حوار مع الدكتور عبد الرزاق قسوم

من اجل منهج اسلامي متخصص

حاوره: خالد توفيق

 

     شغلت مقوله المنهج و ما تزال مداراً واسعاً تفكير الاسلاميين و كتاباتهم، و ربما كان السؤال الاساس لهذه المقوله يتمثل بمدي الحاجه الي الاستقلال المنهجي. فهل يمارس الاسلاميون نظام الفكر بأدوات الآخرين و اطرهم، ام يتجهون لبناء منهجيتهم الخاصه بهم؟

     و اذا كان يمكن التعاطي مع مناهج الآخرين؛ المنهج الغربي بالذات، علي مستوي المعارف النظريه الدقيقه و العلوم المحضه؛ فهل يمكن تعميم المناهج الغربيه علي مستوي العلوم الانسانيه ايضاً؟

     عرضنا هذه الهموم علي الدكتور عبد الرزاق قسوم استاذ الفلسفه بجامعه الجزائر، و تدارسنا الموضوع و ايّاه، فتلقانا برحابه صدر و اخلاق دمثه، و اجاب علي اسئلتنا بوضوح كاف، فكان هذا اللقاء:

     - هل تعتقدون بضروره ان تكون مناهج للمعارف الاسلاميه خارج الاطار السائد لما يطلق عليه بالمناهج العلميه المتداوله بين الدراسين، المستمده اساساً من الخبره الغربيه؟

     * انه للاجابه علي هذا السؤال ينبغي البدء بتحديد بعض المفاهيم الوارده في ثنايا السؤال، لتكون الاجابه منهجيه وفقاً لما يهدف اليه السؤال.

     و التحديد الاول ينبعث من مصطلح «المنهج» الذي اصبح لكثره استعماله في ثقافتنا و فكرنا، يعاني من اضطراب في الاستخدام، افرغه من محتواه الصحيح او كاد.

     انّ من المتعارف عليه لدي انماط البحث السائده، ان المنهج وعاء علمي للفكر يقوم علي مقدمات سليمه ليفضي الي نتائج يفترض ان تكون سليمه، خاصه في المسائل ذات الطابع العلمي الدقيقي. غير ان تعامل فكرنا العربي ـ الاسلامي مع المنهج يضفي عليه نوعاً من السطحيه تختزله الي مجرد اسلوب في الكتابه او طريقه ما لعرض الافكار دون التقليد بقوالب علميه تتطلبها قواعد المنهج.

     علي انّ هذه الدقه العلميه التي هي من متطلبات المنهج العلمي في قوانين المعرفه خارج ثقافتنا، ليست هي الآخري بمنأي عن النقد عندما يتعلق الامر بمناهج العلوم الانسانيه و لاسيما الاجتماعيه منها. ذلك ان النقد العاقل الموجّه الي مناهج هذه العلوم يتمثل في اعتبار هذه العلوم علوماً لا يمكن ان تحمل طابع العلميه الاّ تجاوزاً، و بالتالي فهي الصق منها بالذاتيه ـ مادامت تنطلق من الانسان و اليه تعود ـ اكثر منها بالموضوعيه.

     اذن، فانّ الانسان الذي هو واضح هذه المناهج لا يمكن ان تنفصل هذه المناهج بشكل او بآخر عن ذاتيته، و تتعدد ذاتيه كل منهج و قوالبه الفكريه بتعدّد الانسان و المجتمع الذي يتعامل مع هذه المناهج، فتتلون بتلوّن هذا الانسان او ذاك المجتمع.

     و حيث ان العلوم الاجتماعيه قد اضحت خاضعه في تصوراتها و قوالب تفكيرها و صياغه مناهجها، لذاتيه الانسان الغربي بالآيديولوجيه المختلفه، فلا مناص من ان تأتي هذه المناهج مطبوعه بذاتيه هذا الانسان الذي تتجه اليه؛ او بالاحري الذي هو واضعها.

     من هنا تأتي خطوره تداول هذه المناهج في معارفنا الاسلاميه. التي تتميز بخصوصيات معينه، هي في معظم الاحيان لا تخضع لنفس مميزات المعارف الاوروبيه او الاميركيه علي سبيل المثال.

     لهذه العوامل كلّها، اصبحت الحاجه ملحه الي ضروره تصحيح مدلول المناهج في فكرنا اولاً، ثم العمل علي وضع مناهج دقيقه، تقدّم علي مقدمات سليمه، و لكن تنطلق من تصورنا المعرفي الاسلامي لها، حتي تتسم باستقلاليتها المميزه، و تستجيب للوعاء الفكري الذي هو من مقومات الآيديولوجيه او العقيده التي تصنع انماط تفكيرنا الاسلامي. و الامثله التأريخيه من فكرنا عديده، و لا مجال لعرضها في مثل هذا الحديث العابر.

     - هل تتأكد الحاجه اكثر الي خصوصيه المنهج الاسلامي اذ ارتبط موضوع البحث بالعلوم الادبيه و السلوكيه من قبيل التأريخ، الاجتماع، النفس، الفلسفه و السياسيه؟

     * ان الاجابه علي هذا السؤال ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالسؤال السابق، ذلك ان المميزات المتعلقه بكل منهج، و التي ذكرنا جانباً منها في الجوانب السابق انما تجد تجسيداً لها في هذه العلوم المتخصصه و المتصله مباشره بالانسان.

