تفك الدوله في الغرب و الشرق

عناصر القوه و ديناميه تبدل المواقع

عادل الجبوري

 

     ان تلاشي دوله ما من الدول يمكنه ان يفضي الي نشوء كيانات صغيره قائمه علي اساس عرقي او ديني او طائفي قومي، و هذا ما يشجع علي اندلاع الصراعات بين بعضها البعض التي غالبا ما تكون محدوده في باديء الامر ثم تتسع في مراحل لاحقه و تبلغ مستويات خطيره و في هذه الحاله تصبح ظاهره الصراعات اشد وطأه من تفكك الدوله و تشرذمها

     قد يخطر في ذهن اي متتبع لما يحدث علي الساحه العالميه من تفاعلات مختلفه، غدت تسيرها و تتحكم بها مراكز قليله تتوزع هنا و هناك داخل ما يقال له عالم الشمال او العالم الغربي بان الحدود بين الدول او الكيانات السياسيه الشبيه بها بدات منذ فتره من الزمن تضمحل شيئاً فشيئاً و تتلاشي,‌ و تزداد وتيره الاضمحلال و التلاشي يوماً بعد آخر, مع بروز عوامل جديده محفزه و دافعه بهذا الاتجاه، ليتبلور واقع جديد يفترض به ان يعبر عن جانب كبير من تطلعات و طموحات المجتمعات بشكل يتناسب مع معطيات التحولات الماديه.

     و لكن لان هذه العمليه لا تسير بنفس الوتائر في الاماكن و الازمان الختلفه, ارتباطاً بمقدار و طبيعه العوامل المخفزه و الدافعه, فانه من الطبيعي جداً ان نشهد مظاهر فوضي و اضطراب تختلف هي الاخري، من حيث اشكالها و مضاميها و ادواتها و مديات تاثيرها و كل طرف من الاطراف يفهم مظاهر الفوضي و الاضطراب هذه و ينظر اليها من منظاهره الخاص. فهناك من يري انها مرحله انتقاليه لابد منها لبلوغ درجه من الكمال و التكامل علي صعيد العلاقات العالميه بجوانبها و ابعادها المتعدده، و هناك من يري انها نتائج حتميه لتداعيات و ارهاصات دامت فتره طويله من الزمن، و هي ان كانت سلبيه او ايجابيه فلا مناص من قبولها و التكليف معها. و هناك من يعتقد انها كواراث خطيره تهدد القيم الاخلاقيه و الثقافيه و الحضاريه للمجتمعات و وجوداتها الماديه بعباره اخري ان المنتفعين مما يحدث يلجأون الي تفسيره  تفسيرات متفائله, و المتضررين - و الخائفين - يجدون انفسهم محكومين بنزعات تشاؤميه - بل انها في بعض الاحيان موغله في التشاؤم.

     و الغريب ان الفريق الاول يتبع منهجاً انتقائياً في تحليل و تفكيك الظواهر, اذ يسلط الضوء  و يركز علي بعض الحقائق و يخفي البعض الاخير منها و الشيء نفسه يفعله الفريق الثاني. لكن بدرجه اقل نوعاً ما, ربما لان الاحساس بالضعف حيال الاخر يجعله طوال الوقت متردداً فيما يقدم عليه, و بذلك تكون الاستنتاجات و التقييمات للظاهره غير دقيقه بما فيه الكفايه، بل انها تبدو - في بعض الاحيان - بعيده كل البعيد عن الواقع، و باستمرار الجدل و النقاش تتولد عن الظاهره الاصليه؛ ظواهر اخري فرعيه يمكن ان تغدو بعد فتره من الزمن اكثر اهميه و خطوره من الظاهره الاصليه علي سبيل المثال فان تلاشي دوله ما من الدول يمكنه ان يفضي الي نشوء كيانات صغيره قائمه علي اساس عرقي او ديني او طائفي قومي, و هذا ما يشجع علي اندلاع الصراعات بين بعضها البعض التي غالباً ما تكون محدوده  في باديء الامر ثم تتسع في مراحل لاحقه و تبلغ مستويات خطيره و في هذه الحاله تصبح ظاهره الصراعات اشد وطأه من تفكك الدوله و تشرذمها رغم ان الاولي هي واحده من نتائج الثانيه و العكس قد يكون صحيح ايضاً.

 

اي موقع للدوله في الغرب؟

     و علي هذا الاساس نجد ان نزعه التفاؤل في الغرب تطغي الي حد ما علي حمي التشاؤم بتاثير عاملين, الاول متمثلاً بالتطور المادي الهائل علي مختلف الاصعده و المستويات و الذي ساهم باشباع رغبات و طموحات الكثيرين و التي هي ماديه استهلاكيه في جانب كبير منها, و العامل الثاني. هو ان قليلين جداً من افراد المجتمع الغربي ابدوا استعداداً للتامل في حقيقه ما يجري من حولهم و دراسته دراسه متأنيه. عقلانيه و موضوعيه تناي قليلاً عن الحسابات و الاعتبارات الماديه الصرفه و تتعامل مع كل الحقايق الماثله علي ارض الواقع بنفس القدر من الاهتمام و التركيز.

