|
جهود
متواصله
لتدمير
مقومات
الابداع دعاه
الحداثه و
تزييف الوعي عبدالجبار
الرفاهي
إتسم
الخطاب
الثقافي
لدعاه
الحداثه
بالانحياز
التام و غير
المبرر الي
كل ما هو
غربي، فاضحت
السجالات و
الاحتجاجات
التي تنبث في
نتاجاتهم
الفكريه، و
الفنيه، و
الادبيه،
حول
الاسلام، و
التراث، و
الواقع ترمز
الي مرجعيات
غربيه،
غالبا ما
تتجلي بشكل
سافر، فيما
يتم طمس و
تجاوز كل ما
يمت الي
الشرق و
حضاراته
بصله ما، حيث
يجري تدجين
لثقافات و
رؤيً، و حتي
أذواق،
اقتُطعت من
بيئات و
انساق
معرفيه اخر،
و استنباتها
في تربه غير
تربتها.
اما ما
يكتنزه
الانسان
الشرقي من
تراث حضاري،
و ما تزخر به
هذه
الفضاءات من
موروث
معرفي، فيتم
اختزاله، و
تهميشه في
بعض الاشياء
الصغيره، و
الغريبه و
المثيره، و
ربما
المنفّره،
فيغدو
المجتمع
الاسلامي و
انجازاته
العقليه، و
العلميه،
مجتمع الف
ليله و ليله،
و بعض
الاساطير و
الحكايات
الخرافيه
ليس الا،
كاسطوره
طائر
العنقاء، و
السيمرغ –
في الادب
الفارسي -، و
قد يحفر
هؤلاء في
طبقات
الآثار
فيقتبسون
عشتار و
غيره، من
الرموز
الاسطوريه
التي
احتضنتها
مجتمعات
شرقيه ظهرت
قبل الاسلام
بعده قرون.
ان هذه
الرؤيه التي
تشكلت لدي
دعاه
الحداثه في
ديارنا، هي
نفسها رؤيه
الآخر عنا،
تلك الرؤيه
التي تشكلت
عبر مئات
السنين من
الصراع
الحضاري بين
الاسلام و
الغرب، و
اسهم في
بنائها
الترجمات
المزوره
للقرآن
الكريم(1)، و
الحروب
الصليبيه و
مقدماتها، و
الجهود
الاستشراقيه
التي تواصلت
منذ سقوط
الاندلس، و
تمحورت حول
التنقيب عن
صوره محدده
للشرق، و
تراثه،
ارادوا
رؤيتها، و
ليس الصوره
الواقعيه
له، (فحين كان
الغربيون
يذهبون الي
الشرق، كانت
تلك –
اي الصوره
المشوهه
للشرق -، هي
الصوره التي
يبحثون
عنها،
فيتقون ما
يرونه
بعنايه، و
يتجاهلون كل
ما لا ينسجم
مع الصوره
التي كونوها
سابقا –
حسب تعبير
مكسيم
رودنسون –(2).
ان دعاه
الحداثه
استعاروا
مرآه الآخر،
و لذا اصبحوا
غير قادرين
علي رؤيه
الأنا علي
حقيقتها،
بعد ان حُبس
وعيهم في هذا
المنظار،
فهم يرون ما
يراه الآخر،
و لا يرون ما
لا يريد ان
يراه، لان
مصادر وعي
الأنا
لديهم، هو ما
يمكن ان
يُهيئه
الغرب من
مراجع و
دراسات حول
الشرق كما
تؤكد ذلك هذه
الشهاده
التي افادها
احد ابرز
مفكري الغرب
المحدثين،
حيث قال:
(كنا نحضر،
لعده أشهر،
عددا من
الشباب
الافارقه، و
الآسيويين،
الي
امستردام، و
باريس، و
لندن …
فنجول بهم، و
نغير ثيابهم
و مظهرهم، و
نعلمهم
تعابير
التأدب، و
اللياقات
الاجتماعيه،
و لغه
ممسوخه،
نصفها لهجه
محليه،
باختصار،
كنا نفرغهم
من مضمونهم
الثقافي
الخاص، ثم
نعيدهم الي
بلادهم،
آنذاك لا
يعتدون
اناسا
يستطيعون
الكلام
شعارات
الانسانيه،
و العداله،
فيفتحون
افواهمك
فيما بعد، في
افريقيا، او
في آسيا،
مشتددين
مؤكدين علي
اصواتنا)(3).
