كيف السبيل الي حاكميه الاسلام؟

الحداثه أم التحجّر؟

مرتضي آويني

 

     انسجام النظام الغربي الفكري و السياسي و القيمي مع اطباع الانسان الاوليه، حقيقه ينبغي ان لا نغفل عنها ابداً. و ان هذه الاطباع تنزع الي هذا النظام و تتفاعل معه تلقائياً و لا ارادياً .. و في اعتقادي ان لفظه «البداوه» تناسب طبيعه هذا النظام اكثر مما يصطلح عليه اليوم بالحريه و الحضاره الغربيه. فكلما ابتعد الانسان اكثر عن البداوه باتجاه التسامي الروحي، الذي هو غايه خلقه، كلما حجمت ميول اطباعه الاوليه اكثر فاكثر. و من هنا فإن «الحريه» بالصوره التي تفهم بها في عالم اليوم، لا تمثل هدف الانسان المؤمن المتسامي مطلقاً. فهذه «الحريه» لا ينشدها سوي الاناس البدويين، و البداوه هنا لا تعني الجهه المقابله للحضاره. اذ ان انسان اليوم يفهم «البداوه» بمثابه نقيض لمفهوم الحضاره، و كذلك سوف يندهش و يعجب لهذا التعبير .. و لكن البداوه التي نعنيها هي كل ما يتعارض و يتناقض مع السمو الروحي. فالسمو الروحي هو هدف الدين و الوحي و غايته. و ان الحضاره الغربيه قد ابعدت الانسان عن الدين و التدين، و ساقته اكثر من ذي قبل نحو بداوه و جهاله العصور الجاهليه .. و من جهه اخري، فإن هذا العصر هو عصر استحاله الحضارات التاريخيه و صيرورتها في صلب الحضاره الغربيه. اذ ان حياه بني الانسان في ايه بقعه من الكره الارضيه لها صوره واحده. و ان تقنيه الاتصالات الدوليه استطاعت ان تبث الفكر الغربي عبر شبكه واحده الي مختلف انحاء العالم، شئنا ذلك ام أبينا. و قد اصبح الفكر الغربي و قيمه امراً معهوداً و متعارفاً بالنسبه لابناء الكره الارضيه، و هم في الاساس لا يمتلكون الفرصه و القدره علي الخروج من سيطره هذا الامر المتعارف او تقويمه ..

     و في داخل البلاد ايضاً هناك الكثير ممن هو واقع تحت سيطره هذا الامر المتعارف، ينظر الينا و الي أعمالنا و سياساتنا من هذا المنطلق و الرؤيه، التي هي عُرف المجتمع الغربي و المتغرب.

     ماذا ينبغي لنا ان نفعل؟

     مما لاشك فيه انه في مثل هذه الظروف التي تقاس سياسات النظام الاسلامي بمقياس العرف السائد في بداوه و جاهليه المجتمع الغربي، لا يمكن مطلقاً تحكيم التعاليم الالهيه و تجسيد الصوره الاسلاميه المطلوبه مره واحده، دون الاخذ بنظر الاعتبار اراده جميع فئات المجتمع.

     ان اهتمامات النظام القيمي للفكر الغربي، الذي يفرض سيطرته اليوم علي انحاء كثيره من العالم، لا تعتبر امراً مخالفاً للعرف. فتناول مشروب يزيل العقل و يفقد الانسان اختياره، لا يعتبر في الغرب فعلاً مخالفاً للعرف. كذلك القمار و الزنا، و الشذوذ الجنسي، و التظاهر و الغرور و العجب، و عبوديه الآخر، و عبوديه الذات، و حتي الانتحار، فكل هذا لا يعتبر امراً مخالفاً للعرف. بل صنع هؤلاء معدات و وسائل يمكن بواسطتها التخلص من شر الحياه بسهوله مفرطه و في عين الاحساس باللذه. ففي الغرب و تبعاً لذلك المجتمعات المتغربه ان الكتابه في هذه الانواع و الاقسام من الامور المتعارفه، امر مسموح به بل و حتي انه يمتدح. و اساساً ان الانسان في هذه المجتمعات ليس له  هاجس غير ان يقضي اوقات فراغه منغمساً في الشهوات و اللذائذ المختلفه. و في ساعات العمل ايضاً يلهث كالكلب من اجل تأمين مستلزمات تمتعه باوقات فراغه. ان هذا التضاد و التعارض الذي يبدو في انظارنا تافهاً، هو بالنسبه لهم امر متعارف تماماً. ففي الغرب، و تبعاً لذلك المجتمعات المتغربه، تعتبر صناعه الافلام التي تناغم العرف، مسموح بها كلياً. كأن مثلاً تصور لك امرأه متزوجه تمارس العشق مع رجل آخر، و يتكرر ذلك مع ثلاثه اشخاص، و حتي في المره الثالثه لا يكلل بالنجاح.

