حريه الانسان و استبداد الطاغوت

آيه الله محمود طالقاني

 

     هناك مسأله اجتماعيه مهمه، طالما شغلت اذهان الباحثين منذ بدايه عصر التمدن الانساني و ليومنا في البحث عن المشاغل و الآثار الوخيمه التي تتركها علي البشريه، فما هي يا تري هذه القضيه؟

     انها قضيه الاستبداد! استبداد شخص ما بامور المجتمع، او استبداد حزب او مجموعه بحياه عامه الناس. و الاستبداد تقابله الحريه و هاتان المسألتان من القضايا المهمه في حياه الانسانيه. فماذا يعني الاستبداد، و كيف يمكن ان نسيطر عليه، و ماذا تعني الحريه و الي اي حد يكون الانسان حراً؟

     لقد طرحت مسأله الحريه في البلدان الغربيه منذ اواخر القرون الوسطي و لحد الآن، و ما تزال مورد بحث و تحقيق في تحديد معني حريه الانسان. و في رسالات الانبياء (ع) و رسالتنا الاسلاميه بصوره خاصه و في القرآن الكريم، اعتبرت الحريه من المسأئل الانسانيه المهمه. و نكرر القول مره اخري ماذا تعني الحريه؟ هل يمكن ان يكون الانسان مطلق الحريه يفعل ما يشاء ام لا؟

     يمتاز الانسان عن باقي المخلوقات بانه خلق مختاراً، و هذا يعني انه يملك الحريه الكامله في ان يختار الطريق الذي يراه مناسباً في تقرير مصيره و حياته، و هذا بالطبع خلاف لباقي الحيوانات فهي محكومه بغرائزها، و كذلك باقي الموجودات الطبيعيه فانها تخضع لقوانين الطبيعه.

     و في مسأله اختيار الانسان، هل انه يختار طريقه الحياه التي يرغب فيها و الي اي حد يكون مختاراً في اسلوب حياته؟ و هل ان اختيار الانسان يستطيع ان يؤمن له الحريه؟

     ان الانسان مجبول علي العباده، عباده الله سبحانه، و تطبيق قوانينه و ارادته، و الله سبحانه لا يجبر عباده علي طاعته، و حين يقول عز و جل (اعبدوني و اسجدوا لي) فان هذا يعني التحرر من باقي القيود و من عبوديه الآخرين، و اذ يقول اطيعوا ما آمركم به في قبول جميع سنن الكون و قوانين الحياه و العلائق الاجتماعيه، فان هذا لا يعني ان الله سبحانه و تعالي خلقنا ليفرض علينا اوامره، بل ليحررنا من قيود القوانين البشريه الاخري.

     فهل ان اولئك الذين يدعون الحريه و الديمقراطيه لا يحكمهم قانون؟ و اذا حكمهم قانون، فما هو مصدر القانون الذي يحكمهم؟ و ما هي اهدافه، و اي شيء ينجم عنه؟

     و هل ان الافراد الذين اخترعوا هذه القوانين و سنوها يستطيعون ان يلبوا جميع حاجات البشر و يوجدوا القانون الصالح لحمايه جميع مصالحهم مع اختلاف اهوائهم و افكارهم و نظرياتهم؟ ان هذا ما عجزت عن تحقيقه هذه القوانين، و ان المشكله ما تزال قائمه في كل مكان، و ان القوانين التي يدعي انها تحقق الحريه، تمثل في واقع الحال رغبه مجموعه معينه او حزب معين او فرقه ما، تفرض افكارها و آراءها علي باقي المجتمع، و هذا هو نوع من العبوديه. ان الاسلام حينما يأمرنا بعباده الله سبحانه، و قبول اوامره و نواهيه، فان هذا يعني التحرر من باقي العبوديات.

     ان التعبد بالدين هو فطره انسانيه، و في بعض الاحيان نري الانسان يتمسك بالدين بصورته الحقيقه، و احيانا اخري نراه يسلك طريقاً آخر غير الدين، و هذا ما نسميه بالشهوه. حينما اقرأ اقوال كبار المسلمين او شخصيات الجيل الاول الذين تربوا علي يد رسول الله (ص) لا أجد لها مثيلاً كيف نشروا الاسلام الي باقي البلاد الأخري و انظر كذلك الي كتبنا الفلسفيه و الكلاميه، و الي علمائنا و شخصياتنا كيف لهم بيان جميل و ساحر و جذاب.