هذه هي
المخلوقات
الثقافيه
التي صتعها
الغرب ثم
اعادها
الينا، او
صنعت في
ديارنا طبقا
للمواصفات
التي اعدها،
فكانت
اصواته، و
رؤاه، و ما
عمد الي
تأسيسه من
وعي عنا، و عن
ديننا، و
تاريخنا، و
تراثنا.
ان هذه
الاصوات
تتردد في
الهند، و
ايران، و
بلاد الشام،
و مصر، منذ ما
يربو علي قرن
من الزمان، و
كانت هي
الاصوات
الوتر في
معظم
ديارنا، بعد
ان حف دعاه
العقائديه
الغربيه علي
وسائل
الاعلام
المقروءه، و
المسموعه، و
المرئيه،
فاحتلوها،
كما احتلوا
ايضا اجهزه
التربيه و
التعليم في
كافه
مراحلها، و
استأثروا
بها دون
سواهم من
ابناء
جلدتهم، و
حرصوا علي
استدعاء
التجربه
الغربيه و
استنسخها
بكل
اخاديدها، و
منعرجاتها،
و آلياتها،
من غير ان
يتنبهوا الي
سياقاتها
التاريخيه،
و زمانها
الثقافي، و
تصدعاتها، و
خصوصياتها
الانسانيه
الاخري،
فتبرعم اثر
ذلك وعي زائف
هجين مشوه،
لم يعبر
بوضوح عن
الغرب و
تقدمه
التقني، و لم
تتجلّ فيه
الأنا و
روحها
التاريخيه،
لانه لم يولد
في اطار
الهويه
الذاتيه، و
لم يحتضنه
مسارها
الحضاري.
يضاف الي
ذلك او ينتج
عنه حدوث
انكسارات و
تشوهات في
الروح و
الفكر، حالت
دون الابداع
و التقدم
عشرات
السنين،
باعتبار
الشرق
تلميذا و
تابعا و
مقلدا، و
لابد له ان
يتلقي كل شيء
من استاذه، و
يتمظهر في
طابع
امتثالي،
تتمرأي فيه
روح الغرب، و
تعاليمه، بل
و هلوساته.
و تأسيسا
علي الرؤيه
السابقه، لم
يتنبه دعاه
الحداثه
ايضا الي ان
اوليات
التقنيه في
الغرب غيرها
في العالم
الآخر، اذ لا
يصح ابدا
تكرار
النموذج
الغربي ذاته
في البيئات و
المجتمعات
الاسلاميه،
التي تحتضن
منظومات
قيم، و انساق
معرفيه اخر،
و تتميز
بامكانات
بشريه، و
طبيعيه، و
جغرافيه، لا
تلائم
النماذج
الغربيه
عينها(4).
لقد تسبب
الاصرار علي
استيحاء
انماط
التحديث
الغربيه،
توالي
التراجعات و
الانكسارات
في عمليه
التنميه و
البناء، و ما (حدث
في العقد
الاخير،
يوضح ان
تطبيق نموذج
كوني، و
شامل، و أبدي
للتحول
الاجتماعي و
السياسي او
ما يسمي
بالحداثه و
التحديث،
نوع من الفشل
المطلق، فشل
كل سياسات
التنميه، و
التحديث، و
بناء دوله
قوميه
منسقه،
بتكرار نفس
النماذج،
فتجربه
التضيّع
اليوم في
البلدان
الناميه،
تدل علي انه
لا يمكن
للتاريخ ان
تطور بتكرار
النماذج
نفسها،
فالظروف
العالميه، و
الاستراتيجيه،
و
الجيواستراتيجيه،
و
التاريخيه،
لا تسير في
نفس السياق و
الظروف، كما
حدث في القرن
الثامن عشر
بالنسبه
لاوروبا،
فهناك سياق
تاريخي
مختلف، و
نظام علاقات
دوليه، و
اتصالات
مختلفه كليا)(5).
