وعينا في ظل السيطره الاوربيه

الحريه الفكريه بين استبداد الداخل و سيطره الخارج

جواد علي كسار

 

     يناقش العلامه الطباطبائي المسوغات المزعومه للفكر التبريري السلبي الذي يمتد في الاوساط يخدر الطاقات و يشلها عن العمل، ليؤكد ان الاصوات التي تنادي بذلك في الوسط الشيعي لم تفهم تاريخ هذا المذهب جيدا، فالماضون من علماء الشيعه لم: «يتوانوا في نشر كلمه الحق و ابلاغ دعوه الاسلام، و اتمام حجه الدين، علي قدر وسعهم و اجتهادهم» و قد اتصلوا لهذا الغرض بالفئات جمعيا، تشهد علي ذلك سيره الشيخ الصدوق و الشيخ المفيد و السيد مرتضي و الخواجه نصيرالدين الطوسي و العلامه الحلي و المحقق الكركي و الميرداماد و الشيخ البهائي و العلامه المجلسي

     تحظي نصوص الحريه لاسيما الحريه الفكريه بحضور مكثف في المنظومه الفكريه للعلامه الطباطبائي. فها هو ذا يطلق زفرات ألم قد تعجب لها و هي تجري علي لسان صاحب تفسير «الميزان»!

 

الواقع المدلهم!

     تنطلق زفرات السيد الطباطبائي من حالتنا الفكريه و البؤس الذي عشناه علي هذا الصعيد و مازالت آثاره مترسبه في حياتنا الثقافيه و ممارستنا لقضايا العلم. فنحن الشرقيون كما يقول السيد الطباطبائي في نفثه صدر نادره- عشنا لالوف السنين ضروبا من عبوديه الفكر حيث القيود تمسك بالعقول.

     و تحتجب: «الحريه الكفريه لاسيما في المسائل العلميه ذات الصله بالقضايا الاجتماعيه». و يوم ان اطلت علينا فسحه وسيعه من حريه النشاط الفكري في الصدر الاول من عهد الاسلام، رأينا ان هذه النافذه سرعان ما اغلقت بفعل طوفان من الحوادث الطبيعيه و الطارئه التي مرت علي الامه يومذاك.

     و هكذا تبددت حاله الانفتاح ليعيش اصحاب الفكر عهودا طويله من الدفاع عن المقدسات، خصوصا حال قررت السلطات ان تكون: «العقل المفكر للجماهير» نسخا لعقل الامه و مسخاً لارادتها، كما ينص الطباطبائي. (مقالات و بحوث، ص 56).

     يسجل الطباطبائي في موقف الاسلام ان هذا الدين: «يسمح للناس بالحريه التامه في الفكر» و اما: «تحميل الاعتقاد علي النفوس، و الختم علي القلوب، و امانه غريزه الفكره في الانسان عنوه و قهراً، و التوسل في ذلك بالسوط او السيف او بالتكفير و الهجره و ترك المخالطه، فحاشا ساحه الحق و الدين القويم ان يرضي به او يشرع ما يؤيده».

     يضيف: «و لكن مع الاسف انا معاشر المسلمين سلبنا هذه النعمه و ما لزمها» (الميزان، ج 4، ص 130-131). و حين لاحت تباشير الحريه الاوربيه بعد ان ارتوي الغرب منها و شبع؛ فيما بدت لنا و كأنها فرصه نموذجيه لاقتلاع بذور العبوديه و الغل الفكري، عاد المشهد الي الوراء مره اخري: «لتكون الحريه الاوربيه هذه المره هي العقل و السلطه الموجهه للثقافه بديلا للسلطات القديمه»!

     و هكذا استبدل واقعنا الفكري سلطه بسلطه اخري لتجدد القيود و تعود العبوديه الفكريه التي لم تعد تسمح لنا ان نصغي لشيء ما لم تكن اوربا مصدره، او ان يكون تبعا لما يرضاه الساده الجدد في ساحه الفكر.

