المنهجيه في الفكر الحضاري

اسس البناء الحضاري و مستقبل الحضاره الاسلاميه

د. محمود سريع القلم

 

     يسعي المقال الآتي الي مقارنه الوضع الفعلي للعالم الاسلامي بالاسس المسلّم بها لعمليه البناء الحضاري. و رغم ان المقال يتسم ببعده التنظيري الاّ انه لا يخلو من الجانب التطبيقي. و هو يهدف الي التعرف الي باروميترات الثقافه و القدره و الثروه في العالم الاسلامي المعاصر من جهه، و مقارنه ذلك بأُسس التكوين الحضاري و قواعده من جهه اخري. بتعبير آخر، تحاول المقاله استشراف المستقبل بأن تفترض مقطعاً زمنياً مستقبلياً قادماً ثم تبحث عن نوع التخطيط اللازم الذي ينبغي انجازه بدءاً بذلك المقطع و انتهاءً بعصرنا الحضار، لبناء كيان حضاري بماهيه اسلاميه يتمكن من الظهور في ذلك المقطع الزمني.

     بناءً علي هذا يتلخص محور البحث في السؤال الآتي: بالالتفات الي ظهور الحركه الاسلاميه في العالم الاسلامي و تناميها التدريجي؛ فلو افترضنا ان الحضاره الاسلاميه و ثقافتها ستجد طريقها الي الظهور خلال المئه و الخمسين او المئتي سنه القادمه؛ فما هي الخطوات اللازمه و المراحل المتتابعه التي يجب تحققها؟ و كيف ينبغي ان نخطط لها؟. يتضمن السؤال المسلّمات التاليه:

     الف. يتبع ظهور الحضارات قاعده التلازم: اذا ولو و كيف. فمثلاً الاسس العامه للبناء الحضاري تتضمن كلاً من الواقع الجغرافي المناسب، و استغلال الثروات الطبيعيه، و تحمل المسؤوليه، و المثابره، و التربيه الاستراتيجيه.

     باء. الحضارات عموماً ملازمه لاعمال ينجزها أُناس جادون يمتلكون الرؤيه الكونيه الواضحه و الفاعله و المجهزه بسلاح العصر.

     جيم. تتشكل الحضاره بالعمل الجماعي و المنطق الجمعي و الرؤيه الموحده للنخبه و ظهور البناء الاجتماعي.

     دال. صعوبه التخطيط لايجاد حضاره اسلاميه في عصرنا الحاضر، لأن الحضاره الاسلاميه تواجه بالقوه منافساً متمرساً تم زرعه في داخلها و علي المستوي العالمي.

     لنتناول الفرضيه بشيء من التفصيل: تشير الفرضيه تلويحاً الي موضوع المنهجيه في الفكر الحضاري؛ اذ تعد الاهتمام بالمناهج و الاساليب و السبل في البناء الحضاري امراً اساسياً جداً. فالمسلمون و نتيجه للتفكير غير العلمي الذي كان سائداً بينهم سنوات متماديه، لم يفكروا بعد في عرض افكارهم و آرائهم و نظرياتهم، بالاساليب الناجعه و المناهج الموضوعيه لترجمتها عملياً. و لذلك انتشرت في اوساطهم الثقافه الخطابيه ذات الطابع النظري.

     الحضاره و البناء الحضاري كلاهما حاصلان و منتجان. و علمياً يطلق علي حصيله العمل و الاسلوب و المنهج لفظ النموذج. و النماذج ليست مطلقه، بل ينبغي اصلاحها و تطويرها بمرور الزمن. و قد كان بعض المفكرين المسلمين انصار الحضاره الاسلاميه يعتقد خطأً بأن النظام الاجتماعي و البناء الحضاري يولدان دفعه واحده. بيد اننا، و في مختلف مراحل تاريخ الحضارات، نري ان النمو الفكري يتم بصوره مرحليه و بفعل الاصلاح التدريجي، و تتابع مستويات النشاط الاجتماعي و الاقتصادي و السياسي. اساساً ان نشوء ايه حضاره اسلاميه هو بحد ذاته امر نسبي؛ اذ ان الافكار و المفاهيم و المناهج تطرح من قبل انسان يفتقر الي الكمال اصلاً، و من الطبيعي ان تتم الاستفاده منها بشكل نسبي. و النسبيه ترتبط تلقائياً بالزمان و الكيفيه و المنهج و المستويات. فمن غير الممكن بناء حضاره بمجرد ان نحلم بذلك، بل لابد من البدء بتنسيق الجهود و انسجام الافكار و توافق الآراء، و بالتالي اختيار السبل الممكنه لتشييد بناء حضاري يتكامل بالتدريج من خلال ازاله نواقصه بمرور الايام.