     يقال؛ «الحريه من وجهه نظر هؤلاء، يعني التحرر من جميع الحواجز، لكي يتمكن الانسان من ممارسه كل ما يرغب فيه، و لا يحد هذه الحريه الاّ حدود حريه الآخرين» .. و في مقابل هذا المفهوم للحريه، يصورون صعوبه الحياه الدينيه بالقول: «النظام الذي نطرحه لا يتحقق الاّ عن طريق الجهاد و الرياضه. فاكتساب التقوي عمل شاق جداً. في حين ان هدف الحياه الغربيه الرفاه المادي و التمتع بالحريه. كذلك ان عدونا يبدي غيره و تعلقاً كبيرين بمبادئه الفكريه، و يشن الحرب ضد كل من لا يقبل هذه المباديء. فهو يسخّر جميع امكانياته التكنلوجيه الهائله و قدراته التقنيه من اجل تلقين افكاره و قيمه. و ان مثل هذا يتم في ظرف ايلت الحدود في العالم، و ليس باستطاعه ايه قوه ان تضع حاجزاً بين اذهان الناس و ما يدور حولهم».

     و لابد هنا من الاشاره، قبل مواصله البحث، الي انه لو كنا غيورين تجاه مبادئنا الفكريه بالدرجه نفسها التي عليها الغربيون، لكانت ظروفنا الراهنه افضل بكثير مما هي عليه الآن. هذا فضلاً عن ان اثاره مثل هذه البحوث تعتبر ضروريه، لأننا اذا ما لم نجد اجابات ناجعه لأسئلتنا، و ما لم نصل الي اتفاق في الرأي، فمن غير الممكن مطلقاً ان نصل الي الاسلوب الصحيح للمواجهه و النضال ضد الغرب.

     ان القول بأن ايه قوه ليس باستطاعتها ان توجد حاجزاً بين اذهان الناس و حقيقه ما يدور حولهم في عالم بلا حدود، صحيح تماماً. و لكن هل بامكاننا تحقيق اهدافنا الدينيه عن هذا الطريق فحسب؟ فلأجل ان نجعل الناس تتجه الي الدين، حتماً ينبغي ان نضع حاجزاً بين اذهانهم و الواقع المحسوس. ان هذا يتعارض مع فطره الانسان. و اذا ما وضعنا الحواجز جانباً، فسنري ان دعوه الناس للدين دعوه منسجمه مع ميول الفطره و اهتمامها. علي الرغم من ان طبع الانسان البدوي يعرض عن ذلك.

     انهم يتحدثون عن ذلك و كأن الاصل هو ان حاكميه الاسلام لن تتحقق الاّ في ظل ابعاد الناس عن هذا الواقع اي عرف الحياه الغربيه و المتغربه فحسب. و ان هذا الابتعاد عن الواقع امر غير ممكن؛ و عليه لابد من ترك الاعتراض و الانتقاد جانباً، و التسليم لذلك الذي يريد العدو ان يفرضه علينا.

     و يتضمن هذا الفهم اخطاء ثلاثه اري نفسي مضطراً الي الاشاره اليها:

     اولاً: ان الحياه الدينيه تتطابق تماماً مع فطره الانسان. و ينبغي لنا ان لا نتوهم مطلقاً ان فكرنا يتمتع بجاذبيه اقل في مقابل الفكر الغربي المتعارف .. صحيح ان طبع الانسان الاولي اقرب الي العالم المحسوس، و هو يميل اكثر الي متعلقات حواسه الظاهريه؛ الاّ ان جاذبيه الحياه المعنويه رغم ضيق دائرتها، تتمتع بعمق اكبر و بقاء اطول.

