دعوه لاستيعاب القرآن الكريم

الاسلوب الامثل لفهم الحقائق القرآنيه

آيه الله جوادي آملي

تعريب: مقداد عبد الرحمن

 

     لما كان القرآن الكريم مادبه الله تعالي ـ كما جاء عن الرسول (ص) ـ فهو يعني ان الله تعالي يدعو جميع الناس الي القرآن ليتناولوا من مائدته، لا ان ياتوا بغذائهم و يضعونه علي مائده القرآن و يتناولونه و لا ان ياتوا بآرائهم و افكارهم او تصورات كانت معهم و يلقونها علي مائده القرآن، ‌و يتغذون منها باسم مائده القرآن، كلا، فمائده القرآن ليس فارغه،‌ انها ممتلئه،‌ و بامكان اي احد ان يتناول منها بقدر حاجته و استعداده

     القرآن الكريم كتاب الله مثلما ان عالم الامكان و الخلق كتاب الله، و لا يحكم العالم قانون خارج عنه، ‌بل ان كل القوانين مستقاه منه،‌ كما ان عالم الوجود ليس بحاجه الي تقنين الاخرين، و لا ان تقنين الاخرين حاكم علي عالم الوجود و الخلق، لان القانون و المقنن كليهما جزء‌ من عالم الوجود و حلقه في سلسله عالم الخلق.

 

القرآن يبين نفسه

     القرآن كتاب الله و كلامه، و لايحتاج في تفسيره الي علم خارجي كما لا يمكن فرض القوانين و العلوم الغربيه عليه، و لا يمكن بالتالي حمله علي شيء ما. و السره في عدم حاجه القرآن الي شيء آخر يفسره و يوضحه هو ان الله تعالي قد جعله نورا «و انزلنا اليكم نورا مبينا» و من خصائص النور المتميزه انه مضيء بذاته و يضيء الاشياء الاخري و لا يحتاج الي غيره. اي انه ظاهر مثلما هو مظهر، فضلا عن استغنائه عن اي شيء آخر، لان كل شيء يجب ان يري بواسطه النور، في حين لا يمكن رؤيه النور بغيره، خاصه و ان الله تعالي جعل القرآن تبيانا لكل شيء «و نزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء».1

     اي ان القرآن الكريم مبين لكل شيء‌ علي صله بسعاده الانسانيه و خيرها،‌ و عندما يكون كذلك، فمن الطبيعي ان يكون بينا.

     فما لم يكن بينا لا يمكن ان يكون تبيانا للعلوم و المعارف الاخري، و لا يمكن ان يكون تبيانا لهذه العلوم و المعارف ما لم يكن بينا او احتاج في التبيين الي غيره.

     و قدم الله سبحانه القرآن علي انه شفاء للقلوب و العقول: «و ننزل من القرآن ما هو شفاء و رحمه للمؤمنين»2 و عندما يكون القرآن شفاءا فلا وجود حينئذ للمرض،‌ و لا يمكن لاحد ان يصاب بعله، و لا يمكن ان يعود المستشفي بالقرآن دون شفاء، و من الطبيعي عندما يكون الشيء شفاء بذاته فلابد ان يكون منزها عن المرض و معالجا بنفس الوقت اذ ان القرآن ليس دواء فحسب بل شفاء ايضا.

     اذا لما كان الجهل مرضا فلا يؤجد جهل في ساحه القرآن، و لما كان الخطا ظلمه فلا وجود للخطا في حدوده و لانه نور و يناقض الظلام، فلا وجود للتناقض في اطار القرآن. و لانه نور و الاختلاف و عدم الانسجام ظلام فلا وجود للاختلاف فيه، و لا وجود للغموض و الالغاز و العجمه في رحابه،‌ فلا سبيل للابهام الي ساحه التبيان و لا العتمه الي ميدان النور.