     الشيء الآخر الذي يتعلق بالفرضيه اعلاه، هو انه من غير الممكن تحقق الاصول و المباني الفكريه و القيميه الاسلاميه بالفعل، بمعزل عن العلم و من دونه. و لذلك طرح موضوع المزاوجه الناجعه بين الوحي و العلم. الدين يحدد الرؤيه الكونيه، و العلم يضع الوسيله .. العلم بحد ذاته نافع، و اذا ما حدد الدين نوع الاستفاده منه فسيصبح مطلوباً، و في الوقت ذاته حائلاً دون ظهور السلبيات التي ابتلي بها الغرب بسبب نوع استفادته من العلم .. ان اي نشاط نوعي في اي مجال لا يمكن ان يكون مثمراً بمعزل عن العلم الحديث. و هذه الملاحظه نفسها تعد من اسس البناء الحضاري في ظرفنا الراهن. فمثلاً حضاره المعسكر الشرقي الماركسي، كانت مجهزه بالعلم و المنهج الاّ انها كانت تعاني من ضعف في جانبها النظري و مبانيها الفكريه و القيميه، و كان هذا نفسه سبباً في انهيارها ايضاً.

     ان الفكر الديني و النشاط الديني، الذي تتصل اصوله بالوحي، بحاجه الي محاولات لترجمه نماذجه المقترحه عملياً، لكي يتسني معرفه مدي ملاءمتها مع طبيعه الانسان و كيانه، من خلال تلبيه احتياجاته المتعدده، و تقديم اجوبه اساسيه علي جميع مستويات شرائح المجتمع الانساني. و هذا ما يحتم الاحاطه بالعلوم العصريه و الاستفاده منها، خاصه و هي تشهد تقدماً و تطوراً مدهشاً .. و قد سبق لنا في بحث آخر ان تناولنا المباني العقليه للتنميه. اذ ان كلاًّ من التكوين الاجتماعي، و النظام الحقوقي، و الاستقرار الاقتصادي، و التعليم الفاعل، و النظم، و سعه الصدر، كل ذلك يعتبر من جمله الحضاريه و المسؤوليه الدوليه هما الآن بنحو يعد فيه انكار هذه المباني العقليه او تجاهلها امراً غير ممكن. فطالما لم تتوافق و تنسجم مجموعه الافكار و الآراء و التصورات، التي هي محل اعتزاز كل امه بما فيهم المسلمين، مع النماذج و المباني العقليه آنفه الذكر، فمن غير الممكن، في تصوري، تجاوز مرحله الشعار الي مرحله الفاعليه و العمليه الحضاريه، و قد برهنت علي ذلك بنحو جيد تجارب القرون الاخيره.

 

مفاد الفرضيه

     كل فعل بحاجه الي عامل و فاعل. فما هو العامل الفاعل في الحضاره؟ فاذا كان مقدراً ان تنشأ حضاره اسلاميه؛ و بالالتفات الي الوضع الفعلي للمسلمين و طبيعه النظام الدولي السائد، فعلي مَنْ تقع مسؤوليه عمليه البناء الحضاري هذه؟. اننا عندما نتحدث عن العالم الاسلامي لابد من تحديد اهدافنا بصوره موضوعيه. فاذا ما اخذنا بنظر الاعتبار ان 78% من المسلمين يجهلون القراءه و الكتابه، فمن الطبيعي ان تقع مسؤوليه البناء الحضاري الاسلامي علي عاتق النخبه الفكريه المسلمه التي ينبغي ان تتوافر لها وحده الرأي و الفكر و المنهج في البناء الحضاري.

