في ذكري رحيله

الامام الخميني و جدل الصراع بين الاصاله و التبعيه

محمد هادي

 

     فيما كانت الحكومات سابقا تصف كل فعل تغييري بالتبعيه و العماله للاجنبي او احدي القوتين العظميين، فان ما فعله الامام الخميني هو ما استقر في ذهن الجماهير من ان نهضه الامه كفيله باحداث و انجاز عمليه التغيير الحقيقيه التي تعجز عن مواجهتها الحكومات و القوي الكبري التي تدعهما ايضا و هذا هو الذي عزز الثقه في نفوس الجماهير لكي تتحرك في العراق و البلاد العربيه و الاسلاميه ايضا

     مثلما خرجت الملايين لتستقبله و هو يضع قديمه علي ارضيه مطار مهرآباد الدولي بطهران عام 1979، خرجت الملايين بعد عشر سنوات لتودعه في مثواه الاخير عام 1989 م هذا هو الامام الخميني (رض) صانع ثوره الاسلام و المستضعفين في ايران و مفجر صحوه المسلمين في كل مكان و هم يقفون علي اعتاب القرن الواحد و العشرين.

     و بين عودته الي بلاده و رحيله الي الملكوت الاعلي تمتد فتره من الزمن .. قيل فيها عن الرجل العظيم و ثورته و منهجه و انجازاته الكثير لكن الحديث عنه لا يزال طريا فهو لم يزل حتي بعد تسع سنوات من رحيله حاضرا في جدل الصراع بين مشروع الاسلام المعاصر و بين قوي الهيمنه و التبعيه في هذا البلد او ذاك و في هذه القاره او تلك.

     و اذا كان الحديث عن النتائج السياسيه للثوره التي قادها الامام الخميني و تاثير تلك النتائج علي توازنات القوي في منطقه توصف دائما بانها تمثل بؤره للمصالح الغربيه او الاميركيه بشكل خاص فان هناك ما هو مهم ايضا في انجاز القائد العظيم يتمثل في القدره علي اعاده تشكيل العقل المسلم المعاصر بعد ان حرره من رواسب العقد القديمه او كما يحلو للبعض ان يعبر عنها «بالثوابت» الدوليه و خصوصا تلك المتعلقه بجدل الصراع بين القوي الميهمنه و القوي المستضعفه.

 

التبعيه و الاصاله

     لفتره طويله اعقبت الحرب العالميه الثانيه و ظهور الحرب البارده و انقسام العالم بين قطبين يتنازعان شد الاطراف و تقسيم المصالح و النفوذ و تقديم النموذج الفكري و الاجتماعي لدول التبعيه الشامله.

     هذه الفتره و هذا التجاذب اثر بشكل و آخر في تثبيت مقولات استندت في غالبها الي الواقع الآني الاحادي الجانب اكثر من استنادها الي الرؤيه الشامله و الاحتكام العقلي و المنطقي و استقراء التاريخ و مفاعيل القوه و التاثير علي طول الخط.

     من هذه المقولات ما استقر في الذهنيه العامه من ان التبعيه لاحد القطبين هي ضمانه النجاح في اي عمل تغييري حقيقي او غير حقيقي، و التنميه و التقدم. لقد ظلت شعوبنا العربيه و الاسلاميه طيله العقود التي سبقت الثوره الاسلاميه في ايران متاثره الي حد كبير بهذه المقوله حتي اصبحت عند الاغلبيه نوعا من الحقيقه الثابته. و علي قاعدتها انطلقت اعمال انقلابيه و مؤامرات ناجحه و غير ناجحه كانت توصف لاول وهله بانها تنتمي الي المعسكر الشرقي او المعسكر الغربي اكثر من توصيفها بالانتماء الوطني و مشروعات التغيير في البني الاجتماعيه من السياسيه و الاقتصاديه و بالتالي اكثر من توصيفها بطبيعه مشروعه الذي تحمله الي الامه و الذي من اجله جاءت الي السلطه.

     هذه المقوله فعلت فعلها السيء في اذهان الامه الي الدرجه التي جعلتنا نلاحظ ان عالمنا العربي بشكل خاص شهد تطور دور النخب السياسه و تبرعها في احتلال موقع المتحدث باسم الجماهير الغائبه و بالتالي نشهد ايضا عدم وقوع ثوره شعبيه تغييريه ناجحه منذ انطفاء نار الحرب العالميه الثانيه و حتي اليوم.

     و قد يكون الامر علي الصعيد الاسلامي مختلفا حين نحجت القياده الفذه للامام الخميني الراحل في تثوير الشارع و ترصيف القوي الفاعله فيه لتقدم بالتالي النموذج الذي يقول ان مقوله التبعيه ما هي الا جزءا من مؤامره اشتركت في صياغتها القوي الكبري من جهه و السلطات الحاكمه ايضا باعتبارها تهمه توجهها ضد اي عمل معارض للسلطه الحاكمه.

     لقد اكد الامام (رض) في اكثر من مناسبه عبر الحديث و عبر الوقائع و الاحداث بان العمل الثوري التغييري الشعبي الذي ينبثق من عمق اراده الجماهير ياتي دائما متناسبا مع مقاسات و تطلعات الامه، و قد تحدث اخطاء و اخفاقات في جوانب تطبيقيه معينه، لكن الثوره تبقي منتميه الي نفسها و الي تطلعاتها و اولوياتها هي اما في الانقلاب او المؤامره التي تحوكها النخب السياسيه و العسكريه فان الحديث ياتي وفق مقاسات القوي المحركه و الدافعه و ليس وفق مقاسات الامه دائما.

