال بضعه الاف من السنين بسسب وجود الاتصال بين قطبي الحضار‌ه الشرقي و الغربي فرغم كون كل منهما يمثل بيئه حضاريه متميزه و ذات طابع خاص الا ان هناك اتصال بينهما يغري كل منهما بضم الاخر اليه في فترات القوه.

     و هذا الاتصال كان ذا اثر ايجابي من جهه لانه قاد الي تكون ارث حضاري انساني عام و مشترك يمكن لاي جماعه بشريه ادعاء الانتماء اليه و خصوصاً في الفتره الحاضره حيث حاولت الحضاره الغربيه اعاده انتاج كل ما وقع في ايديها من مواريث الحضارات الاخري بطريقه معاصره و من ثم ضمها الي الارث الانساني العام.

     غير ان لهذا الاتصال عنصر سلبي قاتل ينعكس علي الحضاره الاسلاميه ذلك انها تختلف عن سواها من حيث الاهداف فهي قبل كل شيء كانت رساله‌ انسانيه شامله ذات اهداف كونيه تحت نحو سلخ الانسان من الارث الوحشي الذي سجله لنا التأريخ بصور بشعه مختلفه و الانتقال به الي مرحله جديده عبر احداث قطيعه كامله‌ مع الوعي الانساني الذي عرفته البشريه في الحقب السابقه علي الاسلام.

     و لهذا فان الامه التي اختيرت لاداء هذا الدور كانت امه منعزله في اعماق الصحراء و تكاد تكون بلا موروث حضاري تقريباً لكي يمكن للوحي تشكيلها بطريقه يرسمها لنفسه بصوره شامله‌ ليكون هذا التشكيل حجراً اساساً لبناء المجتمع البشري الجديد.

     غير ان هذا الامر لم يحصل اذ سرعان ما عمدت هذه الامه الي الالتحام بالموروث الانساني الذي خلفته الحضارات السابقه المنهار و صارت تعيد انتاج كل المقولات القديمه و تؤسس «ثقافه» توفيقه تلتحم بالوحي من جهه و من جهه اخري بالارث الانساني لتلك الحضارات؛ بينما كان علي الامه الاسلاميه الوليده ان تبتعد بصوره كليه‌ في ذلك الطور التأسيسي عن تلك الموروثات و ان تعمد الي خلق اسس جديده متكامله لتتعامل في مرحله قادمه من تلك الموروثات من دون الاخلال بالاسس الجديده.

     لم يحصل ذلك بسبب ما فوجئت به الحضاره الجديده من حاجه الي مرجعيه خاصه‌ بها تمكنها من الصمود امام التراث الانساني الضخم الذي انتجته الحضاره خلال تاريخ طويل؛ فانفتحت عليه و صارت تواجهه وجهاً لوجه في سياق تشكيل هذه المرجعيه و لما كانت قد ابتعدت عن الوحي لعوامل عديده فانها اضطرت الي هضم ما تحتاجه من منجزات الحضارات الاخري و تحوره بصوره تلائم اوضاعها الخاصه.

 

عقده الانبهار

     و كان طبيعياً ان تحصل حاله‌ من الانهبار لدي المسلمين الذين كانوا يتزعمون المسيره و هم يرون هذا التراث الانساني الغزير و الانيق و الذي قامت الاف العقول بصقله خلال حقب تأريخيه متعاقبه و بالتالي منحته قدراً كبيراً من القابليه علي الاقناع التي لولاها لكان قد هزم في نفس بيئه الحضاريه قبل ان يهزم في بيئه حضاريه مغايره.

     و قد فات الطبقات التي قامت علي انتاج الوعي الاسلامي في تلك الحقبه ان الحضارات البائده كانت بدورها قد مرت في صراعات داخليه و ان التيارات التي تسود ثم يحصل الانهيار فيها انما تكون قد ابتعدت عن عناصر التفوق في وعيها عبر خطوات متلاحقه بحيث يكون الوعي الذي حصل في زمنه الانهيار هو اكثر مستويات الوعي ابتعاداً عن عناصر التفوق و بالتالي فهو لا يصلح لتبنيه في سياق ايجاد مرجعيه الوعي الجديد (الوعي الاسلامي الوليد) او ان العمليه تحتاج الي تمحيص متواصل و طويل للتراث الانساني السابق علي الاسلام لكي يمكن فرز النافع من سواه.

     و لهذا فان الحضاره الاسلاميه و بسبب اتكائها علي هذت النمط من الارث الحضاري و بسبب قيامها بانتقاء افاق خاصه منه تلائم وضعها سارت في مسارات متشابهه لمساراته التي انتكس فيها و انتهت الي التراجع الحالي الذي تعاني منه الان و تحاول الشعوب الاسلاميه الخلاص منه و استعاده موقعها السابق.

     غير ان المفارقه الرهيبه التي يلاحظها المهتم هي ان الامه بمجموع شعوبها تحاول انجاز نهضتها المعاصره بتكرار نفس الخطأ الاساسي السابق و المتمثل في حاله من الانبهار شبيهه بحاله‌ الانبهار التي عاشتها الامه في تأريخها القديم حينما انبهرت بالفلسفات و العقائد القديمه و صارت تطلق جزافاً‌ علي تلك المنتجات الفكريه اسم الحكمه و صارت لا تري سبيلاً الي السعاده و الرقي بدون حفظ كل ذلك و تكراره، بل اننا نلاحظ ان المدارس الفلسفيه اليونانيه اعيد احياءها من جديد من خلال تناول الفلاسفه المسلمين لها.

     و نحن اليوم نري ان تياراً واسعاً يعجب ايما اعجاب بالحضاره الغربيه و يحاول حفظ مقولاتها و تكرارها بناءاً‌ علي اعتقاد مفاده عدم امكان قيام اي نهوض بدون ولوج هذا السبيل، و لعل من المناسب لنا ان لا نقع في نفس المطب الذي وقع فيه الاجداد حينما عمدوا الي الاتكاء علي الارث الحضاري الميت و عمدوا الي ايقاظه فالحضاره الغربيه و مهما بلغت من القوه فانها تنطوي علي نقاط ضعف قاتله ستودي بها الي الانهيار عاجلاً او اجلاً و هذا امر تنبأ به العديد من الفلاسفه الغربيين انفسهم و بناءاً علي هذا فان من يريد النهوض عليه ان يسلك طريقاً مبايناً للطريق المتجه نحو الزوال.

     و بناءاً علي ما تقدم تبرز نتيجه مؤداها ان النهوض لابد ان يتجنب تقليد مسارات الحضارات الاخري و بالتالي لابد من التحرير من الهيمنه الثقافيه للآخر سواء كان الاخر المعاصر او الاخر الذي التحم بالذات من خلال المسار التأريخي السابق، و ان القطيعه التي يطالب بها الجابري او سواه هي قطيعه تتم وفق هذا الشكل.

     ان التفوق الحضاري المطلوب لن يحصل الا من خلال وعي انساني متفوق تجاه اقصي حالات نمو الارث الحضاري الانساني و لا يتحقق هذا التفوق الا من خلال الاستناد الي الوحي.

 

الوحده العدد 228