الهويه
و النقل
المعرفي
لم يكن
لدعاه
الحداثه من
هم، غير
احترار،
المقولات، و
النظريات، و
الآراء
المتنوعه
لرموز
الثقافه، و
الادب، و
الفن في
الغرب، و
اقتباسها، و
تكرارها
بشكل مشوه
احيانا،
طبقا لما
تستتبعه
الترجمات من
تحريف
الاصول، و
ربما طمسها.
و اشيعت اثر
ذلك ثقافه
هجينه
عرجاء،
تأسست
للدعوه لها
نواد، و
مؤسسات
اعلاميه، و
دور نشر، و
كذا تقنعت
بها بعض
الحركات
السياسيه،
واضحت فيما
بعد الموضه
السائده في
الجامعات، و
المراكز
الثقافيه، و
المنتديات
الاديبه، و
أعيد تشكيل
الادب في ضوء
آخر نظريات
الأدب
الغربي، او
عبث الأباء
الغربيين و
تمردهم و
غثيانهم، و
عدميتهم، و
تم استيحاء
الرؤيه
الفنيه
الغربيه، و
استلهم
الذوق الفني
كذلك، حتي
اصبح الاديب
و الفنان
عندنا، هو
ذلك الانسان
الذي استعار
مرآه الآخر
ليري صورته
فيها، و
يعرضها
لمواطنيه
كذلك.
أما الفنون
الأدبيه
التي
افرزتها
التجربه
التاريخيه
لمسار
الامه، و
عبرت عن
هويتها، و
انتمائها، و
جذورها؛ فقد
تعرضت للنفي
و الاقصاء،
او الاهمال
في افضل
الاحوال،
بعد ان تماهت
الفنون
الادبيه
الجديده مع
النزعات
الادبيه و
الفنيه،
التي كانت
افرازا
للرهانات و
التيارات
الحياتيه
الغربيه، و
تبرقعت
بالاُطر
الخاصه بها،
حتي انتهت
النصوص
المتأخره
لبعض
الادباء، و
كأنها
ترجمات
للنصوص
الادبيه
الفرنسيه،
او
الانجليزيه،
او
الالمانيه،
الحاضره.
و لعل
مراجعه
سريعه لما
تنشره
الدوريات
التي تهتم
بأدب
الحداثه،
منذ مجله «شعر»
التي اصدرها
يوسف الخال
في بيروت قبل
ثلاثين
عاما، ترينا
الحال التي
انتهي اليها
الادب
العربي
الحديث، و ما
يعبر عنه من
نفي
الخصوصيه
التي ترتسم
فيها هويه
الامه، و
الحث علي
الاستتباع
القسري
للانساق
المعرفيه
الغربيه، من
خلال ابتسار
التراث، و
اختزال
الماضي، و
تجاوز حاضر
الامه، بل
واجهاَ
مستقبلها،
بعد افتتان
هؤلاء
بتداعيات، و
منعرجات، و
موضات، و
شعارات ليست
الا تجليات و
تعبيرات
للوعي و
اللاوعي
الغربي
المتصدع.
لقد نشأ عن
شيوع هذا
الاتجاه بين
دعاه
الحداثه،
قطيعه قاسيه
مع الماضي،
الذي يخترن
الامكان
الحضاري
للرقي و
التقدم، و
يمثل
الركيزه
الاساس
للبناء و
التنميه،
لما يتجسد
فيه من جذور
الامه، و
عمقها
الفكري، و
صيرورتها
التاريخيه،
و تميزها
الحضاري.
