|
اسس
انطلاق
الحضاره
الاسلاميه عباس
الجراري /
المغرب
الحضاره
الاسلاميه
بناء متماسك
و متألق. و هي
بهذا
الاعتبار
قائمه علي
أسس قويه و
متينه. و ما
أحوج
المسلمين
اليوم –
و هم قانعون
بالاشاده و
التغني بها
او البكاء و
النحيف
عليها –
ان يبحثوا في
هذه الأسس
لمعرفه
حقيقتها و
ادراك
عمقها، حتي
اذا ما
تمثلوها و
استوعبوها،
امكنهم
التشييد
عليها و
القيام
بالدور الذي
هم مطالبون
به، و الذي به
يتابعون
اكمال ذلك
البناء
بتجديده و
الاضافه
اليه.
و حتي توضع
تلك الاسس في
مكانها
الحق، نري
ضروره
التقديم
بالنقط
التوضيحيه
الآتيه:
اولا: فيما
يتعلق
بمفهوم
الحضاره، لا
نقصد تلكم
المظاهر
الماديه
التي غالبا
ما تطرح في
مقابل ظواهر
اخري فكريه
او ثقافيه، و
لكن نعني
الحضاره في
مدلولها
الواسع الذي
يشمل هذه
الظواهر و
تلك
المظاهر،
بكل مايتربط
بها من
مفاهيم و
رؤيً و
تصورات يعيش
في نطاقها
الفرد و
المجتمع. و هي
بالنسبه
للامه
الاسلاميه
تنبعث في
معظمها من
الدين الذي
كان له اكبر
الاثر في
وجودها و
تكييف ماكان
موجودا منها
بروحه.
ثانيا: ان
عمر الحضاره
او الحضارات
المعروفه
يمتد نحوا من
خمسه آلاف او
سته آلاف من
السنين،
بدءاً
بالحضاره
المصريه
التي شهدت
ازدهارا في
الالف
الرابع قبل
الميلاد. و
انه في
الامكان ان
ينظر الي هذا
العصر
بالقياس الي
وجود
الانسان، و
يظن انه بدأ
قبل زهاء
مائه الف
عام، و كذا
بالقياس الي
الحياه
عامه، و يذهب
التخمين الي
انها مستمره
منذ ما يقرب
من ثماني مئه
مليون سنه.
ثالثا: في
هذا السياق
الحضاري
الانساني،
تندرج
الحضاره
الاسلاميه
مشكله حلقه
متميزه
داخله، او
لعلها في
المسيره
الحضاريه
الطويله،
تهتبر محطه
ذات ملامح
تعطيها
خصوصيتها،
الي جانب
محطات اخري
سبقتها،
كالمصريه و
الأشوريه و
اليونانيه،
لها هي كذلك
خصوصيتها،
مما يحث علي
عدم عزل
الحضاره
الاسلاميه
عن غيرها في
تلك المسيره.
رابعا: من
هنا يمكن
الحديث عن
اجيال من
الحضاره،
تبرز داخل كل
جيل فيه دول
تكون
بمساهمتها و
معالمها
دوره ذات
طابع تضيف
بمدي تفرده
ما تغني به
المسار، كما
تبرز داخله
اقاليم يكون
لها بعطائها
البيئي
الطبيعي و
البشري ما
يزيد في
اغناء هذا
المسار.
خامسا: لقد
اعطت
الحضاره
الاسلاميه
للمسلمين و
لجميع ابناء
الانسانيه
الكثير مما
افادهم في
مختلف
المجالات
العلميه و
الفكريه و
الاديبه و
الفنيه و
الصناعيه، و
في جميع ما
تتكون منه
الحضاره حسب
المفهوم
الذي اسلفنا.
و هي بهذا ذات
وجود حقيقي و
ثابت يشهد له
حتي الخصوم و
الاعداء.
اذا أردنا
بعد هذا ان
نحدد
المنطلقات
التي تحفزت
منها
الحضاره
الاسلاميه
لبلوغ الاوج
الذي
ادركته؛
وجدنا امكان
تركيزها في
خمسه أسس:
الاول: يكمن
في طبيعه
المعرفه
التي جاء بها
الاسلام،
سواء من حيث
النمط او
المنهج. و
يخطئ كل من
يزعم غيبيه
هذه المعرفه
و ابتعادها
بذلك عن
الحياه و
الناس و
واقعها
المحرك
للحضاره.