     كيف تربي اولئك العرب الذين كانوا يسكنون البراري و الصحاري، كيف ادركوا الاسلام و بلغوه رغم ان الاكثريه الساحقه لم تكن تعرف القراءه و الكتابه؟ انهم رشفوا من نمير روح الاسلام العظيم و نشروه في ارجاء المعموره. ان (عباده بن الصامت) قائد الجيش الاسلامي، هذا الجيش الاسلامي و هذا الرجل الجريء، حينما التقي بقائد الجيش الفارسي، طلب اليه ان يبعث مندوبا عنه يشرح ماذا يريد هؤلاء العرب الذين كانوا يسكنون البوادي و المنهمكون في الحروب القبليه و عباده الاصنام؟

     كان مندوب الجيش الاسلامي انساناً عادياً و بسيطاً، اطرق برأسه قليلاً حينما سمع تساؤل ذلك القائد، بعدها رفع رأسه و قال: ان جميع ما قلته صحيح، كنا نحيا للقبيله، و نعبد الاصنام، و لكن الله سبحانه و تعالي بعث فينا رسولاً حملنا رساله «نخرج بها الناس من عباده الطاغوت الي عباده الله سبحانه» و هذه العباده تعني الحريه، تعني القوانين التي تسمو بالانسانيه الي العز و المجد و العظمه «و من ذل الاديان الي عز الاسلام» اي من ذل القوانين البشريه الصادره من القصور و من الطبقات الحاكمه الي قانون الله سبحانه و عز الاسلام و شرف الدنيا و سعاده الاخره.

     تري هل نستطيع الان ان نعرف الاسلام بهذه الكلمات البسيطه و الوافيه؟ حتي يفهم العالم، ما هي رساله المسلمين و هدفهم انها رساله التوحيد مقابل الاستكبار و الاستبداد و جميع انواع العبادات الصنميه الاخري، التي هي في الواقع احد الاخطار التي تواجهنا. حيث ان القرآن الكريم يتحدث لنا عن الاستبداد بعد ان يذكر آيات الحج، و يبين فيها كيف ان الانسان تحيط به مجموعه من الشهوات، و كيف انه يصيبه الغرور بابسط قدره تأتيه.

     «و من الناس من يعجبك قوله في الحياه الدنيا» هل سمعت او واجهت ايها الانسان الذي تعيش في هذا العصر، كيف ان بعض الناس يغرر بالآخرين و يقابلهم بلسان الرفق و الاحسان و بعدهم بأن يوفر لهم ما يحتاجون اليه من وسائل الراحه و الرفاه و العيش الهني، حتي يكسبونه اليهم، و من ثم كيف يجعلون من ذلك الفرد و ذلك الحزب و تلك الامه وسيله لتحقيق مطامعهم و استبدادهم. و حي ان بعضهم يستغل الدين و باقي المقدسات من أجل الحصول علي الجاه و السلطه. «و يشهد الله علي ما في قلبه» و يحاول جاهداً ان يظهر لك نفسه انه لا يريد سوي خدمتك و مصلحتك.

     إن مؤسس هذا القصر(1) و بانيه رضا خان  الذي كان المرحوم الفيروز آبادي يسميه رضا بيك- و منذ تسلمه السلطه شرع في خداع الناس، حيث كان يقول: انا لا اريد سوي خدمه الدين، ان الذي في خطر. و كان يقوم في الوقت نفسه بالاعمال الشنيعه. و يخطر في مخيلتي حيث ان اكثركم لم يعاصر ذلك الحاكم، ان من جمله اعماله التي كان يخدع بها الناس و مجموعه من المعممين السذج، انه اخذ يجمع النساء الفاحشات في ميدان «سپه» ميدان الامام الخميني حالياً و يامر بجلدهن، و كذلك امر ان يرفع الاذان في المساجد و من علي المنائر و في ايام عاشوراء، كان يمشي مع مجموعه من الجنود واضعا الطين علي رأسه، ممسكاً بشمعه في يده و باليد الاخري يلطم صدره و يصرخ: حسين حسين، و حينما كان يزور العلماء كان يقول لهم: ان همي الوحيد هو احياء الدين الاسلامي، و لقد ردد هذا الكلام امام والدي مرات عديده.

     اقول: لو ان المسلمين ادركوا معني هذه الآيه من قبل لما انخدعوا باولئك الماكرين الذين تسلطوا علي رقابهم و نفذوا خطط اسيادهم باسم الدين و مصلحه المسلمين، و لما وعاظ السلاطين بالحكام الماكرين و لما صاروا جسراً يمرر الظالم الاعيبه من فوقه. و ما ان استتب له الامر حتي شرع بظلمه و استبداده، و اصبح اولئك المغفلون اول ضحايا الاستبداد.

     احد كبار علماء مصر يقول: ليس القرآن معجزه الاسلام فقط، بل اذا معنا النظر و حققنا جيداً وجدنا ان الرسول (ص) و الائمه (ع) معجزه كذلك، و بعد ذلك يقول: ان رسول الله (ص) يقول «من اعان ظالماً سلطه الله عليه» حقاً انها معجزه، نحن نشاهد علي طول التاريخ كل من كان عوناً للظالم كانت عاقبه امره ان يقتل علي يد ذلك الظالم، و ان بعض وعاظ السلاطين الذين انخدعوا بالظالم نراهم سرعان ما لقوا حتفهم علي يد الظالم نفسه، او ابعدوا او فرضت الاقامه الجبريه عليهم بأمر منه، هذا و القرآن يحذرنا من ان ننخدع بهؤلاء حيث يقول:

     «و اذا تولي سعي في الارض ليفسد فيها و يهلك الحرث و النسل» ان الذي يقدم لك الاكل و الشرب فقط ليس حريصا عليك بل الذي يعطيك حريتك هو الحريص عليك و علي توفير الحياه السعيده للبشريه.