     هذه القله القليه من المجتمع الغربي نجحت في رصد جمله من الظواهر الداعيه الي التشاؤم. و مع انها لم تنجح في ايجاد الحلول و المعالجات المناسبه. الا انه بنظرها - و بنظر آخرين - ان رصد تلك الظواهر يعد بحد ذاته شيئاً ذو قيمه كبيره و ربما يمهد السبيل من خلال الاستمرار في البحث و الدراسه و التامل في ايجاد الحلول و المعالجات؟

     و لعل من بين ابرز الظواهر التي رصدها هؤلاء:

     - تنامي هيمنه البني الاقتصاديه - الماليه علي حساب البني السياسيه و الاجتماعيه.

     - انحسار اهميه و تاثير الحدود بين دول العالم الغربي سواء الطبيعيه او غير الطبيعيه ارتباطاً بضروات و استحقاقات الديناميات الاقتصاديه الجديه و بمضامين ما اطلق عليه به ثوره المعلومات».

     - تصاعد حده النزعات الدينيه و العرقيه و القوميه المتطرفه عند بعض الفئات, و التي تحولت في بعض الاحيان الي صراعات غلب عليها الطابع العنفي, بحيث لم يعد ممكنا احتواء آثارها و تاثيراتها بسير و سهوله.

     - الانهيار التدريجي للقيم و المباديء الاخلاقيه و الانسانيه و الدينيه لدي الفرد و العائله و كافه الكيانات و التنظيمات المكونه للنسيج الاجتماعي ككل, و لكن بنسب متفاوته من كيان الي آخر طبقاً لظروف و عوامل ذاتيه و موضوعيه.

     و تلك الظواهر تؤشر جميعها الي ان مفهوم الدوله التقليدي الذي تبلور بوضوح قبل اكثر من ثلاثه قرون في اوربا راح يتعرض الان, و منذ عقدين تقريباً الي ضربات و صدمات من اتجاهات شتي بحيث بدا كما لو ان هناك خططاً لاعاده بنائه و تشكيله من جديد علي ضوء التحولات الحاصله: و عمليه اعاده البناء و التشكيل هذه تطال اكثر من بعد يحمله مفهوم الدوله. فاذا كان ينظر الي الدوله بمعني المؤسسات الحاكمه الموجهه للمجتمع و المتحكمه فيه. و المشرعه للقوانين و الدساتير, و الماسكه بادوات القوه الماديه, فان عمليه اعاده البناء و التشكيل واضحه الي حد كبير ضمن هذا الاطار، و ربما تكفينا الاشاره هنا الي ذلك التساؤل الذي طرحه المفكر الاستراتيجي روبرت ريتش في كتابه «الاقتصاد المعولم» و التساؤل هو «هل اصبح الاقتصاد في طريقه الي تغيير العالم، و العمل علي زوال مفهوم الدوله - الامه؟». و روبرت ريتش واحداً من القله القليه التي تنظر - لا نقول بتشاؤم و انما - بارتياب و توجس مما يجري علي المسرح العالمي.

     و اذا كان ينظر الي الدوله باعتبارها بقعه معينه من الارض تفصلها عن البقاع - الدول الاخري حدود, بعضها اوجدتها الطبيعه, و بعضها اوجدته الحروب و النزعات, و بعضها الاخر اوجدته القوانين و المواثيق الدوليه, اذا كان ينظر اليها من خلال ذلك. فانه مره اخري يمكن القول ان عمليه اعاده البناء و التشكل تبدو واضحه الي حد كبير.

     و في هذا السياق يقول روبرت روتش في كتابه الانف الذكر «نشرع اليوم بالعيش في تحولات تعيد تركيب الناس و الاقتصاد في القرن القادم، و لن تكون بعد الان منتجات و تكنولوجيات وطنيه، و لا شركات وطنيه, و لا صناعات وطنيه, كما لن يكون هناك اقتصاد وطني, حسب المفهوم الذي نتمسك به اليوم علي اقل تقدير».

     اما برتران بادي في كتابه «الدوله المستورده» فيري «ان الاشكاليه في الاساس واحده لا تتغير» انها محمله اكثر فاكثر بموارد سلطه تتهرب - بحكم طبيعتها - من سياده الدوله, فضلاً عن انها تتجه نحو التواجد خارج اي دعامه ارضيه جغرافيه, و من هذا المنظور فان السيطره علي نشر المعرفه التقنيه, و ضبط تداول رؤوس الاموال، و امتلاك وسائل للتاثير السياسي او المعنوي علي جماعه من المؤمنين تمثل وسائل للسعي نحو التبعيه بعيداً عن الدول.

