الامامه في الفكر الاسلامي

الاستاذ محمد تقي مصباح يزدي

 

     يعلم كل من لديه ادني اطلاع علي المذاهب و الفرق الاسلاميه، بان اصول المعارف و العقائد و الاحكام و القوانين و المناسك الاسلاميه محفوظه لدي جميع المذاهب، و ان مواضع الاختلاف بشأنها قليله مقارنه بمواضع الاتفاق كذلك يعلم بان المحور الاصلي للاختلاف بين الشيعه و السنه يدور حول مسأله «الامامه و الخلافه»؛ اذ تعتبر الشيعه علي بن ابي طالب الامام و خليفه الرسول بعد رحيل النبي الاكرم (ص)، خلافاً لما هو عليه اتباع المذاهب الاخري الذين يرون في الامام علي الخليفه الرابع، و ان ائمه الشيعه الآخرين ليسوا اكثر من علماء كبار و فقهاء بارزين و من هنا، فالذي لم يتعمق في جذور المسأله تصور ان الاختلاف بين الشيعه و السنه قضيه سياسيه بحته، تماماً كالاختلاف الذي يوجد بين حزبين سياسيين بشأن مرشح الرئاسه. بيد ان الحقيقه غير ذلك. و في هذا المقال سنحاول توضيح بواعث الاختلاف الاساس بين الشيعه و السنه؛ و التعرف علي الخليفه العقائديه و الفكريه التي تقف وراء هذه المسأله السياسيه و التاريخيه. و ان مسأله الامامه قبل ان تتصل بحوزه الفقه و السياسه، ترتبط بأصولها العقائديه و الدينيه. و خلافاً لما يتصوره بعض اصحاب الرأي ـ انظر شرح المقاصد، ج 2، ص 171 ـ من ان اثاره هذه المسأله في علم الكلام الاسلامي هي من باب الاستطراد و التطفل؛ بل هي من جمله المسائل الاساسيه لهذا العلم.

 

نظره الي النظام العقائدي

     لكي يتضح موقع مسأله الامامه في النظام العقيدي الاسلامي، لا بد من المرور علي المسائل الاساسيه في علم الكلام الاسلامي التي ترتبط فيما بينها كحلقات السلسله الواحده، لنتعرف علي الحلقه المفقوده ـ وفقاً لرأي المذاهب الاسلاميه ـ في هذه السلسله و اخل في انسجامها، خلافا لنظريه الشيعه التي تلافت هذا النقص عن طريق اعتقادها بالامام المعصوم.

     في بحوث الالهيات الاسلاميه، و بعد اثبات وحدانيه الله سبحانه، ينتقل الحديث للبحث حول صفاته الذاتيه و الفعليه. و اضافه الي الخالقيه، تتم البرهنه علي ربوبيه الحق المتعال و تدبيره لعوامل الوجود، بالنحو الذي يدل علي ان لا صغيره و لا كبيره الاّ و ضمن دائره خلقه و تدبيره. و من جهه النظر الاسلاميه، ان الله تبارك و تعالي لم و لن يخلق شيئاً عبثاً او خلافاً للحكمه. و ان عالم الوجود رغم اتساع ظواهره التي لا تعدو و لا تحصي، يدار بنظام متناسق و منسجم بفضل ادارته الحكميه، مع الابقاء علي سلسله المراتب الطويله و العرضيه.

     من بين الكائنات الالهيه، يتمتع الانسان بملكه الشور و الوعي و الاراده، و يتحكم بتحديد جهه حركته الثنائيه البعد، اما نحو الكمال و السعاده الابديه، او الي السقوط و الحضيض. و ان اي عمل يؤديه الانسان، اما ان يسمو به أو ان يجرّه الي الانحطاط؛ و ان عاقبه هذه «الحياه الدنيويه الطوعيه» ملاقيها في «العالم الابدي». و لهذا بالذات بات الانسان مشمولاً بنوع من التدبير الالهي أو ما يسمي بـ «الربوبيه التشريعيه»؛ ربوبيه تجد مفهوما في نطاق التكليف و المسؤوليه، و هي تستلزم ان يضع الله تبارك و تعالي، من خلال اعداد ارضيه العمل و وسيله التحرك، سبل معرفه الهدف و طريق الوصول اليه في متناول يد الانسان. و تتضمن هذه السبل الوسائل الحسيه و العقليه. و لكن و نظراً لافتقار هذه الوسائل الي الكفاءه و الفاعليه اللازمه لتحقيق الكمال النهائي، فقد تم تلافي نقصها و عجزها بواسطه الوحي و النبوه. و بذلك تتضح ضروره ارسال الرسل و الانبياء و انزال الكتب و الشرائع السماويه؛ اما النتائج التي يتم التوصل اليها عن طريق هذا النوع من البحوث، تشترك فيها جميع الاديان الابراهيميه قليلاً او كثيراً. اما البحوث التي تلو ذلك فهي تختص بالدين الاسلامي، و تسعي للبرهنه علي حقانيه الشريعه الاسلاميه و سماويه القرآن الكريم و النبوه و رساله الرسول الاكرم (ص).