     كما ان الله تعالي جعل القرآن ميزانا، مثل باقي الكتب التي نزل بها الوحي علي الانبياء (ع). و الميزان ـ كما نعلم ـ وسيله للقياس و الوزن، حيث نعرف به مدي خفه و ثقل السلع، و ندرك صحه الوزن و الموزون،‌ الا اننا لا يمكن ان نزن الميزان نفسه بشيء آخر. فما دام عامل الوزن صحيحا بذاته فلابد ان تكون علامه الموزون صحيحه ايضا، و لو اردنا ان نعرف هل هذه البضاعه ناقصه ام لا،‌ فاننا نلجا الي الميزان، غير اننا لا نقيس صحه الميزان بشيء آخر، و اذا اردنا ان نعرف صحه فكره ما من عدمها فلابد ان نزنها بالقرآن، و لو اردنا ان نفهم هل القانون الفلاني الخاص بالعلوم الانسانيه حق ام باطل، فاننا نعرضه علي القرآن و نزنه به. و لو اردنا معرفه صحه اعمال ما فلا يتيسر لنا ذلك ما لم نزن تلك الاعمال بالقرآن، كما لا يمكننا ان نعرف هل أن مجتمعا من المجتمعات الانسانيه حي ام ميت، ما لم نقس ذلك المجتمع بالقرآن، لانه ميزان و اداه للوزن و القياس.

     و طبقا لهذه الصفات التي بينها الله تعالي بكلامه ـ اي القرآن ـ يتضح ان تفسير القرآن لا يحتاج الي خارج القرآن، ‌و الوصول الي القرآن لا يحتاج الي قطع طرق اخري، و رؤيه القرآن لا تحتاج الي نور آخر، و الاستشفاء به يغني عن اي دواء و علاج آخر، لان كل ضوء ـ كما قلت ـ يجب ان يعرض علي ما هو منير بذاته، و كل قياس و مقاس علي المقياس و القرآن معيار العلوم و العقائد و المعارف، و شفاء كل جهل و انحراف فكري و عقائدي،‌ و كاشف لكل غامض، و مبين لكل موضوع معقد. الا ان المهم في الامر هو ان يمتلك المرء العين البصيره التي تمكنه من رؤيه نور القرآن، حيث ان هذه العين تبصره الضوء و ما يكشفه من اشياء اخري.

     و قد اوضح القرآن الكريم نفسه هذه الحقيقه حينما قال: «افلا يتدبرون القرآن ام علي قلوب اقفالها»3 لان هذا الكتاب غير مبهم و لا معقد و لا يحتاج الا الي التدبر، و ان ما يحول دون التدبر هو انغلاق القلب، فصاحب القلب المغلق ليس من اهل الفكر و التدبر، و من الواضح ان القلب المقفل كالعين المغلقه التي لا تري النور و لا تبصر ما يكشفه ذلك النور من قضايا و حقائق.

     و يري القرآن ضروره وجود القلب المنفتح و الصدر المنشرح لفهم الآيات القرآنيه. و لا يمكن لاحد ان يكون علي تماس مع معني القرآن و باطنه و محتواه العميق الغني ما لم يكن باطنه طاهرا و نفسه نقيه. فيجب توفير علائم طهاره القلب و الباطن التي قال بها القرآن، و التخلص من كل ما يراه تلويثا للنفس، ‌فعندما يعتبر القرآن رذائل الاخلاق و الجمود و الانحراف الفكري و العقائدي رجسا و تلوثا، فلا يمكن للشخص المصاب بهذه الارجاس ان يستوعب معني القرآن و محتواه: «لا يمسه الا المطهرون».4

 

الطهر و البصيره شرطا المائده القرآنيه

     و قدم لنا القرآن نموذجا للطاهرين فقال: «انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت و يطهركم تطهيرا»5 اي ان الله تعالي نزه اهل بيت العصمه و الطهاره من كل رجس، و لما كانوا مطهرين، فهم علي تماس مع محتوي القرآن و باطنه. و قد قال اميرالمؤمنين علي (ع) في نهج البلاغه: «فتجلي لهم سبحانه في كتابه من غير ان يكونوا راوه». اي ان الله تعالي قد ظهر بوضوح في كلامه، و تجلت فيه آثاره و علامات حقانيه حقيقه الحق. و يفهم من هذا ايضا ان الآيات الالهيه مظاهر الحق و علامات علمه و قوته. فهو بين واضح الا ان المرء بحاجه الي بصيره كي يري، و الي روح حيه كي يبصر، و الي قلب طاهر كي يتصل، و الي روح غير مكبله كي يجد.