 

وعي الذات من خلال الغرب

     يواصل السيد الطباطبائي زفراته فيشير الي ما آل اليه واقعنا الفكري من تبعيه و بؤس حتي أمسينا نكتشف ذخائرنا الفكريه لمجرد ان باحثا او استاذا اوربيا اشار اليها و نبه لآثارها.

     يكتب العلامه الطباطبائي في هذا المضمار: «الف عام مضت و جسد ابن سينا مدفون بيننا، و مكتباتنا تزخر بمؤلفاته الفلسفيه و الطبيه و نظرياته تجري علي الالسن، بيد انا لم نفعل شيئاً!».

     يضيف: «و سبعمائه عام انقضت منذ ان وضع نصيرالدين الطوسي كتبه الرياضيه و نتاجاته الثقافيه الاخري، بيد اننا لم نفعل شيئا رغم انها نصب اعيننا، بل انتظرنا ما فعله الاوربيون لعلمائهم من احتفالات فقمنا نحن تبعا لهم، باحياء الذكريات الالفيه و المئويه لعلمائنا!».

     و عن مثال ثالث يمس الشأن الفلسفي يضيف قائلاً: «منذ ثلاثمائه عام و فلسفه صدرالمتألهين و نظرياته هي مدار بحث و نقاش و درس في ايران من دون ان يثير الامر ضجه. الي ان قام احد المستشرقين قبل اعوام بتمجيد الملاصدرا و مذهبه الفلسفي في مؤتمر عقدته الجامعه، فكان ان شهدت الاوساط الجامعيه ضجه حيال شخصيته و فلسفته.

     و الغريب ان الجامعه ذاتها كانت و لسنوات متطاوله منذ تأسيسها تدرس ماده الفلسفه في اروقتها و ابنيتها المثيره!».

     ثم ينتهي العلامه الطباطبائي الي ان هذه و غيرها تعرفنا علي نحو جيد بموقعنا الاجتماعي و هويتنا الفكريه، و تكشف لنا ان شخصيتنا الفكريه تابعه للآخرين و هي طفيليه عليهم، و ان ما سلم من ثروتنا الفكريه ضاع ادراج الرياح! (مقالات و بحوث، بالفارسيه، ص 58-59).

 

تبعات المنهج الغربي

     يشير العلامه الطباطبائي الي ان البحوث العربيه حول الاسلام تكثفت بعد نهايه الحرب العالميه الثانيه، و اخذت نتائج دراساتها تنتشر في كل مكان. فما كان منا نحن المنخرطين في خط التقليد و التبعيه لاولئك، الا ان نحتذي بهم في كل شيء‌، فرحنا نردد اسئلتهم و نعيد صياغه اشكالاتهم حيال الاسلام، و نعمقها بالمزيد من البحث و الدراسه!

     و اذا كان طبيعيا ان يصدر الباحث في معالجاته من معايير و موازين علميه يؤمن بها، فقد كان من الطبيعي ان تنطلق اسئله الغربيين و اشكالاتهم حول الاسلام من خلال فرضيتهم القائله ان الدين لا يعدو ان يكون ظاهره اجتماعيه يخضع لما تخضع له الظواهر الاجتماعيه الاخري.

 

التقليد الاعمي لمناهج الغرب

     و لكن ما هو غير مفهوم ان نعيد نحن طرح ذات الاسئله و الاشكالات و كأننا نصدر في فهمنا للاسلام من عين الفهم الذي يصدر منه الغربيون!

     علي اساس ذلك اخذت محافلنا الفكريه تشهد اسئله و اشكالات ما كان لها مكان في الذهنيه الاسلاميه لولا حاله التبعيه الفكريه و التقليد الاعمي لمناهج الغرب. (المصدر السابق، ص 60-62).

