سفير الجمهوريه الاسلاميه السابق فی الفاتيکان:

الاسلام حقيقه يسعی الغرب لتجاهلها

مقداد عبدالرحمن

رغم مرور عقدين من الزمن علی طرح الاسلام کحقيقه سياسيه مدويه فی المعادلات الالقليميه و الدوليه، الا ان طرحه بشکل اکثر جديه يعود الی الاعوام الاخيره. فالی ما قبل التسعينات کان يطرح کمجرد حقيقه سياسيه لا غير، الا انه يطرح اليوم کحقيقه تتعارض الی حد ما مع التيار المهيمن علی عالمنا، ای مع الحضاره الغربيه و مبادئها الفکريه و نظام قيمها. و بغض النظر عن مدی صحه وجهه النظر هذه، الا ان هذه الحرکه قد حولت مووضع الاسلام و الغرب الياحد اهم قضايا العالم المعاصر، و هی قضيه يفکر فيها الغربيون و المسلمون علی حد سواء.

و لا شک ان هذه القضيه تعد اليوم من اهم قضايا الشعب الايرانی ايضا لانه شعب مسلم من جهه، و لاسلاميه نظامه السياسی و الدور الذی سيلعبه فی التحولات العالميه المتقبليه بشکل مباشر و غير مباشر من جهه اخری، مضافا الی ذلک الموقف الخاص الذی يتخذه الغرب حيال هذا البلد سيما و ان هذا الموقف هو بمثابه رده فعل علی اسلاميه النظام.

و لاجل تسليط الاضواء علی العلاقه القائمه بين الاسلام و الغرب، سالنا حجه الاسلام و المسلمين محمد مسجد جامعی سفير المجهوريه الاسلاميه السابق فی الفاتيکان اولا عن:

 

هناک حديث کثير عن العلاقه بين الاسلام و الغرب، حديث يتناقله المسلمون و الغربيون، فهل تعتقدون ان هذه القضيه مهمه حقا، ام انها ذات جانب دعائی؟

نعم، ان المسلمين و الغربيين يتحدثون اليوم عن ذلک، ولکن من وجهتی نظر متباينتين. فهی بالنسبه للغربيين تعد من اهم قضاياهم، و لا تقل اهميه لديهم عن مواضيع اخری مثل ازمه البيئه، و توسيع نطاق الناتو، و استقرار و امن بلدان اوربا الشرقيه، و البطاله، و مختلف القضايا الاخری ذات الصله بالامن الاوربی.

کما ان هذا الموضوع يطرح من قبل المسلمين ايضا و بشکل عام من قبل بعض المثقفين المتدينين و اصحاب القوه و السياسه و الذين يبحثون بشکل رئيس عن طبيعه العمل و التعاون مع الفرب و العلاقه التی يمکن ان تقاوم مع الحضاره الجديده کی يمکن التغلب علی المشاکل الناجمه عن التخلف الاقتصادی و الصناعی.

فالغرب بالنسبه لکافه المثفين المسلمين بمثابه مظهر للتنميه الاقتصاديه و التقدم العلمی و الصناعی بل و حتی الاجتماعی و الثقافی. و لهذا السبب ايضا يشعرون ان ای دراسه للمشاکل الناجمه عن تخلفهم يجب ان يراجعوا فيها الغرب.

 

من هم الذين يطرحون هذه القضيه بين الغربيين؟

فی الظروف الراهنه و لاسباب مختلفه، نجد الاسلام يدور حتی فی اذهان الجماهير، و هذا يعود بالدرجه الاولی الی تناوله من قبل وسائل الاعلام. و هذا الشعور ليس ايجابيا طبعا، بل و يمکن ان يکون سلبيا ايضا، حيث تختلف درجه سلبيه باختلاف البلدان و الظروف.

و عدا هذا فالاسلام اليوم اعظم هاجس ينتاب الاستراتيجيات و کافه المسؤولين عن حفظ الامن الاجتماعی و السياسی الغربی، حيث يعتقدون انه _ کدين وثقافه و حضاره _ لا ينسجم مع خطوطهم العامه و مبادئهم التی الفوها. و علی هذا الاساس فهو بالنسبه اليهم يشکل اخطر العقبات التی تعترض طريق الثقافه و الحضاره الغربيتين و مسارهما التاريخی.