     الحضارات تصنعها النخبه من المفكرين و المنظرين، و النخبه من العاملين الذين يمتازون بسعه الصدر و القدره علي التحمل. فالأُناس ذوو الهمم العاليه و العمالقه الذين يملأ هذا العمل العظيم، متحلين بالفكر الواضح المنتج، و الثقه بالمستقبل، و الحيطه و الدقه و سعه الصدر و البعد الاستراتيجي .. فهل في الامكان تصور تاريخ صدر الاسلام و الحضاره التي اوجدها الاسلام، بمعزل عن شخصيه نبي الاسلام (ص) و مكانته الروحيه و العلميه؟ لقد اوجد الرسول الاكرم (ص) و الصحابه الذين تربوا علي يديه، فكراً جديداً و نهجاً حديثاً في اوساط الجاهليه التي كان يعيشها عصرهم. فالافكار الاسلاميه بحاجه الي منفذين جادين؛ و ان الخدمات التربويه المتواصله و الاحكام الاجتماعيه و السياسيه و الاقتصاديه المختلفه المتناسبه مع امكانيات ذلك العصر و اساليبه، تشير الي الجهود الواسعه و العميقه التي بذلت علي طريق نشوء الحضاره الاسلاميه. ابتداءً من الذكر و العباده، و مروراً بتربيه الابناء، و اساليب تعديل الدخل، و طريقه التعامل مع الصديق و العدو، و انتهاءً باسلوب الحفاظ علي المصالح الداخليه و الخارجيه. كل ذلك كان يحتل مكانه مهمه في حياه نبي الاسلام. فالرسول الاكرم (ص) لم يقتصر اسلوبه في الحكم علي السلوك الخطابي الوعظي، بل كان يولي الاساليب المتعدده في مجالات التربيه و الشوري و السيطره و تسيير الامور و تنفيذ الاعمال، اهميه خاصه. و في هذا المجال ربّي جيلاً حافظ علي حضاره الاسلام فتره طويله.

     و بطبيعه الحال لم يكن العلم بمعناه الحديث موجوداً في العصور السالفه، الاّ ان مركز الثقل ممثلاً بالمفكرين و النخبه هو الذي كان يدير المسار الحكومي و الحضاري بالوسائل المتوفره آنذاك. فاذا ما عدنا الي الماضي وجدنا الحضاره تتسم بأبعادها الفرديه. و كلما اقتربنا من العصر الحديث رأينا الحضارات و الحكومات قويه مقتدره بفعل اجماع الرأي و تعدد التشكيلات و الجامعات و مؤسسات الابحاث و مراكز انتاج الفكر و الابداع و انظمه الاتصال و السيطره.

     في اعتقادي ان النظريه التي تعتبر «التلاحم المثمر للعناصر الصناعيه و رأس المال و الثروه الفكريه» اساس بناء الحضاره الغربيه. اننا هنا لسنا بصدد تقويم التحولات التي شهدها الغرب، بل نهدف الي الكشف عن القواسم المشتركه التي تجمع بين الحضارات. فنحن نري هذه الشريحه المتشكله من العناصر الصناعيه و الماليه و الفكريه تسعي الي ايجاد امبراطوريه صناعيه النسيج في انكلترا، تعمل علي تدعيم اركان نظام اجتماعي خاص و تقويه رأس المال .. فهذه الشريحه المنسجمه تأخذ فكرها الاقتصادي من آدم سميث، و فكرها السياسي من هوبز، و تقيم نظامها الاجتماعي علي اساس نظريات روسّو و مونتسكيو. ان الاتصال و التبادل و الاستنتاج المشترك و بذل الجهد و العمل الجماعي يبني اكبر الحضارات الماديه في التاريخ. و في وقت كانت تعتبر سرعه الابتكار و الاتصال من العوامل المجهوله في العلاقات الدوليه، فان هؤلاء الرجال الجادين و العازمين علي تحقيق اهدافهم (لسنا بصدد تقويم افكارهم و اهدافهم)، قد انطلقوا بجد و حققوا وجوداً علي المستوي العالمي.