كما أسهم
ذلك في تسطيح
الفكر، و
تهميش دور
الادب. و غياب
روح الابداع
الحقيقي، و
ولاده نصوص
التقاطيه،
تلفيقيه
مشوهه،
اعتراف
النقاد
المعاصرون
غير مره
بانهم لا
يدركون ما
تريدان
تقوله تلك
النصوص.
و تحددت
تبعا لذلك
معايير و
خصائص جديده
للاديب، و
الفنان، و
المثقف، و
باتت
الثقافه
تساوق
التعرف علي
بعض
المصطلحات
الادبيه، و
الاجتماعيه
باللغات
الاوروبيه،
و المثقف هو
الذي يلتقط
فرضيات، و
اوهاما، و
تمردات، و
بهلوانيات
فكريه من
هناك، و
تغلغل
الانبهار
عند ادباء
الحداثه في
التراث
اليوناني و
الاغريقي عن
الاساطير،
التي ما انفك
ادبهم عن
ترميزها، و
ترديدها في
الشعر و
النثر.
و تهافت
الشباب و
انصاف
المثقفين
بعد شيوع هذه
النزعه
الثقافيه في
بلادنا، علي
ملاحقه كل
كتاب او
دوريه تعن
يبآثار
الكتّاب
الغربيين،
مع ما
يكابدونه في
فهم مداليل
تلك
الكتابات، و
لذا لجأ
بعضهم
احيانا الي
تأويل، و
تقويل تلك
النصوص،
التي يطغي
عليها
الطابع
الرمزي، او
تلك تأسست
علي
المعطيات
المتأخره
للاتجاهات
الادبيه و
النقديه في
الغرب، و
التي بم يْتح
لأولئك
الشباب
الاطلاع علي
ركائزها
النظريه.
و لذلك اضطر
مطاع صفدي ان
يصدر مجله
اخري،
بعنوان «العرب
و الفكر
الغربي»،
تعني بترجمه
الآثار
المتأخره في
الثقافه
الغربيه، كي
تؤمن الاساس
النظري
للدراسات، و
النصوص التي
خصص لها
مجلته «الفكر
العربي
المعاصر»
التي قام
مشروعها علي
التعريف
بالفكر
الغربي، و
ليس الفكر
العربي كما
قد يتبادر من
عنوانها.
و كذا صدرت
دوريات اخري
غير «العرب و
الفكر
الغربي»
باللغه
العربيه،
لتأديه
الوظيفه
ذاتها، في
عده بلدان
اُخر.
و تمحور هدف
هذه
الاصدارات
علي تفريغ
الوعي
الذاتي، و
استدعاء نمط
آخر من
الوعي، و
الحرص علي
تدجينه، ذلك
الوعي الذي
تموضع في
بيئات اخري،
تقاطع نسغها
الحضاري مع
الانسان
الشرقي و
حضاراته،
حين تمركز
همها علي نفي
الحضارات
الاخري، و
احراق
تراثها منذ
قرون عديده.
بيد ان هذه
الاصدارات
لم تتوقف
مهمتها علي
تحطيم أسس
الوعي
بالذات، و
الحث علي
استنبات
الوعي
بالآخر، و
انما نشطت في
التركيز علي
مهمه اخري،
تمثلت في جلد
الذات، و
تخوينها، و
القول بتأصل
مركب نقص
حضاري تحمله
الاعراق غير
الآريه، و
لذا حاول
بعضهم
استلحاق
شعبه بالغرب
او الجماعات
التاريخيه –
كالفراعنه
في مصر -، فيما
قامت دعوات
آخرين علي
الحث علي
محاكاه
النموذج
الغربي و
تقليده
بصوره تامه.
و من
المعلوم ان
هذه
الدعوات، ما
هي الا صدي
لهذيانات
ظهرت في
اوروبا، منذ
مده طويله، و
من ثم
التقطتها
اذان مستعده
لها في
ديارنا،
فمثلا يزعم
فون هيرد «بان
هناك سلالات
بشريه خلقت
للرقي، و
اخري قضي
عليها
بالتأخر و
الانحطاط،
بل ان
السلالات
المختلفه في
مضمار
الحضاره يجب
ان تظل كذلك،
لانها ليست
اهلا للرقي»(6).