     ثانياً: لقد خلطوا في فهمهم بين العرف الخاص و العرف العام دون ان يفرّقوا بينهما. و تمسكوا بالفئه المعدوده التي لا تكف عن الصخب، و اعتبروها بديلاً عن الجماهير. و هذا الخطأ هو نفسه الذي وقع فيه زملاؤنا في الاذاعه و التلفزيون .. ان «العرف الخاص لمجتمعنا» هو هذا الذي وجد حياته بالارتباط بالغرب، و هو اساساً ليس لديه اي تصور آخر عن الحياه و التاريخ و المجتمع و الانسان غير ذلك الذي يطرحه الغرب. و لابد من الاذعان الي ان المثير من مطبوعاتنا بيد هذه الفئه، و هي تمتلك تجربه تاريخيه طويله تسخرها لخدمه اهدافها.

     بيد ان تجارب عقد من الزمن مما اعقب انتصار الثوره الاسلاميه، اثبتت ان هذا العرف الخاص ليس اكثر من زَبَدٍ فوق مياه نهر متدفق. و ان التحولات التاريخيه التي يشهدها مجتمعنا يتم التحكم فيها من مكان آخر؛ و ان مساهمه امثال هؤلاء المفكرين في هذا التيار لم تتسم بالواقعيه فيما عدا برهه قصيره من نهضه «المشروطيه» .. ان العرف الذي تهتم به هذه الفئه ليس هو العرف العام لمجتمعنا. لان العرف العام لمجتمعنا يستمد وجوده من الشريعه الاسلاميه، و لم يتأثر بالغرب سوي تأثيرات ظاهريه. و لعل هذا ما يفسر كيف استجمعت الجماهير قواها، بعد ستين او سبعين سنه من حكومه بهلوي، و حققت النصر للثوره الاسلاميه .. و الآن ايضاً لم يتغير من هذا الامر كثيراً. فربما تكن مساهمه الجماهير في التحولات التي تشهدها البلاد الآن ليست كما كانت عليه ابان انتصار الثوره؛ الاّ ان حضور الجماهير و تواجدهم في الساحه بالقوه ما زال في اوجه، و من الممكن ان يترجم عملياً في ايه لحظه تحددها فطره الجماهير بوحي من ارتباطها بالولايه.

     العرف العام نهر متدفق في الاعماق، اما العرف الخاص فليس اكثر من زبد يكسو السطح و لا يسمح لنا برؤيه سطح النهر و اعماقه. ان الضجه المفتعله ينبغي ان لا تفقدنا صوابنا و تدفعنا الي ارتكاب الخطأ.

     ثالثاً: الخطأ الآخر الذي وقع فيه هذا الفهم، و الذي تعود جذوره الي رعب هؤلاء من الغرب و رهبتهم منه، هو انهم لا يرون آفاق حركه الثوره، و لا يدركون الظروف العالميه المساعده في هذا العصر، عصر احياء المعنويات و افول الغرب، و بالتالي لا يكلفون انفسهم مشقه تحقيق هذا الهدف.

     لقد غفل اصدقاؤنا عن ان الواقعيه المتعارفه و المعهوده، التي يرون ضروره الالتفات اليها في طريق تحقيق اهدافنا، قد شهدت تحولات اساسيه. و ان تاريخ الكره الارضيه مهيأ الآن لاحتضان ثوره عالميه .. ينبغي ام لا ترعبنا الاذاعات الاجنبيه او الفيديو او حتي القنوات الفضائيه. ان الصراع منذ الآن سيكون اكثر صعوبه. و بدلاً من الهروب منه او جعل الناس يهربون منه و اللجوء الي الشعارات المزيفه، ينبغي الاهتمام بالنضال، و لنكن علي اطمئنان من اننا ندعو الي الفكر التحرري الذي يتطلع اليه العالم اليوم، و الذي كان بانتظاره.