     بناءً علي هذا فطالما بقيت النخبه المسلمه تفكر محلياً، و تعمل باسلوب خطابي، و لا تعي قداسه المنهج و لم تجرب افكارها، فلن تكون هناك حضاره. الخطابيه كبدايه للعمل مجديه و لكن ينبغي ان يتبدل مضمون الخطابيه و يتجسد في نموذج و مثال و قدره. الحضاره ناتج لعمل جماعي، فطالما لم يجد المسلمون اصحاب الفكر و النخبه المفكره القواسم المشتركه بين موقعيتهم و الواقع الدولي، و لم يعلموا بوحي من الفكر و المعرفه و بالتالي الحس و التجربه، فمن الطبيعي و المنطقي ان لا تولد الحضاره الاسلاميه، طبقاً لما تفيده النواميس و السنن الانسانيه و التاريخيه العريقه.

     فكيف يعمل كل من اليهود الاميركيين و الفكرنسيين و المغاربه و الروس و البولنديين و العرب باسلوب مشترك دون ان يكون لهم اتصال مع بعضهم بعضا، و يتحكمون، من خلال اساليبهم المعتقده، بالنشاط التجاري و السياسي و الفني العالمي و الاتصالات الدوليه؟

     كيف تتفوق اسرائيل ذات الثلاثه ملايين، في المجال الصناعي و العسكري و السياسي، علي العرب ذوي المئه مليون نسمه؟

     ان المسلمين و نتيجه للضعف الذي ابتلوا به في القرون الاخيره، راحوا ينظرون الي قوه منافسيهم نظره جبريه و بدافع التآمر، بدلاً من ان يضعوا تطوير قوتهم اساساً لتحركهم، و يعلمون علي توسيع قدراتهم الاقتصاديه و السياسيه و الثقافيه و المعنويه. إن مثل هذا التصرف قد ساعد انزوائهم، و علي ان تكون روحيه الخفاظ الواقع الفعلي هي الغالبه عليهم .. حتي في الظرف الراهن حيث توجد في البلدان الاسلاميه حركات اسلاميه تسعي الي تشكيل حكومات دينيه و تطبيق الاحكام الشرعيه، قلما يفكر المسلمون بتقويه قدراتهم في مختلف المجالات، و كذلك في ايجاد نظام اجتماعي يجسد تطلعاتهم.

     لابد للمسلمين الذين يتسلمون زمام السلطه اليوم، من التفكير باداره فاعله و مقتدره، و اقامه مجتمع اسلامي مبتنٍ علي القسط. و مثل هذا الامر نفسه بحاجه الي نظريه، و اجماع وجهات النظر، و تصورات مشتركه، و قدرات ماديه و كفاءات علميه قادره علي اعداد أناس كفوئين صالحين، و اجهزه تدير شؤونها بنفسها. و ان مثل هذا لا يستطيع تحقيقه حتي الافراد متوسطي الكفاءه، بل ان النخبه من الأناس المقتدرين ذوي النفوس السليمه هي وحدها القادره علي تحمل اعباء هذا الدور الحضاري المهم.

     فالعامل الاول الذي تفيده الفرضيه هو ان التكوين الحضاري يتطلب اناساً جادين، متحمسين للقدره بالمعني الايجابي للكلمه، و مجهزين بالفكر المتنامي، و ذوي رؤيه عالميه، و ممن يتسمون بسعه الصدر و القدره علي التحمل.

     ان ردم الهوه القائمه بين المسلمين، و بلوره دستور عمل حضاري مشترك، سواء من الناحيه الفكريه او من حيث التشكيلات، يعتبر معظله كبيره جداً، بسبب التعدد العرقي و القومي الموجود بين شعوبهم. و هو بالتالي آمنت بالبناء الحضاري و عقدت العزم علي انجازه، في الوقت الذي تسعي الي الابقاء علي النمو الوطني للمسلمين متقدماً.