بهذه
الكيفيه
يُطمس تاريخ
حضارات عاشت
آلاف
السنين،
ربما تجاوز
بعضها
السبعه آلاف
سنه، لحساب
تاريخ حضاره
متأخر لم
يتجاوز
لخمسه قرون،
كانت لحظه
ولادتها
اغتيال
حضاره
المسلمين في
الاندلس، و
اباده
تراثهم،
فضلا عن
اباده حضاره
الهنود
الحمر و
غيرهم في
الاميريكتين
و المكسيك، و
التي بدأت في
السنه ذاتها
(1492 م) –
التي سقطت
فيها غرناطه -،
حين وطئت
اقدام
الانسان
الاوروبي
تلك الديار،
فحطمت ما
بناه
انسانها، و
انتهبت
تراثه، و من
ثم سعت الي
استئصاله من
ارضه.
هذا
الانسان لا
ذنب له، سوي
لون بشرته، و
اعراقه التي
لا تعود الي
العرق
الاوروبي
نفسه.
لقد صور احد
زعماء
الهنود
الحمر في
اميركا
فضاعه
المأساه
التي ابادت
قومه و تراثه –
و هو زعيم
قبائل
السيوكس في
القرن
التاسع عشر –
بقوله:
«حين كنت
صغيراً،
كانت
السيوكس
تملك
العالم، و
كانت الشمس
تشرق و تغرب
علي
اراضيهم، و
كانوا
يرسلون عشره
آلاف محارب
الي ساحه
القتال، أين
هم الآن؟! و
من ذبحهم؟! و
اين
اراضينا؟! و
من امتلكها؟! اجريمتي
انني احب
ارضي؟! هل
بشرتي
الحمراء
تجعلني
شريرا؟! ألأنني
من السيوكس؟! ألأنني
ولدت حيث عاش
والدي؟! أبسبب
استعدادي
للموت دفاعا
عن شعبي و
بلدي؟!»(7).
كما أدان
زعيم من
قبائل
ميكماك من
الهنود
الحمر في عام
1676 م سخريه
الفرنسيين
بالهنود
الحمر، و
تفاخرهم
بحضارتهم،
بقوله:
«صحيح اننا
لم نستخدم
الخبز، و
النبيذ الذي
تنتجه بلدكم
فرنسا، و لكن
الم تكن
أعمار ابناء
القبيله
اطول ننا هي
عليه الآن
بعد مجيئكم؟
و اذا كنا لا
نجد الآن
معمرين في
المئه و
الثلاثين او
الاربعين من
العمر،
فلأننا
نتبني طرائق
عيشكم
بالتدريج.
و التجربه
اثبتت ان من
يحجم عن
تناول
خبزكم، و
يحتقر
النبيذ و
البراندي
الذي
تجلبونه، و
يكتفي
بالطعام
الطبيعي، و
الموز، و طير
الماء، و
السمك، عملا
بتقاليد
اسلافنا و
امتنا، يطول
عمره اكثر.
و سأفتح
قلبي لك و
اقول:
اعلم الآن –
و الي الأبد –
انه ما من
هندي لا
يعتبر نفسه
اكثر سعاده و
حيويه و قوه
من
الفرنسيين،
و بما لا يقاس.
و تلوموننا
قائلين:
إن بلادنا
ليست اكثر من
هضبه صغيره
اذا ما قيست
ببلادكم
فرنسا، التي
تعتبرونها
فردوسا
ارضيا.
اذا صح ذلك،
فلماذا
غادرتموها؟
لماذا
هجرتم
زوجاتكم و
اطفالكم و
اقرباءكم و
اصحابكم»(8).
هكذا
انتُهِبَ
تراث
الانسان غير
الاوروبي، و
لم يستطع ان
ينجو بنفسه،
اذ سيقت
المواكب تلو
المواكب
للذبح و
الاحراق،
لكي تشاد
امجاد
الانسان
الغربي في
القرون
الاخيره علي
اشلاء
الانسان
الآخر و
جماجمه.