انها علي
العكس من هذا
الزعم، و علي
غير ما كانت
عليه
المعرفه
اليونانيه
القائمه علي
التجريد
المثاليه،
لم تضع في
متاهات
الغيب، لسبب
رئيسي، هو ان
الاسلام حين
تعرض لهذا
الغيب، عرضه
من خلال
قضايا قدم
لها حلولها
حتي لا يضيع
المسلمون في
تلك
المتاهات بل
حتي لا
ينشغلوا
بالماوراء
الذي يتجاوز
ما يشاهدونه
بابصارهم و
يدركونه
بعقولهم، و
حتي يتاح لهم
ان بتعاملوا
مع انفسهم و
مجتمعهم و
الكون من
حولهم،
بواقعيه
تجعلهم
يعلمون و
ينتجون.
و كان لابد
لهذا النمط
المعرفي
الذي جاء به
الاسلام ان
ينعكس علي
المناهج
التي توسل
بها
المسلمون في
ابداع هذا
النمط و
تفسيره و
تحليله،
معتمدين علي
التمرس
العملي
القائم علي
الادوات
الاجرائيه
الملموسه و
المحسوسه،
فكان ان تطور
البحث
العلمي في
مختلف الشعب
و الخصصات
التي ينهض
انتاج
المسلمين
فيها دليلا
علي المستوي
العالي الذي
بلغوه في
مضمار
العلوم
النظريه و
التجريبيه و
التطبيقيه و
التأمليه.
الثاني:
ينبعث من
القيم و
المبادئ
السلوكيه
التي طبعت
فكر
المسلمين و
ميزت
تصرفاتهم، و
التي ظهرت
آثارها جليه
في حضارتهم. و
قد انطلقت
هذه القيم و
المبادئ من
ركيزه هي
دعامه
المنهج
العلمي
الاسلامي و
روحه، و
تتجلي في
التقوي،
باعتبارها
قيمه تبعد عن
الاهواء و
الشهوات و
النزوات و
الاغراض،
مما يجعلها
مفتاح ما
يسمي اليوم
بالموضوعيه
العلميه و
النزاهه
الفكريه.
و لم يقتصر
تأثير هذه
القيم و
غيرها علي
الجانب
المعرفي، و
لكنه تبلور
في كل
المرافق
التي خاض
المسلمون
غمارها، و في
جميع النظم و
القوانين
التي اقاموا
عليها
معاملاتهم
السياسيه و
الاقتصاديه
و الثقافيه و
الاجتماعيه
سواء فيما
بينهم او مع
غيرهم، لا
فرق في ذلك
بين حال
السلم او حال
الحرب.
الثالث:
يبرز في
الشموليه
التي وسع
المسلمون
بها آفاق
منظورهم، و
التي يمكن
تلمسها في
جوانب كثيره
تكفي
الاشاره
منها الي بعص
الثنائيات
المتناسقه
في الحضاره
الاسلاميه،
كالجمع بين
ما هو مادي و
روحي، او كما
يقال بين ما
هو دنيوي و
ديني، مما
تفردت به هذه
الحضاره. و
مثله
التوفيق بين
الفردي و
الجماعي، في
مراعاه
للانسان من
حيث هو كائن
له شخصيته و
كرامته، و له
مطالبه
القائمه علي
العدل و
الاحسان، و
له كذلك
التزاماته،
اي من حيث
حقوقه و
واجباته و ما
سيحاسب
عليه، اذ هو
لا يعيش
منعزلا او
منزويا بذات
انانيه، و
لكن في اطار
مجتمع تسوده
الاخوه و
المحبه، و
يطبعه
التكافل و
التضامن. و
لعل من اهم
ممتع، في
مختلف شؤون
الحياه و
اهتمامات
الناس فيها.
فالعنايه
بالعلوم
الشرعيه و
الطبيه و ما
يمائلها مما
يخفي نفعه،
لم تحل دون
رعايه
الآداب و
الفنون و ما
إليها مما
يهذب الذوق و
يرهف الحس و
يطرب النفس.
ان الحضاره
الاسلاميه
باعتمادها
علي هذه
الأسس كانت
تحقق لتفسها
توازنا تجلي
في المفهوم و
المقومات و
العطاءات و
العلاقات. و
ما كادت تفقد
هذا التوازن
حتي بدأ
الانهيار.
و الانهيار
في مدلوله
المباشر
الذي يكمن ان
يصيب الفرد
او المجتمع
او ايه ظاهره
في الحياه،
يعني عدم
السيطره، و
العجز عن
التحكم. و
يعني كذلك
ضعف الحريه،
و الارتباط
بآليه
التقليد. و
يعني بعد هذا
فقدان
القدره علي
الابداع.
و اسبابه هي
عكس الأسس
التي
جعلناها
منطلقا
للحضاره
الاسلاميه
لا تحتاج
إلاّ الي بعض
التأمل
لاستنباطها.