 

و هل يفکر المسلمون ازاء الغرب بنفس هذه الشده؟

لقد فکر المسلمون علی هذا الصعيد منذ الالتقاء الاول بينهم و بين الحضاره الغربيه، و هم اليوم اکثر جديه فی ذلک سيما فی الاعوام الاخيره بعد حدوث کثير من الحوادث التی اججت هذا التفکير مثل انهيار العراق، و سقوط اوربا الشرقيه، و تحول العالم الی معسکر واحد الی حد ما، و طرح النظام العالمی الجديد. و الکثیر من التحولات السياسيه سيما فی العالم العربی جديره بالدراسه علی ضوء هذه المستجدات، و علی راسها ابداء الرغبه فی قبول الکيان الصهيونی. بل ان هذا الرغبه تجلت عند البعض بصوره اعظم مما کان يطمح اليه الغرب و الصهاينه. و لم يکن هذا ناجما عن دوافع سياسيه فحسب، بل انهم قد توصلوا الی نتائج جديده خلال تقييمهم لاوضاعهم و حجمهم قياسا الی الحضاره الجديده، و قد املت هذه النتائج الجديده اتخاذ سياسه جديده. و بعباره اخری فان السياسه الجديده انما هی انعکاس للفهم و التصور الجدی الی حد ما.

و قد خفت حده هذا التیار بعض الشیء، و لا يمکن تجاهل ان فهم المثقفين المسلمين و الدبلوماسيين و اصحاب النفوذ للغرب قد طرات عليه بعض التغييرات، و ان ذلک سيستمر. و المسلمون يتطلعون اليوم اکثر من ای وقت مضی الی التعرف علی خصمهم التاريخی.

 

و هل هذا الشعور عام عند المسلمين؟

ليس کذلک، فالعالم الاسلامی مترامی الاطراف يمتد من اقصی آسيا و حتی العمق الافريقی، و لکل بقعه من بقاعه تاريخ وثقافه و مشاکل و تجارب سياسيه و تاريخيه خاصه بها. و مفهوم الغرب عند المسلم الماليزی او الاندونيسی يختلف کثيرا عنه لدی العربی التونسی و المصری و العراقی و حتی الايرانی و الترکی و الباکستانی. لکن هذه القضيه مهمه من وجهه نظر الجميع، و ان تناولها کل منهم حسب اسلوبه الخاص و انطلاقا من فهمه الخاص.

 

و کيف تقيمون العلاقه المتبادله بين الاسلام و الغرب حاليا؟

لا شک انه قد طرا تحول کبير علی هذه العلاقه خلال الفتره الاخيره، و یبدو انه سيستمر.

ماذا تعنون بالتحول الکبير و کيف سيستمر؟

ان هذا التحول يعود بالدرجه الرئيسيه الی الغربيين، و ناجم عن استيعابهم لهذه الحقيقه و هی ان الکثير من مظاهر هذا الدين و التی لا تحظی برضاهم نابعه فی الحقيقه من دالخ هذا الدين و ليست متاثره بدوافع سياسيه خارجيه، فانتم تعلمون ان الغربيين حساسون جدا حيال الاسلام السياسی سيما خلال العقود الثلاثه المنصرمه و بشکل خاص خلال العقد الاخير. و يعتقدون ان بعض الظواهر _ مثل اقبال الشباب المسلم المهاجر الی الغرب علی الاسلام _ متاثره بالاسلام السياسی. و لهذا نجدهم يتحسسون ازاء قضايا کالحجاب الاسلامی، و قد بلغت هذه الحساسيه ذروتها فی بدايه التسعينات کما تعلمون.

و فضلا عن السبب اعلاه هناک عوامل اخری ايضا، حیث انهم اذعنوا بضروره القبول بحقيقه تواجد المسلمين فی اوربا، اصليين و مهاجرين و تحول الاسلام الی الدين الثانی بعد المسيحيه فی کثير من بلدانها. کما ان قضيه امن جنوب اوربا و البحر المتوسط قد اصبحت قضيه مهمه بالنسبه لهم. و مجموع هذه العوامل يقف خلف تلک التحولات.

 

و هل تعتقدون ان امن البحر المتوسط مؤثر الی هذا الحد فی فهم الاوربين للاسلام؟

هکذا بالضبط. فقد اخذت قضيه البحر المتوسط و امنه شکلا آخر بعد انهيار المعسکر الشرقی. فقد کان المنحی السابق يؤکد علی حفظ توازن القوی بين الشرق و الغرب فی منطقه البحر المتوسط، الا ان هذا المنحی قد تغير بشکل کامل بعد تقطع اوصال الاتحاد السوفيتی. فاوربا و لا سيما بلدانها الجنوبيه تشعر اليوم انها قد تحولت الی جيران حقيقيين لبلدان شمال افريقيا، و ان ای تغيير يطرا عليها لابد و ان يترک بصمات تاثيره فيها ايضا. و نحن نعلم ان اغلب هذه البلدان تفتقر الی الاستقرار الاجتماعی و السياسی و قد کشفت عن ذلک الاحداث التی تشهدها الجزائر، و ان اهم عاملين يمکن ان يحفظا ثباتها هما: اولا _ اعتماد و تاکيد الانظمه الحاکمه علی الشعائر الاسلاميه، و ثانيا _ توفير الارضيه لتنميه اقتصاديه و صناعيه.

