حول حقوق الممرأة في الاسلام

السيد كاظم الحائري

تثار بعض الشبهات حول حقوق المرأة في الاسلام ، يراد منها الانتقاص من قيمة الاسلام بوصفه ديناً سماوياً حقاً ،و اتهامه بالتخلف عن الحضارة العصرية لكونه قد ظلم المرأة في القضايا الاجتماعية و لم يعطها حقها، و حرمها من كثير من الامور و اختص بها الرجل دونها ، و هو بذلك لم يعد في مفاهيمه عن المرأة مستوي فهم العصور المختلفة التي طواها ركب التقدم المعاصر.

و قد اجاب سماحة آية الله السيد كاظم الحائري علي هذه الشبهات،بعدأن حصرها في خمسس رئيسية كالاتي:  ( التحرير )

حول حقوق المرأة في الإسلام :

قد يقال من قبل أعداء الإسلام ، إنّ الإسلام قد ظلم المرأة في حقوقها الاجتماعية في عدّة حقول :

1.أنّه حرمها من بعض المناصب ، و جعل تلك المناصب من امتيازات الرجال من قبيل منصب القضاء ، و الإمرة ، و مدي قيمة شهادتها.

2. أنّه ظلمها في الحقل الاقتصادي ؛ كما يظهر في باب الإرث.

3. أنّه لم ينصفها في حقل الوداد و الوفاء حيث سمح للزوج بتعديد الزوجات ، و لم يسمح لها بتعديد الأزواج ، فلو فرض كون ذلك خلاف مراسيم الوداد و الحبّ و الوفاء فلماذا تحرم المرأة من هذه المراسيم ، و يسمح للزوج بتعديد الززوجات ، و إلاّ فلماذا تمنع المرأة من تعديد الأزواج؟!

4. و ظلمها أيضاً في مجال الحرّيّة الشخصية حيث قيّدها بالحجاب من ناحية ، و جعل الرجال قوّامين علي النساء من ناحية أخري.

5. و قد يكون أشدّ من كلّ هذا أنّ الإسلام لم يعتبرها في حقّ الحياة و السلامة بمستوي الرجل ؛ بدليل أنّه جعل ديتها حينما تصل إلي مستويً معين نصف دية الرجل.

و قبل أن ندخل في تفصيل الجواب عن كلّ واحد من هذه الإشكالات تباعاً نذكر مقدّمةً تجعل موقفنا نحن المسلمين موقف هجوم أيضاً علي مدرسة الغرب ، و ليس موقف دفاع محضاً.

فنقول : إنّ النظرة الذساسية إلي المرأة التي يجب أن تتفرّع عليها كلّ هذه الفروع و أمثالها هي إحدي نظرات ثلاث:

الأولي : نظرة الجاهليّة الأولي إليها التي كانت متعارفة في البيئة التي كان منها رسول الله   r ،و هي أن تعدّ بمستوي الحيوانات أو أتعس ، و لا تعدّ في صفوف الإنسان ، و قد نطق بحكاية ذلك القرآن الكريم كما في قوله تعالي :» و إذا بشّر أحدهم بالأنثي ظلّ وجهه مسودّاً و هو كظيم  يتواري من القوم من سوء ما بشپر به أيمسكه علي هون أم يدسه في التُّراب ) (1) ، و قوله تعالي : » و إذا الموءدة سئلت بأي دنبٍ قتلت « (2) .

الثانيه : نظرة الجاهلية اليوم التي تدّعي أنّها تري المرأة إنساناً كالرجل ، فهي من ناحية تفترض أنّها تري المرأة في عرض الرجل و مثله في الإنسانية ، و من ناحية ذخري تغفل أو تتغافل عن الفوارق الفسلجية و السيكولوجية الثابتة فيما بينهما.

الثالثة : نظرة الإسلام ، فالإسلام يري من ناحية أنّ المرأة في عرض الرجل و مثله في الإنسانية ، و من ناحية أخري لا يغفل الفوارق الفسلجية و السيكولوجيّة الثابتة ـ بحسب طبيعة الخلقة ـ فيما بينهما ، كغلبة الجانب العقلي علي الجانب العاطفي في الرجل ، و غلبة الجانب العاطفي علي الجانب العقلي في المرأة ، و قوّة الرجل بنيةً و قدرةً علي الصمود في خضمّ مشاكل الحياة ، و ضعف المرأة في ذلك ، و كون المرأة مثاراً للشهوة أكثر من الررجل و غير ذلك.