 

صوره مختلفه!

     تلك العوامل، و المتغيرات في الغرب من غير الممكن و لا المعقول الا تنسحب بصوره او باخري الي ميادين عالميه اخري لان مستويات التداخل و التشابك غدت كبيره‌ جداً باعتبار ان الاليات التقليديه للتحكم بانتقال المعلومات و تداول الرساميل و تبادل السلع و البضائع ذات الاستخدامات المختلفه التي كانت فاعله و مؤثره في الماضي, باتت اليوم  عقيمه لا جدوي منها, و ان الادوات و الوسائل الجديده قلبت المفاهيم و الافكار و القناعات القديمه راساً علي عقب.

     و بالطبع فان ذلك يفترض ان يكون مسار التحولات و التغيرات في الغرب و سواه - كالعالم الثالث مثلاَ - واحداً, و اذا لم يكن كذلك, ففي اسوء الاحوال ينبغي ان تكون هناك اوجه تشابه عديده و نقاط اختلاف قليله.

     بيد ان الواقع القائم بكل معطياته يؤشر الي شيء آخر, فالظواهر الموجوده في الغرب التي رصدها البعض و المهدده لمفهوم الدوله تقابلها هنا ظواهر من نوع آخر تعمل علي ترسيخ مفهوم احادي للدوله و هو ذلك الذي يفضي الي تركيز السلطه بيد فئات محدوده كان تكون نخب عسكريه, او تكتلات عشائريه, او تنظيمات حزبيه و من ابرر تلك الظواهر:

     - انعدام مظاهر الحياه السياسيه النشطه و الفاعله من خلال وجود المؤسسات المتنوعه التي تعكس توزيعاَ مقبولاً و معقولا للسلطه.

     - لا وجود لبني اقتصاديه حقيقه, و لكن رؤوس الاموال التي هي عباره عن الدخل القومي لاي بلد تخضع لتصرف الماسكين بزمام السلطه السياسيه, ذلك التصرف الذي يتسم بالمزاجيه و الرغبه الجامحه لارضاء الرغبات و الطموحات الضيقه.

     - اهميه الحدود الطبيعيه او المصطنعه تكمن في اضفاء نوع من الهيبه الوهميه, اضافه الي الاعتبارات الامنيه - المخابراتيه, «و معظم الاوقات تكون الحدود بين دول العالم الثالث – الشرق - مناطق ملتهبه و ساخنه بفعل الحروب و الصراعات المزمنه.

     - الصراع بين القيم الغربيه الوافده, و القيم الذاتيه يتخذ صفه الاستمراريه بفعل التداخل و التشابك العالميين اللذين اشرنا اليهما آنفاً بشكل يتيح تدفق ما هو مرغوب و ما هو مرفوض بنفس الوتيره.

     - الفرد، و كل الكيانات و التنظيمات الاجتماعيه و غير الاجتماعيه و غير الاجتماعيه البعيده عن دائره السلطه و الحكم تكون شبه مغيبه - مهمشه او مغيبه - مهمشه بالكامل و من الصعب علي الفرد ان يخلق لذاته وجوداً مستقلاً و رصيناً مهما كانت كفاءاته, في الوقت الذي تستطيع السلطه القيام بذلك, و لكن لاهداف معينه و محسوبه, و لفترات - محدوده او غير محدوده - مرتبطه بالمصالح.

     و وقفاً لذلك كله فان الدوله هنا تختزل الي اقصي حد لتغدو مشروعاً او مفهوماً يخدم الاقليه الحاكمه علي حساب الاكثريه المحكومه, ‌اي ان الدوله في العالم الثالث اذا كانت قائمه بالفعل و متكامله في جانبيها النظري و التطبيقي, فان ما يؤدي - او يساهم - في اضعافها و تلاشيها لا التحولات الاقتصاديه و التفنيه العالميه, ولا اتجاه نحو التكامل و الاندماج الاقليمي كما هو حاصل في اوربا الغربيه، بل السياسات الخاطئه عن قصد و غير قصد في قمم السلطات، و لعل البعض يخطاً حين يتصور ان هناك تحولات ايجابيه في العالم الثالث - و تحديداً العالم العربي - علي صعيد ممارسه الحكم لان الحلول و المعالجات المطروحه ماهي الا محاولات للالتفات علي الواقع, و ضرب مواقع التاثير و الفعل الحقيقي فيه و الحيلوله دون اصلاحه.

     - و بالتالي فانه من ايه زاويه ينظر الي الصورتين، تبقي الصوره - هنا في كل الاحوال - اسواً من صوره الغرب, و لكن حسابات النتائج المستقبليه بعيده المدي ربما كانت اصعب و اعقد بالنسبه للثانيه من الاولي!

 

الوحده العدد 240