ان الذي
يدعو للدهشه
هو تعاون
الضحيه مع
الجلاد، و قد
يغدو الضحيه
اعنف في نفيه
لذاته، و
رفضه
لتراثه، و
ترديد
هذيانات
جلاده،
فيكون (ملكيا
اكثر من
الملك)، حين
ينبري دعاه
الحداثه
لمواصله
المشوار
الذي بدأه
المستشرقون
بالامس، و
يتسابقون في
الهجوم علي
الذين، و
التراث، و
الماضي، و
الحاضر، بل و
المستقبل،
اعتمادا علي
ما تلقوه من
الاستاذ –
الجلاد -، و
ترديدا
لمقولاته، و
استنساخا
لمواقفه، و
تهويماته، و
افتراضاته. الوعي
بالذات
بوابه
التواصل مع
الآخر
في ضوء ما
سبق ان
الثقافه
السائده بين
هؤلاء، هي
ثقافه عرجاء
كسيحه،
فالحداثي
يجهل الف باء
المعارف، و
الآداب، و
العقائد، و
الفنون،
التي انجرها
اهله، عبر
مئات
السنين، و
حفلت بها
الانسانيه
قرونا
عديده، و
مثلت ركيزه
اساسا
للنهضه، و
التطور
الصناعي في
الغرب، من
خلال عمليات
النقل و
الترجمه
التي انجزت
عبر الاندلس.
ان الوعي
الشوه الذي
يسود قطاعا
واسعا من
الاجيال
الجديده في
بلادنا، هو
نتيجه
طبيعيه
للتجاهل و
النفي
المستمر،
الذي يمارسه
دعاه
الحداثه في
مجتمعاتنا.
و لعل
مراجعه
عاجله
لاعمال
الندوات، و
المؤتمرات
الفكريه، و
الادبيه، و
كذا محتويات
الدوريات، و
مطبوعات
المراكز
الثقافيه، و
المنتديات
الادبيه،
ترينا مدي
الظلم
الفادح الذي
الحقه
مواطنو
ديارنا
بتراثهم،
اثر
انبهارهم
بالعواطف
الادبيه، و
التيارات
الفكريه
الغربيه، و
التي ليست هي
الا موضات
موسميه،
معروفه و
مألوفه عند
اهلها،
بينما يقع
اكتشاف
اولئك لها
غالبا حين
تخبو حولها
الاضواء،
بعد سنوات من
صعودها، و من
ثم تراجعها و
ضمورها، و
ربما
تلاشيها، و
كأن الانسان
الشرقي الذي
ادمن علي
اعاده
استهلاك بعض
السلع، و
المكائن، و
الالبسه،
التي
استخدمها
الانسان
الغربي في
اول عمرها،
ثم نبذها بعد
ذلك خارج
الحدود،
يعيد هذا
الانسان –
الشرقي –
استهلاك
الافكار، و
النظريات، و
الاُطر
المعرفيه،
التي غابت عن
اسواق
الثقافه
الغربيه منذ
حين.
لقد اوضح
المفكر
الفرنسي –
البلغاري
الاصل –
المعاصر
تودوروف،
سطوع
الافكار و
توهجها في
فرنسا، و من
ثم افولها
بقوله:
«من المؤكد
ان فرنسا
تشهد من حين
لآخر ظواهر
ثقافيه
سطحيه، و
ازياء دارجه
عديده، هذه
اشياء
معروفه في
البيئات
الباريسيه،
فعندما يكون
فيلسوف
ماينتمي الي
الموضه
الدارجه،
فان كل الناس
يتحدثون
باسمه، ثم
عندما تنقلب
الامور،
يدخل هذا
الفيلسوف،
في مرحله
عبور
الصحراء من
حياته»(9).