     و هذا المعني يدلل ايضا علي ان الانسان المطهر لديه القابليه و الاستعداد علي الانتفاع بالقرآن تمام المنفعه. فمنشرح القلب و منفتح النفس لابد و ان يستعين بالقرآن، و ذلك الذي لم يوصد قلبه باقفال الذنوب لابد و ان يتزود منه، و الذي لم يلوث فكره بالانحراف لابد و ان يعتمد عليه.

     و لما كان القرآن الكريم مأدبه الله تعالي ـ كما جاء عن الرسول (ص) ـ‌ فهو يعني ان الله تعالي يدعو جميع الناس الي القرآن ليتناولوا من مائدته، لا ان ياتوا بغذائهم و يضغونه علي مائده القرآن و يتناولونه و لا ان ياتوا بآرائهم و افكارهم او تصورات كانت معهم و يلقونها علي مائده القرآن، و يتغذون منها باسم مائده القرآن، كلا، فمائده القرآن ليست فارغه، انها ممتلئه، و بامكان اي احد ان يتناول منها بمقدار حاجته و استعداده. و الا فلو جاء ‌و معه افكار خاصه فلن يتزود من القرآن ابدا، لانه قد جاء و هو يحمل افكارا من خارج القرآن، و لن يخرج الا و معه تلك الافكار.

     و نلاحظ كافه الآيات القرآنيه منسجمه و متناسقه و كانها كلام واحد، رغم وجود ما يزيد عن سته آلاف آيه. فسابقه يؤيد لاحقه، و لاحقه قائم علي اساس سابقه، و ليس هناك من اختلاف و تناقض فيه، مثلما لا يوجد اي تناقض في عالم الخلق و الوجود: (هل تري من فطور). فالانسجام و التناسق و الوحده هي الحاله المهيمنه علي العالم، و هي حقيقه و اثر لله المتعال، و كذلك القرآن لا نجد فيه اي اضطراب او فوضي او ارتباك: «و لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا».6  فالانسان هو الذي تتغير افكاره، و هو الذي لا يعلم شيئا ثم يتعلمه و يعرف شيئا ثم ينساه،‌ و يتكامل خلال التجارب، و حديثه اللاحق اضج من حديثه السابق. غير ان القرآن لما كان كلام الله تعالي، فهو كلام كامل حيث لا سبيل لهذه النقائص الي ساحه كبرياء الله سبحانه: «لا يضل ربي و لا ينسي».7

     و نظرا للانسجام الذي يهيمن علي القرآن،‌ فلابد ان تفسر بعض آياته البعض الآخر، و لابد من وجود آيات تفسر تلك الآيات التي قد تبدو للبعض انها غامضه. و التفسير الموضوعي للقرآن قائم علي هذا الاساس: فالقرآن يستعرض موضوعا واحدا في سور و آيات عديده، متناولا في كل مره بعدا من ابعاده. و عندما نجمع كل تلك الآيات،‌ نجد انها قد تناولت كافه ابعاد ذلك الموضوع.

     و كان رسول الله (ص) المعلم الاول للقرآن حيث قال تعالي: «و انزلنا اليك الذكر لتبين للناس ما نزل اليهم»7، لا لان هذا الكتاب غير بين ذاتا، ‌و لا لكي يزيل الرسول غموضه او يكشف عن رموزه و النقاط الغامضه فيه، و انما ليفتح اعين الناس و يعلمهم طريقه الوصول للقرآن. لا لينبر القرآن، فالقرآن نير، و لا ليستخدم نفسه في تنوير كلام الله، فالرسول و كلام الله كلامهما نور: اذ الرسول النور الناطق المتحرك و القرآن النور الصامت.