     العامل الثاني الذي تفيده الفرضيه يرتبط بوضوح الافكار التي تعتمد في بناء الحضاره. فالمسلم المعاصر طالما بقي في معرض خطاب الافكار الدينيه شعر بالاطمئنان و الزهو. و لكن هذا المسلم نفسه اذا ما دخل ميدان النظام الاجتماعي و المتطلبات الاقتصاديه و التطورات السياسيه فسوف يواجه عالماً من المتناقضات. اساساً ان النظام الاجتماعي الذي يحيا في ظله المسلمون في الظرف الراهن من المغرب و حتي كازاخستان، لا يمثل دينهم، اذ هناك تناقضات اساسيه بين الفكر الاسلامي المنصوص و الواقع الذي يحياه المسلمون. و ليس من السهل ايجاد حلول عمليه و نهائيه لهذه التناقضات. فمن الضروري ان تتضح ابعاد هذا الامر و هو: الي اي حد ينسجم او يختلف النظام الاجتماعي السائد في العالم الاسلامي، مع الافكار و الاصول الدينيه و الاسلاميه الثابته؟ و لكن للاسف ان البحث عن حلول لهذا التوافق و الاختلاف، لم يلق الاهتمام اللازم لا من قبل الحكومات و لا من قبل المفكرين المسلمين. فالمسلمون عموماً عملوا علي الفصل بين حياتهم المعنويه و حياتهم الماديه، حيث تستمد حياتهم المعنويه وجودها من الاسلام، فيما ترتبط الحياه الماديه بالنظام الاجتماعي و المتغيرات الدوليه. ان هذا يحصل في ظرف ينبغي ان تنمو و تزدهر الابعاد المعنويه و الماديه في نظام واحد يحيط بجميع ابعاد حياه المسلمين، و ذلك لبناء كيانهم الحضاري. و بطبيعه الحال ينبغي ان لا ننسي ان صياغه نموذج يعيش المزاوجه و الانسجام بين الوحي و العلم، ليس بالامر السهل و هو بحاجه الي ذهنيات عمليه كفوءه.

     لقد ساعدت ازاله القيود الدينيه عن الحضاره الغربيه علي صياغه نموذجها المادي الي حد كبير. انها لمعضله كبري ان تسعي في عالم سمته البارزه الاتصالات المتقدمه و التكنولوجيا الحديثه، الي اقامه نظام اجتماعي يسند الي القيم الاخلاقيه في التجاره و الصناعه و السياسه و حق المواطنه و مسؤولياته الاجتماعيه، و يربي اناساً يتحركون في مدار الحدود الإلهيه. فالنظام الدولي الحالي لا يؤمن بالقيم الاخلاقيه في جميع نشاطاته السياسيه و الاقتصاديه و اعلميه و التكنولوجيه. و ربما لو وجدت الحدود الاخلاقيه لما كان هذا التراكم في رأس المال و الربح المدهش في الانتاج.

 

اركان الحضاره

     ان كل حضاره تستند الي عناصرها الفكريه الخاصه. و نعني بالحضاره اركاناً ثلاثه:

     الاول: النظام الاجتماعي الذي يستمد وجوده من رؤيتها الخاصه، و هو بنفسه ينتج نظاماً اقتصادياً و ثقافياً فاعلاً.

     الثاني: المؤسسه السياسيه التي تقام قاعدتها علي اساس القوه و المعرفه و الكفاءه.

     الثالث: تنوع الابداع و الخلاقيه من اجل انتشار الحضاره و ديمومتها.

     ان هذا النوع من الحضاره وجد في الغرب بواسطه اصحاب الثروه و رؤوس الاموال. فالاغنياء سرقوا مضمون الثقافه و السياسه من الآخرين و اقاموا نظاماً اجتماعياً قائم علي المنفعه و الفائده و تراكم رأس المال. فمن جهه امتدحوا الليبراليه الثقافيه، و النمو المتزايد للابداعات و الابتكارات الفنيه و المعنويه؛ و من جهه اخري اثنوا علي العلم و المنهج العلمي و الانظمه الجامعيه، و التخطيط لنظام اجتماعي يحظي بقبول اصحاب الثروه عموماً و القطاع الخاص المتمركز بشكل خاص.