و الحقيقه هی ان الغربيين لم يعلنوا صراحه عن العامل الاول و لم يحاولوا الاشاره اليه، بل يؤکدون علی العامل الثانی، و ان کان البعض منهم يتحدث عن الديمقراطيه و الشرعيه السياسيه، غير انهم يثيرون العامل الاول فی احاديثهم الخاصه و يولونه اهتمامهم. و هذا ما يؤکد علی عدم استطاعتهم تجاهل الحقيقه الاسلاميه لبلدان جنوب البحر المتوسط.

 

الا تعتقدون ان الفهم المتبادل بين المسلمين و الغربيين متاثر بشکل کبير بالفهم التاريخی؟

نعم، ولکن لا يعد هذا الکلام کاملا خاصه فيما يتعلق بالاوربيين و قلما وجد دين مثل الاسلام و المسيحيه الغربيه کان لهما تاريخ حافل بالخصومه و الصراع. فهناک ماض مؤثر و لاشک، الا ان فهم المنظمات العنصريه و الدينيه و کذلک الشعوب الاوربيه _ فی اوربا الحاليه علی الاقل _ متاثر بالاراده و الرغبه الحاليه اکثر من تاثره بالخلفيه التاريخيه.

فهل يعنی هذا ان الوضع القائم هو الذی يصوغ فهمهم التاريخی للحقائق الماضيه؟

الغربيون يميلون نحو رؤيه الماضی و تقييمه علی اساس حاجات و رغبات و ضروريات الوضع القائم. و هذه النقطه تصدق حتی علی الآخرين، لکننا نشاهد هنا نزعه واعيه بل و ملتزمه، و تعززت هذه النزعيه لديهم بعد الشعور بالحاجه الی تقارب اکثر.

فالتاريخ الاوربی الحالی حافل و اکثر من ای تاريخ آخر بالحرب و النزاع و العنف و الصراع السياسی و حتی الثقافی. الا ان العلاقه بين مختلف البلدان لا يمکن تقييمها علی اساس الحقيقه التاريخيه، بل ان هذه الحقيقه قد تختفی تحت ظلال الرغبه فی التقارب.

فتاريخ العلاقه بين القوی الاوربيه الکبری کالمانيه و فرنسا و بريطانيا و ايطاليا و اسپانيا و النمسا و هولندا حافل بالصراع و الحرب، غير اننا قلما نسمع من يتحدث عن ذلک او يدعو الی تنظيم العلاقات القائمه علی اساس الخلفيه التاريخيه. و هذا الکلام لا يصح فقط علی العلاقه بين البلدان و انما ايضا علی العلاقه بين الاديان و المذاهب.

فاذا کان الفهم الاوربی الراهن للاسلام متاثرا بالدرجه الاولی بفهمهم التاريخی له، فان ذلک يکن بسبب الحقيقه التاريخيه، بل لان الاوربيين يرغبون فی ابقاء الماضی حيا ليترک تاثيره علی الوضع القائم و يبلوره، بل ان هناک من يشعر بالحاجه اليه فينبری لاثارته. لهذا يجب الا نبحث عن جذور المشاکل فی التاريخ، علی الاقل فی الظروف الراهنه، فيجب البحث عن الجذور الرئيسه فی الدوافع التی تريد ان تبقی علی ذلک التاريخ و تؤکد عليه.

 

هل تعتقدون ان فهم المسلمين للغربيين متاثر بشکل کبير بالخلفيه التاريخيه؟

طبعا، القضيه بهذا الشکل. و قد اشرت الی ان هذا الامر اکثر ما يتعلق بالاوربيين و يعد من خصوصياتهم، و قد تبلورت هذه الخصوصيه بعد الحرب العالميه الثانيه و تحولت الی حب التسلط و السيطره، و توجد فی اوربا اليوم فرق صغيره تعارض هذه النزعه و هی تتهم بمختلف التهم من قبل وسائل الاعلام.

طبعا ان معرفه العناصر التاريخيه التی بلورت فهم المسلمين للغرب و مدی انطباق التصور القائم لهذه العناصر مع الحقيقه التاريخيه، و طبيعه ترکيب تلک العناصر بحاجه الی دراسه و تامل. اضف الی ذلک ان تجربه المسلمين بشتی شعوبهم مع الغربين، لم تکن واحده.

 

يوجد بي