     كان الدور القيادي للرسول (ص) يتمثل في ازاحه الحجب عن عيون الناس كي يبصروا، و الغموض عن قلوبهم، ‌و الانحراف عن افكارهم، و النوازع عن اذهانهم من اجل ان يكونوا وجها لوجه امام الحقائق القرآنيه. فليس عمل المعلم الاول ـ اي الرسول الاكرم (ص) ـ و اهل بيته، و المفسرين المسلمين ازاحه الستار عن القرآن لان القرآن نور غير مستور، بل ازاحه الحجاب عن قلوب و افكار المنحرفين و اصحاب القلوب و العقول المظلمه او الباطن الملوث،‌ حيث لا يوجد برقع يغطي وجه الحقيقه و اذا كان هناك برقع فهو يغطي القلوب و الاعين: «الذين كانت اعينهم في غطاء عن ذكري»9 .. و يقال يوم القيامه للضال ان هذه الحقائق كانت موجوده لكنك كنت محجوبا عنها: «لقد كنت في غفله من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد»10 اي انك كنت غافلا عن هذه الحقيقه التي كانت موجوده، ‌و نزيح الحجاب اليوم عن وجهك لاعن وجه الحقيقه.

     و عمل الالهيين هو خلق الفطره و كشف الستائر و ازاحه الحجب، و مسح الغبار و الاتربه. و متي ما اصبح القلب شفافا كالمرآه، سهلت رؤيه نور الحق و صار بالامكان فهم الآيات الالهيه، ‌و يسر الشفاء لان الله قد يسر القرآن مذكرا بالحق: «و لقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر».11

     فالقرآن منسجم من الداخل مع الفطره و من الخارج مع نظام الخلق لانه كلام من احسن خلق الفطره و اتقن صنع الكون.

     فالقرآن هو المنسق بين الانسان و عالم الحقيقه،‌ فينبئه بما هو موجوده في هذا العالم و يفجر ما في طبيعه الانسان من استعداد كي ينسجم مع الكون. فالقرآن هو الرسول الوحيد الموصل لاسرار الكون الي الانسان، و الذي يضفي علي القلب المنشرح للانسان العارف شفافيه تمكنه من معرفه جميع اسرار الكون.

     القرآن رساله عامه و دعوه عالميه يدعو الجميع للتذكر: «فهل من مدكر»، فهل هناك من يتعظ بهذا التذكير و يفكر ببدايته و مساره و نهايته؟ و ليس هناك من تهاون في هذه التذكره: «انا سنلقي عليك قولا ثقيلا»،13 و لان الحق ثقيل فسيبقي و لان الباطل اجوف و خفيف فسيزول. لقد اخبر تعالي رسوله (ص) ان القرآن ثقيل و سهل، اي انه ليس صعبا بحيث يفرض علي الفطره،‌ و لا معقدا بحيث يستعصي حله، انه نور و تبيان و شفاء و ميزان، لهذا تساهل و لا مسامحه في ساحه القرآن.

     و الكلام الذي لا يعتمد علي البرهان ليس كلاما ثقيلا،‌ و الداعيه الذي لا يشهد في ظل الشهاده ليس ثقيلا، ‌و الكلمات التي لا تنطلق من الروح ليست ثقيله. يقول سبحانه انه كلام ثقيل،‌ و لا يسهل تحمله دون وساطه، لهذا يامر رسوله (ص) ان ياخذ بايدي الناس و يفتح عيونهم ليبصروه، و يخفف من وطاه ثقله عليهم.

     ان الجمع بين مبداي السهوله و الثقل معجزه قائمه بذاتها، و يعد هذا من خصوصيات القرآن الكريم.

     فالمواضيع القرآنيه كل منها ثقيل و يسير: ليس فيها خفه لانها مدعمه بالبرهان، و ليست صعبه لان الفطره الي جانبها، و الفطره تنشد الطريق الصحيح. لهذا لابد ان يعتمد التفسير الموضوعي للقرآن الكريم علي هذه الاسس.

 

الهوامش:

     1. سوره النحل آيه 92.

     2. سوره الاسراء آيه 85.

     3. سوره محمد آيه 24.

     4. سوره الواقعه آيه 79.

     5. سوره الاحزاب آيه 23.

     6. سوره النساء‌ آيه 82.

     7. سوره طه آيه 52.

     8. سوره النحل آيه 44.

     9. سوره الكهف آيه 101.

     10. سوره ق آيه 22.

     11. سوره القمر آيه 22.

     12. سوره المزمل آيه 5.

 

الوحده ـ العدد 215