     ازاء هذه الحاله التي عاشتها المجتمعات الاسلاميه تتجاذبها من جهه تبعات الخمول الفكري الموروث من عصور الانحطاط، و تحاصرها من جهه ثانيه ضغوطات الحضاره الاوربيه و مؤشراتها، انتهت الحاله الفكريه للامه الي الحصيله التاليه:

     اولاً: لم يعد أمام الانسان المسلم في «ساحه الفكر سوي الفكر الاوربي، و لا خيار امامه في الحياه الا منهج الحياه الاوربيه ذاتها!».

     ثانياً: اوحت الحضاره الغربيه لنا انه ليس: «أمام الانسانيه لبلوغ التقدم سوي عمل واحد، هو ان تنبذ رؤيتها الذاتيه وراء ظهرها و تنصاع بالتبعيه الكامله الي الاوربيين في الفكر و العمل» من دون عموماً الحق في ابداء الاعتراض.

     ثالثاً: عادت هذه الروح الاستلابيه المدمره بضربات موجعه علي كيان الامه المسلمه حيث: «فقدت الاكثريه الغالبه استقلالها الفكري بعد ان راح وعيها الذاتي يضمحل و يتلاشي عبر تأثيرات قرون الانحطاط».

     و هكذا صرنا في ظلال الانحطاط الداخلي من جهه و السيطره الاوربيه من جهه ثانيه، و كانه لم يعد امامنا: «مثال يحتذي في الحياه سوي الانسان الغربي و نموذجه الحياتي» (مقالات تأسيسيه في الفكر الاسلامي، ص 300-301).

 

الممارسه الفكريه و الدعويه

     في زمن العز و الشهود الحضاري بلغت القوه العلميه للاسلام مبلغاً من المتانه و الاحكام جعلها تشع بعطائها عي مشرق الارض و مغربها.

     و كان: «منطق التبليغ الديني هو سلاحنا المنتصر الذي يختار المنازله في وضح النهار لا خفيه و في ظلمه و ليل!- في ارجاء الدنيا، و ينقض علي الخصم كالقضاء النافذ المنزل من المساء، فيضرب الحجب و يجتاز الموانع، لا تحول دونه الروادع» (الشيعه، الطباطبائي، ص 224).

     هكذا يصف العلامه الطباطبائي الممارسه الفكريه و الدعويه، قبل ان تهبط الي مستوي الشطار و العيارين!

     فمما يحكيه التاريخ انه ظهر في برهه من حياه المسلمين دور مضخم للشطار و العيارين الذين كان الوجدان الشعبي يسبغ عليهم هاله لما يحكي من قدراتهم المدهشه في السلب و النهب و السطو خفيه و في ظلمات الليل.

     و الذي يراه العلامه الطباطبائي ان استبداد الداخل و حصار الوعي الاوربي من الخارج افضيا بـ«البحث العلمي و التبليغ الي ان يرتديا في اوساطنا تدريجيا، الشكل المحكي عن العيارين، و الاسلوب المنقول عن الشطار!» (المصدر السابق، ص 224).

     فالنقد يمارس خلسه مع اخفاء الهويه الحقيقيه، لكن لا تتوفر للخصم الفرصه في الرد علينا، و ليسعنا ان: «نرمي الخصم يضروب الشتائم و السباب من دون رادع» كما يكتب السيد متأسفا!

     و في مثل هذا الجو المطلوب من اهل العلم و اصحاب الفكر و حمله الاقلام، ان ينكفئوا علي ذواتهم في عزله، و ان يكلوا مسؤوليه الدفاع عن الدين الحنيف الي الله و الي الامام المهدي عليه السلام!

     و في اجواء منكفئه مثل هذه يتضخم سلاح سوء الظن و رمي الآخرين بفنون التهم و ضروب الاقاويل.