     ففي الحضارات غير العلميه السالفه؛ كان مركز الثقل مثلاً بطبقه النبلاء و مالكي الاراضي و الاقطاعيين و العسكريين، و في جانب محدود جداً الادباء و الشعراء و الفنانين. و نعني بمركز الثقل الذين يضطلمون بمسؤوليه توسيع دائره الحضاره و الحفاظ عليها .. فالحضاره تحتاج الي من يرعاها .. و في البعد الدنيوي و التكوين الحضاري و الحياه العلميه للناس، لا يوجد عنصر مصيري محفز اقوي من الملكيه.

     الحضاره بحاجه الي من يتبناها. الي مجموعه تعيش هواجس اتساع دائره الحضاره و ديمومتها. فأين هي المناهج الفكريه للحضاره الاسلاميه و مَنْ الذي يقودها في العالم الاسلامي؟ مَنْ هو المؤهل لبناء الحضاره الاسلاميه و ما هي خصوصياته؟ و اي توافق ينبغي ان ينجز؟ اين هو مركز الثقل الجغرافي بالقوه لهذه الحضاره؟ و مَنْ الذي عرض المباني الفكريه و النظريه لهذه الحضاره، و بأيه وسائل و اساليب و اصول تم طرحها و عرضها؟ و الي اي حد ترغب الحضاره الاسلاميه في ان تكون مبتعده عن النظام الدولي القائم، و تعمل بشكل مستقل؟ و الي اي حد مسموح لها العمل بشكل متداخل؟

     ان ما يبرهن عليه هذا البحث هو ان عمليه البناء الحضاري تتطلب فكراً و أُناساً جادين تتم تربيتهم و اعدادهم لتحمل اعباء هذه المسؤوليه. البناء الحضاري لا يوجد بفعل عوامل طارئه. ان احد الاصول الثابته للبناء الحضاري، و الذي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالواقع الفعلي للمسلمين؛ هو الاستقرار و الثبات. فالتطور لا يكون ممكناً الاّ ظل الاستقرار.

     ان مجتمعات المسلمين اليوم تعيش ازمه و تشهد اضطراباً اكثر من ايه بقعه من بقاع العالم. و مثل هذه الاجواء تقتضي تلقائياً علي الدافع و المحفز للنمو و الابداع و الابتكار. لقد انعكس الفقر النظري و الاضطراب السياسي الاجتماعي الذي تعيشه البلدان الاسلاميه علي حياه المسلمين و أصابهم باليأس و الضعف. ان الدعوه الي «اسلمه الفكر و الحكم» تهدد بشكل طبيعي معظم الحكومات الفعليه في العالم الاسلامي و تتهمها بأزمه المشروعيه. و لهذا تعمل هذه الحكومات علي الحؤول دون طرح هذه الافكار و الرؤي بشكل جاد في مجتمعاتها.

     و في نظره احصائيه نستطيع ان نلمح موقع البلدان الاسلاميه في الساحه الدوليه .. يبلغ عدد نفوس المسلمين (992) مليون نسمه، او مايقارب خمس سكان المعموره. يعيش 65% منهم في آسيا، و 35% في العالم العربي، و 10% في افريقيا .. هناك (44) بلداً اسلامياً، اكبرها اندونيسيا و يبلغ عدد سكانها (180) مليوناً، و اصغرها قطر التي يقارب عدد نفوسها (310) آلاف. و تمتلك البلدان الاسلاميه حوالي 42% من احتياطي النفط في العالم، و 25% من الغاز الطبيعي، و 40% من الصادرات النفطيه و 70% من الفوسفات. و من مجموع اربعه عشره موقعاً استراتيجياً في العالم، سبعه مواقع خاصه بالمسلمين، و هي عباره عن: مضيق هرمز، و مضيق البسفور، و باب المندب، و قناه السويس، و مضيق الدردنيل، و مضيق مالاكا، و مضيق جبل طارق. بيد انهم في مقابل كل هذه الثروه و الموقعيه؛ يعيشون في فقر. اذ يشكل المسلمون 2% فقط من عدد العلماء و المتخصصين في العالم. هذا و قد اشتري المسلمون منذ اوائل عقد الثمانينات اكثر من 60% من مجموع الاسلحه التي بيعت الي العالم الثالث.