و قد تبلورت
ظاهره اخري
بين هذه
الانتلجنسيا
المتغربه،
تبر فيها
صوره
الافعال و
التقليد
للمواقف
الفكريه
لرموز الفكر
الغربي، و
تتمثل تلك
الظاهره، في
ان الاهتمام
الذي ينصب
احيانا من
هؤلاء، علي
بعض آثار
العلماء و
المفكرين
الاسلاميين،
انما هو
استجابه و
تكرار
لمواقف
غربيه تمثلت
في اهتمام
استشراقي
باؤلئك،
فمثلا حين
يلتمع نجم
ابن عربي، او
ابن خلدون،
او ابن رشد،
او الحلاّج،
عند بعض
الباحثين في
ديارنا،
يكون ذلك
عقيب تظهير
الدراسات
الاستشراقيه
لهم، و
اهتمامها
الواسع
بتراثهم.
واضحت
مواقف بعض
الباحثين و
الادباء في
ديارنا و
آراؤهم
العلميه ما
هي الا صدي
لهذيانات و
تمحلات
المستشرقين،
فقد تكررت
عمليه اشاعه
اثارات، و
سجالات، و
مواقف
فكريه،
استهفت
مقومات اساس
في تراثنا،
علي اساس
الاستنساخ
المباشر
للمواقف
الاستشراقيه
من التراث،
كما يتضح ذلك
في الهلوسه
التي اثارها
عميد الادب
العربي طه
حسين حول
الشعر
الجاهلي، و
ما كانت
تستبطنه هذه
المسأله من
النيل من
الاعجا
البلاغي
للقرآن
الكريم، حيث (زعم
مرجليوث ان
الشعر
الجاهلي
مشكوك في
روايته، و هو
موضوع بعد
الاسلام، و
قد نشر هذا
الفرض في
يوليو عام 1925 م
في احدي
المجلات
الاستشراقيه،
و في عام 1926 م
نشر «طه حسين»
كتابه
المشهور «في
الشعر
الجاهلي»،
فهذا
التسلسل
التاريخي
معبر تماما
عن تبعيه
افكار بعض
قاده
الثقافه
العربيه
الحديثه
للاساتذه
الغربيين ..
حتي اكتسب
هذا الفرض
قيمه «المقياس
الثابت» في
دراسه
الدكتور
صباغ عن «مجاز
القرآن»، فقد
رفض هذا
الدكتور
رفضا مقصودا
مغرضا
الاعتراف
بالشعر
الجاهلي
كحقيقه
موضوعيه في
تاريخ الأدب
العربي»(10).
و قد تعدي
بعض
الباحثين
العرب ذلك،
فلم يتوقفوا
عند استنساخ
المواقف
الاستشراقيه
في
دراساتهم، و
انما تباينت
مواقفهم بين
دراسه و اخري
من
دراساتهم،
تبعا
لاختلاف تلك
المواقف،
فهو يميل حيث
تميل، و
تتغاير
مواقفه حيث
تتغاير تلك
المواقف و
تختلف،
فمثلا (في
واحد من ابرز
الكتب في
تاريخ
الاسلام
الاقتصادي،
يردد
عبدالعزيز
الدوري –
في كتابه
تاريخ
العراق
الاقتصادي
في القرن
الرابع
الهجري –
نظريه
فلهوزن عن
الضريبه في
الاسلام، و
مفادها ان
المسلمين
الاوائل لم
يعرفوا
الضريبه، و
انما عرفوا
الاتاوه،
حتي اتصلوا
بالبيزنطيين،
فتعلموا
مفهوم
الضريبه، و
قسموها الي
جزيه و خراج،
و في كتاب
لاحق –
مقدمه في
التاريخ
الاقتصادي
العربي –
الفه بعد
صدور كتاب
دانيال
دينيت «الجزيه
و الاسلام» و
الذي دحض فيه
نظريه
فلهوزن، ردد
عبدالعزيز
الدوري
نظريه
المستشرق
الاميركي، و
قال:
«ان العرب
عرفوا
الضريبه قبل
ان يعرفوا
البيزنطيين»(11).