و يكفي ان
يشار اليها
باختصار
شديد، كم
خلال
العناصر
الخمسه
الآتيه:
اولا:
التخلف الذي
تثيره اليوم
اشكاليه
المعرفه و
المنهج، علي
الرغم من
كثره
المؤسسات
العلميه في
البلاد
الاسلاميه،
و تعدد
الاجهزه، و
تزايد عدد
المتعلمين و
العلماء.
ثانيا:
الانحراف عن
القيم و ما آل
اليه الفكر و
السلوك، بعد
ان حادا عن
الاستقامه و
طغت علي
توجيهها الا
هواء و
النزوات و
الاغراض.
ثالثا:
المحدوديه
التي عطلت في
الرؤيا و
الواقع كل
طاقات
التوسع و
التكامل.
رابعا:
الانغلاق
الذي كان
نتيجه
للابتعاد عن
سماحه الدين
و التسامح
الذي يدعو
اليه، و لبعث
النعرات
العرقيه و
القبليه، و
احياء
الخلافات
المذهبيه، و
لضيق الذات و
هي تشعر
بالفشل و
الاحباط.
خامسا:
الاضطراب
الذي يعانيه
المسلمون في
معظم
البلدان،
متبلورا في
تبعيه تمس
مختلف
شؤونهم، و
توطد لفرض
السيطره
عليهم و
الهيمنه.
و مع هذا
كله، اي مع
ذكرنا عن
ازدهار
الحضاره
الاسلاميه و
اسبابه في
عهودها
الزاهيه، و
كذا ما اشرنا
اليه من تأخر
هذه الحضاره
عن مكان
الصداره،
تاركه اياه
لغيرها، فان
علي
المسلمين
الا
يستسلموا، و
عليهم ان
يعوا حقيقه
المرحله
الراهنه و
الواقع
الحضاري
الذي يعيشون.
ان حضاره
جديده قد
ولدت اليوم،
غنيه في مجال
التطور
العلمي و
التفوق
التقني و
انعكاسهما
علي مظاهر
حياه مختلف
الشعوب،
ساعته الي
احراز كيان
عالمي و طابع
كوني. الا ان
طغيان
الصبغه
الماديه و
الانانيه و
الانحلاليه
عليها
يبعدها عن
مجال القيم
الانسانيه
الرفيعه، و
يكاد يجردها
من كل ما فيها
من جوانب
الايجاب، بل
لعله يهددها
بان يسرع
اليها
الاحتضار و
الزوال.
و لاخيار
للمسلمين
أمام هذه
الحضاره سوي
الاخذ
بمحاسنها و
نبذ
مساوئها، و
محاوله
مواكبه
نموها
المتجدد،
فما يزال
راسخا في
اعماق
المسلمين
روح
حضارتهم، و
ما تزال
آثارها
قائمه خالده.
فهي متجليه
في التراث
الاسلامي
الغزير
بتنوع
اشكاله و
تعدد
انماطه، و في
نفوس
المسلمين و
ما يزاولون
من عادات و
اعراف و
تقاليد، ثم
في تلك
الحضاره
الجديده
التي ما كان
لها ان تقوم
علي دعائم
قويه متينه
لولا
اعتمادها،
ابان نهضتها
و عصر
انوارها،
علي ما ترجمت
من علوم
المسلمين و
آدابهم، و ما
نقلت من
فنونهم و
صناعاتهم.
و يبقي مع
ذلك ان مشكل
المسلمين
اليوم –
و هم يقتبسون
هذه الحضاره
الجديده –
كامن في انهم
لا يبدعون ما
يمكن ان تكون
لهم به
مساهمه فيها.
ثم انهم
يعانون
صراعا بين
ذاتهم و
الآخرين، و
يواجهون
تحديات
تغزوهم و
تتسرب
اليهم، و
يتحملون
تبعات
صراعات
مفتعله و
مفروضه
عليهم،
لتفتيت
وحدتهم، و
تعطيل
نموهم، و
تأخير
تطورهم، و
عرقله
قيامهم
بالرساله
التي حملهم
الله
امانتها
المبنيه علي
الايمان به،
و عماره
الارض و نشر
اسباب الخير
و السعاده.
و ان وعي
المسلمين
بحقيقه
الامر
الواقع و ما
يقتضي
لتغييره،
لدليل علي ان
عصرا
اسلاميا
جديدا يعتمل
مخاض انبثاق
فجره، و ان في
افق بعيد، و
لكنه متوقع و
لابد آت،
ليربط
مستقبل
المسلمين
بماضيهم و
يوثق عري
حلقات
حضارتهم،
طالما انها
ما زالت
بروحها حيه
ثابته، و
لينقذ
البشريه مما
يحدق بها من
اخطار.
* محاضره
شارك بها
الاستاذ
الجراري في
ندوه «الثقافه
الاسلاميه»
التي عقدت في
طهران. الوحده
العدد 168 |