و لئن فرضنا صدق صاحب النظرة الثانية في دعواه للإيمان بالمساواة بينهما في الإنسانية و حقوقها ـ و هذا تماماً هو ما يؤمن به الإسلام ـ فغفلته عن أمر واقع ، و هو الفوارق الفسلجية و السيكولوجية الثابتة بينهما بحسب الخلقة ، أو تغافله عن ذلك أوجبا أن يصل في النتائج الخارجيّة إلي عكس ما عرض الرجل ، فقد أدّت هذه النظرة إلي دمار وضع المرأة ،و تردّي الحالة النفسية و الأخلاقيّة بصفة عامة.

و توضيح ذلك أنّ الإسلام يري أنّ المجتمع السعيد ـ بلحاظ الحياة الدنيا ، و بغضّ النظر عن مسألة الآخرة ـ هو المجتمع المبني من وحدات صغيرة عائليّة متماسكة ، و ذلك بنكتتين :

الأولي : أنّ النظام العائلي هو النظام الأنجح في تأمين ما يحتاج إليه الإنسان من استقرار الحياة و نظمها بأحسن وجه.

و الثانية : أنّ النفس البشريّة بحاجة إلي مسألة الحبّ و الوداد و العطف و الرحمة ، كما هي بحاجة إلي الخبز و الماء ، فإنّ من أهمّ حاجات الإنسان الروحيّة الفطريّة أن يتبادل الحب ،و أن يقيم علاقة الوّد و التعاطف مع آخرين ، و الطفل بطبيعته الروحية يحتاج إلي من ينظر إليه بعين الرأفة ، ويلاطفه بعين المحبّة ، و يداعبه العطف و الرحمة ، و المرأة تحسّ بالحاجة الروحية الماسپة إلي جذب عواطف الرجل ، و لمتلاك قلبه ، و الرجل بحاجة روحيّاً إلي ريحانة يحبّها و ينشئ معها علاقة الودّ و الرعاية إلي جنب العلاقة الجنسيّة ، و مجرد العلاقة الجنسيّة لا تشبع إلاّ حاجته الجسميّة ، و يبقي جانبه الروحي غير مرتو ، و لذا تراهم يريدون أن يشبعوا هذه الحاجة ـ بعد فقدهم للنظام العائلي بشكله الصحيح الإسلامي ـ عن طريق تبادل العشق ، قال الله تعالي : » و من آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودّة و رحمة إنّ في ذلك لآيات لقوم يتفكرون « (3) .

و بما أنّ نظام الغرب أغفل الفوارق الطبيعية الموجودة في خلقة الجنسين أدّي ذلك إلي تذويب النظام العائلي ، و تفسيخ أواصر المحبّة في أفراد العائلة ، كما هو مشاهد في المجتمع الغربي ، و ذلك بنكتتين :

1.        حاجة الوحدة العائلية إلي قيّم يشرف عليها ، و ينظّم أمرها بنوع من الولاية ، و قد فرض لذلك الرجل و المرأة علي حدّ سواء ،و هذا يفقد الوضع العائلي حالة التماسك التي تحدث ضمن تنظيم الأمر عن طريق الولّي المشرف.

2.                  رفع الحجاب عن المرأة التي هي مثار للشوة بحجّة الحرّيّة الشخصيّة ، ممّا أوجب تفسخ الوضع العادلي تفسخاً كاملاً.

و بكل هذا قد فقد المجتمع الغربي نعمة الحبّ و الوداد الحقيقي فيما بين الأفراد ، و حلّ محلّ ذلك التفسخ الذخلاقي و النظرة الحيوانية البحتة في الحياة.

في حين أن الإسلام لاحظ من ناحيةٍ أنّ المرأة كالرجل سواء بسواء في الإنسانية . فجعل يخاطبها بنسق واحد ، قال الله تعالي :» فاستجاب لهم ربهم أنّي لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثي « (4) ، و قال تعالي : » إن المسلمين و المسلمات والمؤمنين و المؤمنات و القانتين و القانتات و الصادقين و الصادقاتو الصابرين و الصابرات و الخاشعين و الخاشعات و المتصدّقين و المتصدّقات و الصائمين و الصائمات و الحافظين فروجهم و الحافظات و الذاكرين الله كثيراّ و الذاكرات أعدّ الله لهم مغفرة و أجراً عظيماً « (5) . و قال تعالي : » و إذا الموءودة سئلت بأيّ ذنب قتلت« (6) .

و لاحظ من ناحيةٍ آخري أنّها تختلف عن الرجل في الخلقة في مدي القوة و الضعف ، و مدي غلبة الجانب العقلب أو العاطفي علي الجانب الآخر ، و غير ذلك. قال الله تعالي : » أو من ينشّأ في الحلية و هو في الخصام غير مبين «(7) ،و قال تعالي : » الرجال قوّامون علي النساء بما فضّل الله بعضهم علي بعض و بما أنفقوا « (8) . و في وصية أمير المؤمنين  u لولده محمد بن الحنفية بسند غير تامّ :» لا تملك المرأة من الأمر ما يجاوز نفسها ، فإنّ ذلك أنعم لحالها و أرخي لبالها و أدوم لجمالها ، فإنّ ريحانة و ليست بقهرمانة ، فدارها علي كلّ حال ، و أحسن الصحبة لها ليصفو عيشك « (9) .