     و الذين يدعون انهم حماه البشر و بعد ان يحكموا قبضتهم علي السلطه مثل رضا شاه يبدأون بتنفيذ اعمالهم الاجراميه، إذلم يكتف رضا شاه بالتدخل في حياه الشعب، بل قام بسلبه جميع ما يملك و كان شغله الشاغل انه كيف يستمر في حكمه و بسط نفوذه.

     و بعد ان استتبت له الامور اخذ يماري اعمالاً تخريبيه لافساد المجتمع و سلب كرامته و القضاء علي الثقافه و الاخلاق بل و حتي الزراعه و الصناعه؛ اتذكر حينما كنت راقداً في مستشفي الشرطه في طهران و كانت الحوادث تتسارع في طهران و باقي المحافظات، سمعت خطاباً لذلك المستبد (محمد رضا) و علي ما اظنه كان آخر خطاب له، و لا اتذكر الآن نصه بل اتذكر مضمونه حيث قال (اما التمدن العظيم او احراق كل شيء) حينها اخذت ترتعد فرائضي و عرفت من لحن خطابه و طبيعه تفكيره ان هذا الرجل سيقوم بأعمال اجراميه، و لم تطل المده، حتي عمت في اليوم الثاني الحرائق جميع البلاد و بهدها جاءت مجزره (17 شهريور)، و الافجع منها احراق سينما (ركس) التي قل ان تجد نظيراً لها في التاريخ، حيث احترق مجموعه كبيره من الناس. انظروا هل يوجد لهذه الفاجعه نظير في العالم؟ و ينقل عنه من داخل قصره انه مرات عديده كان يقول: اما انا اولأ حرقن هذه البلاد. و لكن بمعونه الله سبحانه و فضله و رعايته و بعزيمه قائد هذه الثوره و همته، و جهود هذه الامه زال الخطر عن هذه الدوله.

     لو كان هذا الحاكم المستبد يقبل النصيحه و يدرك ان عاقبه الظلم و الطغيان، كما اشارت اليه الايات السابقه التي تلوتها علي مسامعكم، لاصبح نظام الحج نظام سلم لجميع البشريه، و ذلك ببركه توجه الجميع الي سماع النصح و الموعظه و الشعور بالمسؤوليه تجاه الجميع، و نبذ الاختلافات و يصبح كل منا يهتم بأخيه المسلم. و نطبق شعار: «سلام عليكم» بكل صدق لما يحتويه من معاني التسليم. و اننا في آخر الصلاه حيث نقول: «السلام علينا و علي عبادالله الصالحين» اي التسليم لجميع عباده الصالحين.

     «يا ايها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافه» اي ان ندخل بأجمعنا في السلم حتي تتكون لدينا اجواء مهياه للسلم و المحبه، و تستطيع طرد جميع الذين يطلبون السلطه و الرئاسه و حب الجاه من اوساطنا.

     «و لا تتبعوا خطوات الشيطان» كما في آخر اعمال الحج يقوم الحاج برمي الشيطان بالحجر، فان هذا يقوي معنويات الانسان و جرأته علي رفض التبعيه للشيطان و باقي الشياطين، و انه في نهايه الامر لابدً من ان يسقط و عاقبه امره تكون جهنم، و عندها تزول جميع الهموم و الاوهام.

     لو فقدنا اجواء السلم، و اختلفنا فيما بيننا، و قدمنا المصلحه الفرديه علي المصلحه الاجتماعيه لاصبحنا قلقين علي مستقبلنا قطعا، و ان القرآن الكريم يصرح بان الاستبداد يأتي من داخل المجتمع، ذلك لان كثره الاختلاف و الفرقه تفسح المجال لخصمنا في ان يتسلط علينا. و لكننا اليوم نواجه خطراً اعظم و اكبر، الاوهو اولئك الذين تأتوننا من وراء الحدود، فان اختلاف الشعب لم يأت بالاسره البهلويه فحسب، بل جاء بالانجليزي و الاميركي و الاسراييلي و كل جراثيم الفساد الاخري و سلطهم علينا.

     كنا نقول نحن غير مستعمرين و لكنهم في الحقيقه يتعاملون معنا باسوأ انواع الاستعمار. فالمستشارون الاميركان و الاسرائيليون منتشرون في الجيش و في المراكز السياسيه، و نحن لا نملك اي شيء، ما الذي كان عندنا؟ ان هذا لهوا أسوأ انواع الاستبداد بل حتي أسوأ من الاستبداد الفردي، حيث نشأ من داخل المجتمع.

 

الهوامش:

(1)          يقصد به قصر نياوران الذي شيده رضا خان.

 

الوحده العدد 167