     لقد هاجم السيد الطباطبائي هذا النهج الذي له مرتكزاته من الفكر السلبي التبريري الموروث؛ و ركز الهجوم بالذات علي مرتكزات هذا الفكر الانهزامي في الساحه الشيعيه، و اكد في المقابل مغايرته للناموس الطبيعي لحركه الفكر و الحياه؛ و لما مضت عليه سيره النبي و الائمه الطاهرين، فالامتداد الشيعي لم يأت نتيجه لمنهج العزله و السلبيه، بل: «جاء ثمره للعمل مع محيطه الخارجي».

     ثم ان النهج القرآني يؤكد علي الامه مسؤوليتها في الدعوه؛ رسخ ذلك السلوك النبوي الذي املي علي المسلمين: «ان يبادروا الي ممارسه الدعوه و هدايه المجتمعات الاخري، و ذلك لما يحفظ محي المجتمع الايماني، و يبث المعارف الدينيه و ينشرها في آفاق الدنيا» (رد علي نقده العلامه الطباطبائي، كتاب الشيعه، ص 229).

     يناقش العلامه الطباطبائي المسوغات المزعومه للفكر التبريري السلبي الذي يمتد في بعض الاوساط و يخدر الطاقات و يشلها عن العمل، ليؤكد ان الاصوات التي تنادي بذلك في الوسط الشيعي لم تفهم تاريخ هذا المذهب جيداً، فالماضون من علماء‌ الشيعه لم: «يتوانوا في نشر كلمه الحق و ابلاغ دعوه الاسلام، و اتمام حجه الدين، علي قدر وسعهم و اجتهادهم» و قد اتصلوا لهذا الغرض بالفئات جميعا، تشهد علي ذلك سيره الشيخ الصدوق و الشيخ المفيد و السيد المرتضي و الخواجه نصيرالدين الطوسي و العلامه الحلي و المحقق الكركي و الميرداماد و الشيخ البهائي و العلامه المجلسي. (المصدر السابق، ص 230).

     يتساءل العلامه الطباطبائي عمن يتحمل مسؤوليه ابتعاد الشباب عن الدين في ضوء الركون لهذه السيره السلبيه القائله، و بأي مسوغ يترك الشق الذي نشأ بين الشباب الجامعي و العلماء، يزداد خرقا و عمقا و اتساعاً؟

     ثم يخلص للقول: «في عالم مثل عالمنا الذي نعيش فيه، حيث تركزت قدرات الاستقلال المادي و المعنوي بيد خصومنا الالداء‌، الا يحب ان نبادر لنصره حقائق هذا الدين و نسعي لاحياء كلمته؟».

 

و اخيراً

     ان طغيان نظره البعد الواحد تطمس الابعاد الاخري في المنظومه الفكريه للمفكر، و تختزل هموم الشخصيه في نقطه واحده تضخمها و هي تهمل الهموم الاخري. و هذا ما هو حاصل مع العلامه الطباطبائي الذي ضخم فيه جانب المفسر، و اهملت بقيه الابعاد.

     لقد ترك السيد الطباطبائي غير «الميزان» مئات البحوث و الدراسات في مختلف الشؤون، تنتظم في اطار مجموعه تصل الي العشره مجدات و ربما زادت علي ذلك.

     علاوه علي ان «الميزان» يضم عشرات البحوث في مختلف قضايا الفكر الاسلامي و شؤون المسلمين.

     و الذي نراه ان هذا القصور يرتد الي منهجيه التعاطي مع شخصياتنا، هذه المنهجيه التي تلجأ الي الاسلوب الترتيبي و هي تتناول الشخصيه موزعه علي سني حياتها من الولاده حتي الوفاه، فتقطع الشخصيه و تفكك فكرها اجزاء.

     في حين نحن في امس الحاجه الي المنهجيه الاحيائيه التي تلم الشخصيه و تجمعها في نطاق رؤيه موحده، و تتعاطي مع ميراثها الفكري بمنطق المنظومه الفكريه.

     نأمل ان تأتي هذه الاشارات عن فكر العلامه الطباطبائي مساهمه في ترسيخ دعائم المنهجيه الاحيائيه المنشوده؛ و من الله التوفيق.