و قد أسّس الإسلام كلّ تشريعانه بالنسبة للمرأة علي أساس التفاته إلي هاتين النكتتين ، أعني كون المرأة مساوية للرجل في الإنسانية ، و حقوق الإنسانية من ناحية ، و كونها مختلفة عنه في الخلقة سيكولوجياً  و فسلجياً من ناحية أخري.

و الآن نبدأ بالجواب علي الاعتراضات الماضية تباعاً :

أمّا الاعتراض الأوّل :

و هو حرمانها من بعض المناصب كالقضاء ، فإن الاسلام ينطلق من منطلق الإيمان بالفرق الموجود بين الجنسين في الخلقة وضعفها عن مقاومة الضغوط و المشاكل من ناحية ،و غلبة الجانب العاطفي علي الجانب العقلي فيها من ناحية أخري . و من هذا المنطلق حرمها من بعض المناصب كالقضاء ، و أعفاها أيضاً بالمقابل ـ منطلقاً من نفس النكتة ـ عن بعض المسؤوليات و الأعباء ، كالجهاد. بل في رؤية الاسلام يرجع كل هذا إلي الاعفاء عن المسؤوليات و و الأعباء لأنّ من يتربّي بتربية الاسلام لا ينظر إلي منصب القضاء و نحوه مغنماً ،و ليست أمثال هذه الأمور في منطق الإسلام مغانم ، بل ينظر إليها مسؤولية و أمانة.

و أمّا الاعتراض الثاني :

و هو ظلمها من الناحية الاقتصادية في مسألة الإرث ، فإن ازدياد حصّة الذكر في الغالب علي الأنثي في منطق الإسلام يوازي كون الرجل هو الذي يتحمّل عبء العائلة الاقتصادي دون المرأة.

و أمّا الاعتراض الثالث :

و هو السماح بتعدّد الأزواج للمرأة ، فالواقع أنّ ملاك رفض التدّد المشترك بين الجانبينن يمكن أن يكون أحد أمور ثلاثة :

1.                  الغيرة.

2.                  الحسد

3.        أنّ الله لم يجعل لرجل في جوفه من قلبين ، فاتّخاذ زوجة أخري يوزّع قلب الرجل و مودّته بين الزوجتين ، و هذا خلاف الوفاء بشأن الزوجة الأولي.

أمّا الغيرة فالواقع أنّها فالواقع أنّها ليست شيئاً أصيلاً في طبيعة الإنسان و ثابتاً قبل القوانين و العادات ؛ كي يترقّب تأثيرها علي كيفيّة تشريع القوانين ، بل هي وليدة للنظم و القوانين و العادات ، و قد شاء نظام الإسلام أن يحرّم الغيرة علي النساء ، و يوجبها علي الرجال للنكتة الآتية.

و أمّا الحسد فهو محارب من أساسه من قبل الإسلام باعتبار قبحه العقلي من ناحيه ، و مفاسده الاجتماعية من ناحية أخري ، فلا معني لترتيب أثر علي ذلك في المقام.

و أمّا الأمر الثالث ، و هو أنّ القلب لا يمتلكه اثنان ، و أنّه إذا وزّع الودّ علي شخصين قلّت حصّة كلّ منهما عمّا لو اختصّ القللب بذحدهما ، فما أروع النقض الذي أورده المرحوم الشهيد الشيخ المطهري ،و هو النقض بما هو محسوس و مجرّب من أنّ الإنسان المحبّ لولده و الغارق في حبّه حينما يحصل علي ولد آخر يشعر بحبّه كالأوّل من دون أن ينقض من الأول شيء. والواقع أنّ النكتة التي أوجبت حرمة تعدّد الأزواج للمرأة ،و جواز تعدّد الزوجات للرجل ، و أوجبت الغيرة علي الرجل و حرّمتها علي النساء هي أنّه بعد أن رأي الإسلام أنّ حياة المجتمع ترتبط بممدي استحكام و تماسك بنية الوحدة العائلية ، و رأي أنّ هذا التماسك في بنيتها يتوقّف علي قوّاميّه الرجل كما سيأتي إن شاء الله ، رأي أنّ تعدّد القيّم بتعدّد الزوج يفسد وحدة وتماسك البنية العائلية ، بينما لو اتّحد القيّم فتعدّد العائلة لا يوجب مفسدة من هذا القبيل ، بل هذا القيپم الواحد يبني وحدتين عائليّتين من هذا القبيل ، و كلّ منهما بحدّ ذاته وحدة متماسكة ، علي أنّ اختلاط النسل في موارد ثبوت النسل أيضاً يضر بتماسك بنية الوحدة العائلية ضرراً كبيراً كما هو واضح.