    و لاشك فنحن ندرك هذه المعضله الكبري و هي ان الاسلام كان بعيداً عن ميدان الحياه الاجتماعيه لقرون، و حتي نحصل علي الاجابات اللازمه لمعضلات الظرف الراهن فان ذلك سيستغرق وقتاً طويلاً. و ينبغي ان نلتفت الي ان الاشكال الذي يثار بشأن الفقه المصطلح بعيد عن الواقع. الفقه لا يعاني نقصاً ذاتياً، و كل من يفكر بغير هذا فانه يفرغ الاسلام من قدرته علي تشكيل الحكومه، و ما هو الاّ محاوله لعزل الدين عن سائر شؤون وجود الانسان و حيثياته .. ان هذا الاشكال ناتج عن ان الاسلام خلال القرون الحديثه لم يخض تجربه الحكم السياسي ابداً. اما الآن و حيث اتضحت ضروره ذلك فلا ضير في ان تفتح من جهه ابواب جديده في الفقه للاجابه علي هذه المسائل المستحدثه. و من جهه اخري فان الفكر الذي نما و تطور في شمس الدين و ظلاله، سوف يأخذ علي عاتقه مهمه مواجهه الافكار التي تسعي الي الطعن في الدين و تشويه صورته .. يجب ان لا نتوقع ان يضطلع الفقه المصطلح و الفقهاء بمواجهه جميع الموانع و العقبات مثلاً مواجهه النحل الفلسفه المعارضه للدين التي تقف في طريق حاكميه الدين .. ان علم الكلام لم يظهر الي الوجود الاّ بوحي من هذه المواجهه التاريخيه .. و اذا ما فكّرنا بطبيعه العلاقه بين الفقه بالمعني المصطلح و علم الكلام فسوف يجد الفقه و الفقيه معني اكثر شموليه من المعني المصطلح، و سيكون اكثر قرباً من المعني اللفظي للفقه .. فالفقه بمعناه الاوسع و الاشمل سيضم علم الكلام و حتي علم الكلام الجديد الذي يعتبر سماحه آيه الله مرتضي مطهري (رض) واضع اسسه.

     انه لمن السذاجه ان نعتبر المعترك الفكري الذي خاضه الشهيد مطهري ضد النحل الفلسفيه الغربيه، في الدفاع عن حريم الدين و التدين، من حيث كونه خارج نطاق مفهوم الفقه المصطلح، لا علاقه له بهذا البحث. الاسلام يقدّم حلوله لجميع قضايا الانسان، و لا فرق في ذلك بين اليوم و الامس .. ان هذه الحلول من خلال التفقه في الدين بالمعني العام للحكمه حيث يشمل علم الكلام و جانباً من تاريخ الفلسفه الاسلاميه كانت دائماً ممكنه من خلال التفقه بالمعني المصطلح .. فنحن الذين نعتبر الاسلام قادراً علي تلبيه احتياجات الانسان، لا نقصد ان هذه التلبيه تتم فقط عن طريق الفقه المصطلح .. كذلك حكمه الاحكام الفقهيه، فهي ليست بهذه الصوره كأن تكون حتماً قابله للاستنباط عن طريق الفقه المصطلح. فالحكمه لها معني اعم من الفلسفه، و من الممكن ان تكون حصيله التفكير العقلي اذا ما ارتباط بالحضور الديني .. ان العقل النظري و العقل العملي هما ايضاً وجهان مختلفان لقضيه واحده. و ان العقل يتجلي مره في مقام النظر، و مره اخري في مقام العمل. و ما العمل الاّ صوره ادني من النظر ..

     بناءً علي هذا، فالفراق الذي نعاني منه في النظام الاجتماعي و العلاقات الانسانيه، ليس فراغاً نظرياً. ان كل ما هو موجود ناتج عن ان الحضاره المعاصره هي حصيله فلسفه مقطوعه عن الوحي. فالحضاره الغربيه من جهه هي نتاج تفكير عقلي وجد طريقه الي الوجود علي هامش الفلسفه اليونانيه. و من جهه اخري فهذه هي المره الاولي من الناحيه التاريخيه التي تحدث فيها مواجهه نظريه و عمليه بين فكرنا الديني و الحضاره الفلسفيه الغربيه. ولأن هذه المواجهه تم تحدث من قبل فان الحكمه النظريه للدين لم تجد الفرصه لتتجلي في الواقع العملي و تجيب علي مسائل العصر.

     ان كل من اطلع علي كتاب «دراسه مجمله لمباني الاقتصاد الاسلامي» للمفكر الشهيد الاستاذ مطهري (رض)، بامكانه ان يجد المصداق الواضح لهذه الحقيقه و هي كيف تتمكن الحكمه النظريه للدين من الاقتراب من المعني اللفظي للتفقه. فعلي سبيل المثال رأي الاستاذ الشه