و هكذا
نلاحظ ظاهره
اخري تنتظم
في السياق
المتقدم، و
هي تتمثل في
ان الدراسات
الاستشراقيه
باتت نافذه
لاستلهام
الآداب
الشرقيه
الاسلاميه،
بين
الباحثين
العرب، و من
ثم نقلها من
اللغات
الاوروبيه
الي
العربيه،
فقد ترجم «نويل
عبدالاحد»
مختارات من «رباعيات
الخيام»،
خمسه و سبعين
رباعيه، عن
ترجمه
فيترجيرالد،
بطبعتها
الاولي في
لندن عام 1859 م،
و صدرت ترجمه
«نويل
عبدالاحد»
هذه، بعنوان «رباعيات
الخيام» عن
مطبعه
الحياه
بدمشق عام 1958،
فيما ترجم «عيسي
الناعوري»
ثماني
رباعيات من
رباعيات
الخيام عن
الايطاليه،
عن نشره
المستشرق
آرثر آربري
عام 1949 م، و
نشرها في
مجله (الاديب
البيروتيه)
في عددها
الصادر في
يوليو / تموز 1954
م.
و ربما لا
نعدو
الحقيقه لو
قلنا ان
الغرب اصبح
النموذج في
كل شيء لدي
باحثينا
المعاصرين،
حتي الآداب
الشرقيه
الاسلاميه
التي
حوالينا و
بين ايدينا،
لا نتناولها
او نتلقاها،
و نهتم
بكنوزها،
الا اذا اهتم
بها الغرب، و
لا نسعي
لتناولها
مباشره من
لغاتها الأم
المدونه
فيها (الفارسيه،
او التركيه،
او الاُرديه …
او غيرها من
اللغات
الشرقيه)، و
انما
نتلقاها
بالواسه من
خلال احدي
اللغات
الاوروبيه،
و كأن
الافكار، و
الابداعات،
و الآداب
الشرقيه،
لابد ان تسجل
في سجلات
الابداع في
الغرب، و من
ثم تُعمّد
هناك علي
آيدي الآباء
الاوروبيين،
كي نستطيع ان
نتمثلها و
نتنفع بها.
بهذه
الكيفيه
تنحرف
الرؤيه، و
يتلاشي
الشعور
بالاصاله، و
يتنامي
الاحساس
بالدونيه،
فتندثر
الأنا في
صوره الآخر،
و لا يتكشف
شيء من صوره
الأنا، الا
عبر تجلّيه
في وعي الآخر.
ان الدور
الذي نهض به
المتغربون
في ديارنا،
لم يتوقف عند
استيحاء
صوره تراثنا
من وعي
الآخر، و
استنساخ
صوره الأنا و
التراث الذي
تشكل في
المخيال
الغربي، و
انما سعي
كذلك لاجهاض
اي محاوله او
مشروع
تأصيلي،
يعني
بالتحصين
الثقافي، و
التأصيل
الحضاري، و
لذا تعرضت
الابداعات
الادبيه، و
الانجازات
الفكريه
المهمه
للادباء و
المفكرين
الصادقين في
بلادنا
للمسخ و
التشويه،
حيث يتم
تجاهل
الكثير من
الاعمال
المتميزه في
الندوات
الثقافيه
التي تحفل
بها بلادنا،
فيما يحتفي
باعمال
ثانويه
دعائيه، و
ربما هامشيه.
و من المدهش
ان يتحالف
دعاه
الحداثه مع
الاجهزه
القمعيه
للسلطات في
بلادنا،
فينفذون معا
عمليه اسكات
اصوات
المقاومه
الفكريه، و
التحصين
الثقافي، و
ليس مثال ما
يقوم به
اولئك في
بغداد عنا
ببعيد، اذ لم
يتوقف عملهم
عند تصفيه
العلماء و
المفكرين، و
انما تعاون
مثقف السلطه
مع اجهزه
المخابرات
علي ملاحقه
كتابات
المفكر
الاسلامي
السيد
الشهيد محمد
باقر الصدر. و
غيره من
المفكرين
الاسلاميين،
فانتزعوها
من المكتبات
واضرموا
فيها
النيران.   |