     فالذاتيه المنهجيه التي تطبع الدراسات السلوكيه الغربيه، هي ابرز مثال يمكن ان نسوقه علي سلبيات المناهج الغربيه، عندما نتعامل مع فكرنا، و تراثنا التأريخي و الاجتماعي و الفلسفي و السياسي.

     فالاحكام التعسفيه التي تصاحب دراسات المفكرين الاجانب للانسان و المجتمع المسلم، و تأريخه الفكري او السياسي، و فلسفته، هي النموذج الذي يؤكد حقيقه عدم حياديه المناهج المعرفيه السلوكيه.

     فالتأريخ وعاء للشعوب، و لا يمكن ان يكتب من خارج احداثه، و الاعتماد علي عناصر حيه هي المقومات الاساسيه للمنهج التاريخي.

     بدافع من الحرص علي حمايه الشعوب لتأريخها من التشويه و المسخ. تعمد ثورات فتيه اليوم الي عمليات اعاده كتابه التاريخ، بجمع الوثائق الضروريه المكتوبه و الشفويه، و اسناد تدقيق صحتها الي اولئك الذين عاشوا احداثها بكيفيه مباشره، ثم اسناد مهمه صياغه هذه الوقائع الي لجان متخصصه، من باحثي و مؤرخي هذه البلدان بالذات.

     و لعل المثل الذي يساق في منهجيه استقراء التأريخ نجده لدي الثوره الاسلاميه الجزائريه التي قدمت باسم الاسلام مليوناً و نصف المليون شهيد. و الثوره الاسلاميه في ايران مدعوه هي الاخري الي ان تقوم بتطبيق هذه المنهجيه بعد ان تهدأ وقائع الاحداث، لتنقذ تأريخها مما قد يتعرض له من تشويه علي ايدي خصوم الاسلام الحاقدين عليه.

     فاذا اخذنا قضيه الفلسفه نجد مثالاً اسوأ لتطبيق المنهج المعرفي، ذلك ان القوالب الفكريه الاوروبيه تختلف اختلافاً جوهرياً عن مقومات العقل المسلم، فالفلسفه هي الفكر الاستدلالي المنظم الذي تتناول مسائل علي قدر كبير من الخطوره بالنسبه الي توجيه العقل البشري، مثل قضيه الله و الكون و الانسان و محاوله بحث العلاقه بين هذه الجواهر الثلاثه، و طبقاً لتصور كل فكر لهذه المفاهيم تصاغ مناهج المعرفه كوعاء لايصال المعرفه الي اهدافها العلميه و العقليه المنشوده.

     فاذا ادركنا مدي التباين، بل و التناقض القائم بين التصورين لله و الكون و الانسان، تجلت حتميه احداث منهج اسلامي للمعرفه الشامله، صيانه للعقل المسلم من الالحاد و التيه و الضياع.

     - هل يأخذ «المنهج الاسلامي» المنشود صياغه الخاصه كلما يدخل بمبحث بعينه، مثل منهج للبحث التأريخي، و منهج للبحث الفلسفي، و آخر للبحث الاجتماعي و هكذا؟

     * ليست التجزيئيه في «المنهج» الا وسيله من وسائل التحليل العلمي، امعانا في نشدان الدقه المعرفيه، و اليقين الفكري باقصي نسبه ممكنه. و المنهج الخاص ببحث العلوم الاجتماعيه من تأريخ و فلسفه و علم اجتماع، يعتبر منهجاً متكاملاً و لا يختلف في جوهره و كلياته، مادام يعني بالانسان الذي هو عضو المجتمع. و ان وجدت بعض الخصائص و المميزات فهي تفاصيل تميز هذا الانسان. او ذاك المجتمع في بعض المعالم و القسمات.

     من هذا التحديد يمكن تصور «المنهج الاسلامي» المقصود الذي من ابرز خصائصه الشموليه. فالاسلام هو الدين الانساني الذي يضفي علي افراد مجتمعه طابعاً من الشموليه تذيب معظم المميزات ذات الطابع العرقي او الاقليمي او الطائفي او الطبقي، لتصهرهم جميعاً في بوتقه معرفيه واحده، هي بوتقه المعرفه الاسلاميه التي وضع اسسها الله تعالي.

     لذلك نجد ان «المنهج الاسلامي» المتعلق بالبحوث الاجتماعيه للامه الاسلاميه، لا يكاد يختلف في جوهره بين مبحث و آخر داخل المجتمع الاسلامي مادام هذا المجتمع الاسلامي في قسماته العامه، يبني قوالبه الفكريه و صيغه الحضاريه علي مباديء ثابته، عكس ما تجده في المجتمعات ذات المعتقدات او الآيديولوجيات المغايره. و هذه لعمري هي الميزه الرئيسيه للمنهج الاسلامي المعاصر الذي يضطلع لمهمه وضعه رجال الفكر الاسلامي اليوم. و ليست بالمهمه اليسيره في نظرنا، و لا يمكن تجاوز عقباتها المرحليه الا بالوعي؛ الوعي في أدق و اعمق مدلولاته، و هذا هو التحدي الكبير الذي نواجهه.

 

الوحده العدد 197