 

الاستنتاج

     ظهور الحضاره الاسلاميه خلال القرن او القرنين المقبلين، منوط بالتحولات الجاده التي تطرأ علي حياه المسلمين خاصه النخبه و اصحاب الفكر منهم. فالبناء الحضاري، و حتي التغيير الجاد، لا يأتي مصادفه. بل توجد اسس عامه و سنن تاريخيه تجريبيه لابد للامه من وعيها خاصه النخبه منها، لكي تتسني عمليه البناء الحضاري. فالحضارات عموماً تتشكل بفعل الموارد و الثروات و الوجود النوعي من جهه، و بدافع من التربيه و التعليم و تحمل اعباء المسؤوليه و الجديه و التفكير الاستراتيجي من جهه اخري. و بالنسبه للحضاره الاسلاميه، و بسبب ماهيتها حيث تتسم في بعدها النوعي بالسمات الاخلاقيه و الوجدانيه و الفطريه و المعنويه، فان البناء الحضاري يبدو اصعب اكثر تعقيداً.

     ان حركه التاريخ و الوقائع التاريخيه الكبري، هي في الاسس انعكاس لروحيه الشخصيات العظيمه و فكرها و ارادتها. و الحضاره الاسلاميه في هذا الشأن غير مستثناه ايضاً. إذ ان الشخصيات الكبيره و النخبه المتكامله و بقيه المفكرين و المنظرين، هم الذين سيشيدون هذه الحضاره بفضل جهودهم الفكريه و مساعيهم الساميه و سعه افقهم و بعد نظرتهم. بيد ان الاوضاع الفعليه التي يعيشها العالم الاسلامي من جهه، و الظروف السياسيه الاقتصاديه العالميه من جهه اخري، تعتبر عوامل مانعه بقوه تقف حائلاً دون نشوء الحضاره الاسلاميه. فالحضاره الغربيه الماديه استطاعت ان تعمم اصولها و افكارها و اهتماماتها علي نحو عالمي، و لم تعد بحاجه الي سيطره مباشره عليها، بل ان الانظمه في اقصي نقاط العالم ترتبط تلقائياً بها و تستلهم نمط حياتها منها. و لابد للفكر الديني و الاسلامي من توضيح موقفه النظري تجاه هذا الواقع القائم. و ان انكار هذا الواقع او الاكتفاء بادانته او تجاهله، ليس فقط لا يلغيه او يضع حداً له، بل و يضيّع الفرصه الذهبيه السانحه لاعاده البناء و تحقيق الذات و بنائها.

     و علي الرغم من ان نظريات عديده تتحدث عن الزوال التدريجي للحضاره الغربيه خلال نصف القرن القادم، الاّ انه سواء زالت الحضاره الغربيه ام لم تزل ينبغي ان لا يكون ذلك مدعاه للشك و الترديد في نظره المسلمين الي المستقبل، و في اهتمامهم باقامه حضاره تجسد خصوصياتهم، وفقاً للاسس العلميه للبناء الحضاري. و عليه، لابد من تحديد نوع التقابل او صوره التفاهم مع هذه الحضاره بغايه الدقه و الحذر. فمنذ حوالي ثلاثه قرون و الغموض و الابهام يغلّف موقف المسلمين تجاه الحضاره الغربيه الماديه، و لم يتمكنوا من ترجمه نظام اجتماعي فاعل مستلهم من اصولهم الفكريه، قادر علي منافسه النظام الاجتماعي الذي يهدد كيانهم.

     ففي الحقيقه ان سرعه الاتصالات و تقنيتها التي تعيشها الحضاره الغربيه، تقف في مواجهه اي جهد حضاري عازم بالقوه علي منافسه الغرب. كما ان الابهام النظري الذي يحيط بموقف المسلمين هو في صالح الغرب ايضاً. لأن الغرب لا ترعبه امكانيات المسلمين و ثرواتهم: بقدر مايقلقه تضافر هذه الامكانات و تنظيم الاستفاده من هذه الثروات. فاذا ما استمر تعدد صور تعامل المسلمين مع الغرب، و لم تبذل جهود لتوحيد اطره و صورته، فمن الطبي