     لقد استلم الامام الخميني الراحل دوله انهارت فيها كل المؤسسات القديمه و سيشهد التاريخ القريب و البعيد انه صنع معجزه قل نظيرها في التاريخ و هي القدره علي اعاده تنظيم قدرات الامه و طاقتها لتقف قويه و صلبه امام القوي التي كانت تتآمر عليها داخليا و خارجيا و نجح بالتالي في صناعه دوله ظلت طيله عقدين من الزمن هي عمرها لحد الآن تحتمي بسور الجماهير المؤمنه بها و بفعلها.

     و اذا كانت ايران هي الساحه المباشره للفعل الخميني، فان الساحات الاخري في الجوار او الاقاليم البعيده ادركت فيها الجماهير ان المقوله الصحيحه هي: ان الاصاله هي القادره علي احداث التغيير الحقيقي.

     و من هذا المنطلق اصبح التفكير باقامه الحكومه الاسلاميه او تطبيق الشريعه الاسلاميه او التصريح بالافكار الاسلاميه فيما يتعلق بشؤون الدوله و ادارتها السياسيه و الاقتصاديه و الاجتماعيه، هو الجامع المشترك الذي ينتظم ما يعبر عنه الان بالصحوه الاسلاميه.

     لقد نقل الامام الخميني الراحل طرفي المعادله و مصاديقها ففيما كانت الحكومات سابقا تصف كل فعل تغييري بالتبعيه و العماله للاجنبي او احدي القوتين العظميين، ‌فان ما فعله الامام الخميني هو ما استقر في ذهن الجماهير من ان نهضه الامه كفيله باحداث و انجاز عمليه التغيير الحقيقيه التي تعجز عن مواجهتها الحكومات و القوي الكبري التي تدعهما ايضا و هذا هو الذي عزز الثقه في نفوس الجماهير لكي تتحرك في العراق و البلاد العربيه و الاسلاميه ايضا.

     ان الصحوه الاسلاميه اليوم و انجازاتها التي تحققت هنا و هناك سواء في تطبيق الشريعه الاسلاميه او دخولها كطرف معترف به في المؤسسه السياسيه الحاكمه يعود الفضل فيه الي ما انجزه الامام الخميني (رض) في عمليه التغيير الكبري التي حدثت في ايران قبل تسعه عشر عاما سواء رضيت الاطراف الاسلاميه او غيرها هذا الانتماء او رفضته فان ذلك لا يغير من الحقيقه شيئا.

 

من النظريه الي الواقع العلمي

     و فيما كانت النظريه (الاصاله) تقوم علي اساس ثوابت الانتماء للدين باعتباره صاحب القول الفصل في تحديد شكل العلاقه مع الآخر مهما كان نوعه و لونه،‌ فانها كانت تحتاج الي مساحه فعل عملي تثبت من خلاله قدرتها و موضوعيتها و صحتها في عالم اشتبكت فيه المصالح و اصبح فيه مفهوم الامن القومي الاستراتيجي يحمل مفهوما شاملا و عاما لا يقتصر علي النظر الي المساحه الجغرافيه التي تعطي لكل مجموعه بشريه اسمها كوطن و دوله.

     هذا المفهوم الشامل للامن القومي الاستراتيجي قد يفسر لنا الكثير من التساؤلات و الاستفهامات حول الاصرار الاميركي مثلا علي معادات الثوره الاسلاميه في العراق بل معادات الامام الخميني (رض) من خلال معادات الثوره فايران الجديده التي صنعها الامام الخميني (رض) و صاغ هويتها من جديد لا تشكل خطرا مباشرا ضد اميركا بما هي دوله داخل حدودها الجغرافيه، لكنها حتما تهدد اميركا بماهي دوله تبحث عن امنها الاستراتيجي خارج حدودها دائما ...

     ان مساله الطاقه و الاقتصاد و المصالح الاقتصاديه و اسواق التجاره كلها تشكل زوايا مهمه في تلك المصالح او ان امتداد النموذج الثوري الاسلامي الذي صنعه الامام الخميني، و هو نموذج يقوم علي اساس الاصاله و نبذ التعبيه سيؤدي حتما الي ان تخسر اميركا و غيرها من الدول المتحالفه معها مصالحها علي كل الاصعده في اكثر من منطقه في العالم بل في المنطقه الاهم استراتيجيا في العالم و هي المنطقه التي يمكن ان نعبر عنها بمخزن النفط و سوق التجاره.

     لقد اكد الامام الخميني (رض) من الناحيه العمليه علي قدره و مصداقيه مقوله الاصاله و قدرتها علي تحقيق غاياتها و اهدافها ليس فقط بعيدا عن دعم القوي الخارجيه بل قدرتها ايضا علي الصمود تجاه كل الضغوطات و المؤامرات التي حاكتها القوي الكبري ضد الثوره.

     لقد نجح الامام الخميني (رض) في ذلك علي الصعيد العملي،‌ حين قاد الثوره عبر جميع مساراتها بعوامل قوه داخليه و نجح ايضا حين قادها بعد انتصارها عبر جميع مساراتها الشائكه المحاطه بالغام المؤامرات و التحديات الداخليه و الخارجيه.

     و هكذا اكد الامام الخميني (رض) علي الصعيد العملي ان الثوره بامكانها ان تنجح بعيدا عن الدعم الخارجي، ليدخل بذلك حقيقه جديده اصحبت جزءا من العقل المسلم المعاصر، و هي ان الاصاله هي القادره فعلا علي انتاج فعل قوي و مؤثر يحمل معه عوامل بقاءه و استمراره رغم كل الدسائس و المؤامرات.

 

الوحده ـ العدد 215