و أمّا الاعتراض الرابع :

و هو سلب حرّية المرأة في مسألة الحجاب ، و في قوّاميّة الرجال علي النساء فالجواب عن مسألة الحجاب واضح ممّا تقدم ، فإنّ الحجاب مبتنيً علي الفرق الفسلجي الموجود بين الجنسين من كون المرأة مثاراً للشهوة ؛ إذ علي أساس ذلك يكون رفع الحجاب موجباً لارتباط الزوج برفيقات ، و ارتباط الزوجة برفاق ممّا ينهي تماسك الحياة العائلية الذي قلنا إنّه هو أساس سعادة المجتمع في نظر الإسلام.

كما أنّ الجواب عن القوّاميّة أيضاً واضح ممّا تقدّم ، و بيانه هو أنّ القوّميّة ليست ثابتة في الإسلام لجنس الذكر علي جنس الأنثي و لذا لا قوّاميّة ليست ثابتة في الإسلام لجنس الذكر علي جنس الأنثي و لذا لا قوّااميّة للأخ علي الذخت مثلاً ، و إنّما هي ثابتة في خصوص الحياة العائلية للزوج علي الزوجة ، و منشأ ذلك مجموع أمرين :

الأوّل : أنّ تماسك الوحدة العائلية الذي هو أساس سعادة المجتمع في نظر الإسلام يتوقّف علي وجود قيّم واحد عليها.

و الثاني : أنّ الرجل هو الأولي بالقيمومة لما له من امتياز فسلجي و سيكولوجي في القوّة و الصمود في خضم المشاكل ، و في غلبة جانب العقل و الحنكة فيه علي جانب العاطفة بخلاف المرأة.

و أمّا الاعتراض الخامس :

و هو أنّ الإسلام افترضها أقلّ شأناً من الرجل في حقّ الحياة و السلامة بدليل نقصان ديتها عن دية الرجل ، فالجواب علي ذذلك هو أنّ الحكم بنقصان دديتها عن دية الرجل لا ينشأ من كون حقّ الحياة و السلامة لها أخفّ من حقّ الرجل و دون حقّ الرجل ، بل ينشأ من نظرة اقتصادية للإسلام إلي الرجل و المرأة ؛ حيث إنّ الرجل باعتباره منتجاً اقتصادياً أقوي من المرأة بلحاظ الفوارق الفسلجية و السيكولوجية بينهما. و الذي يدلّنا علي ذلك أنّ الإسلام أعطي للمرأة حقّ القصاص كاملاً من الرجل مع دفعها لنصف الدية ، و لم يحرمها من القصاص بأن يفرض عليها التنزّل منه إلي نصف الديّة ، و هذا يعني أنّ النكتة في باب الدية لك تكن تكمن في حقّ الحياة و السلامة ، بل

كانت تكمن في الجانب الاقتصاديّ ، أمّا بما هما إنسانان يستحقّان الحياة و السلامة فهما سيّان ؛ و لذا تري أنّ الذمّي الذي ديته أقلّ من دية المسلم بنكتة اعتباره أقلّ مستويً في حقّ الحياة و السلامة من المسلم حينما يقتله المسلم أو يجني عليه لا يسمح له بالقصاص و دفع الفارق من الدية ، بل يننتقل رأساً إلي تغريم المسلم بدية الذمّي التي هي أقل من دية المسلم.

هذا ، و لا يخفي أنّ كلّ ما ذكرناه و أمثاله مما هو مصالح و حكم للتشريعات الإسلامية إنّما هو مبلغ فهمنا و حدسنا ، و إقناع لبعض قطاعات الناس ، و الواقع هو أنّ الشريعة الإسلامية و أحكامها تقبل تعبّداً من قبل المشرّع بعد إثبات الله ، و النبوة ،و الكتاب ، و السنة ببرراهين عقلية ؛ علماً بأنّ البشر لا يعرف ما يصلحه مما يفسده كما يعرف ذلك خالقه و بارئه و خالق العالم و الكون أجمع.

(1)              النحل :58 ـ 59.

(2)              التكوير : 8 ـ 9.

(3)              الروم : 21.

(4)             آل عمران :195.

(5)              الاحزاب : 35.

(6)              التكوير : 8 ـ 9.

(7)             الزخرف : 18.

(8)             النساء : 34.

(9)              وسائل الشيعة 14 : 120 ، ب 87 من أبواب مقدمات النكاح ، ح 3.