 

خلود الاسلام

     من ابرز خصوصيات الدين الاسلامي، خلوده و عالميته، اللذان يعتبران من ضرورات الاسلام. و يعرف الجميع حتي غير المسلمين، ما يذهب اليه الاسلام من ان الرسول الاكرم (ص) هو آخر حلقه في سلسله الانبياء (عليهم السلام)، و ان رسالته لا تختص بمكان او زمان محددين و لا بقوم او عنصر دون آخر؛ و هذا يعني ان الاسلام دين الناس الوافي الي يوم القيامه. و باستطاعه المسلمين، بالالتفات الي اصول الدين و المباني الاخلاقيه و القواعد الفقهيه، تلبيه جميع متطلباتهم العقيديه و الاخلاقيه و القانونيه. و مثل هذا يتطلب ان تكون تلك الاصول و المبني و القواعد في متناول ايد الناس الي ان يرث الله الارض؛ و ان تبقي مصونه من آفات التحريف و التغيير، لانه في هذه الحاله فقط تنتفي الحاجه الي ارسال نبي جديد.

     و هنا يثار هذا التسأول: من الذي يضمن بقاء الاسلام مصوناً من التحريف و التشويه؟ و هل اخذ الاسلام حقا عامل المصونيه هذا بنظر الاعتبار؟

     للاجابه عن هذا السؤال ينبغي ان نري اولا ما هو السبيل للتعريف علي حقائق الاسلام؟ و ما هي المصادر المتوافره لهذه المعرفه؟ و هل هذه المصادر متوافره دائماً في متناول ايد الناس، و بامكانهم الاستفاده منها متي ما شاءوا؟

 

مصادر التعرف علي الاسلام

     القران الكريم هو المصدر الاول للتعرف علي الاسلام، الذي يتسم بالمصونيه من التغيير و التحريف. و خلافاً لما هو عليه الكتب السماويه الاخري، التي اما فقدت او اضحت عرضه للتحريف قليلاً او كثيراً؛ فان هذا الكتاب السماوي بقي بالصوره التي نزل فيها دون ان يناله اي تغيير او تبديل. و عليه يمكن القول ان مصونيه القران هي عامل بقاء اسلام. و لكن ليس بمقدورنا التوصل الي جميع المعارف التي هي موضع احتياجنا عن طريق القران الكريم. فالقرآن المجيد نفسه قد القي مهمه تبيين حقائق التعاليم و تفاصيل تعاليم الاسلام و احكامه؛ هل بقي مصاناً من الاهواء و سيبقي كذلك الي الابد. و هل يوجد ما يضمن بقاءه بعيداً عن ايدي المتلاعبين و المحرفين؟

     الاجابه علي هذا التسأول بالنفي. ذلك انه اضافه الي الظروف الصعبه التي اعتبرت حياه الرسول الاكرم (ص) و المسلمين قبل الهجره و صراعهم المتواصل مع الكفار و المشركين بعد الهجره؛ فان هذا القدر الذي كان قد وضع في متناول العاه لم يكن يمتلك ايه ضمانه علي بقائه مصوناً من النسيان و الخطأ في الفهم و النقل. فضلاً عن ان في بعض الاحيان كانت تظهر دوافع للتلاعب و التحريف. و بالتالي آل الامر الي درجه لم يعد بالامكان تبيين جميع احكام الاسلام و تعاليمه استناداً الي سنه الرسول الاكرم (ص). و هنا يتضح علي وجه الدقه موضع الحلقه المفقوده في نظام الاسلام العقائدي طبقاً لمفهوم اهل السنه، و يظهر نوع من التناقض بين الاعتقاد بخلود الاسلام و عدم مصونيه السنه من آفات التحريف و النسيان. فمن جهه يقضي الاعتقاد بخاتميه الرسول محمد (ص) و خلود الاسلام، بقاء معارف الاسلام في متناول ايدي الناس الي الابد، و وجود مصادر محل اطمئنان مسلم بصحتها للتعريف عليها، في متناول الجميع. و من جهه اخري نري ان التشويق الذي ظهر في السنه قد جعل من امكانيه الاعتماد عليها في التعريف علي معارف الاسلام امراً مشوباً بالحذر. و هذا يعني حرمان المسلمين من جانب مهم من المعارف التي يحتاجونها، المعارف التي يفترض ان تكون قد وضعت في متناول ايدي الناس عن طريق الوحي و النبوه. و ان العقل و التجربه البشريه غير كافيين للاحاطه بها.

     بيد أنه، و علي ضوء اعتقاد الشيعه، يوجد مصدر آخر موثوق به للتعريف علي الاسلام بامكانه ان يملاً الفراغ الناشيء عن تشويق السنه النبويه و الآفات التي تلحقت بها. المصدر الذي يحظي بيانه في تفسير القرآن و تفصيل المجلات و توضيح المتشابهات بالاعتبار و الضمانه نفسها التي يتسم بهما حديث الرسول الاكرم (ص). و هذا يعني رغم ان الوحي و النبوه قد انقطعت الي الابد بعد رحيل الرسول الاكرم (ص)، الا انه مازال يوجد نوع آخر من التعليم الالهي للافراد، يستمد وجوده من عتره الرسول الاكرم (ص). و ان نظير كان يستفاد من رجال امثال الخضر و ذو القرنين، و نساء امثال ام النبي موسي السيده مريم. و قد تمثلت هذه العتبره بأئمه الشيعه الاثني عشر، التي اهتمت بتبيين حقائقا لاسلام استلهاماً من العلم الفطري، علي الرغم من ان معظم الناس لم يكن يقبل امامتهم. و علي مدي قرنين و نصف القرن لم يألوا جهداً في التعريف بالاسلام و سيانه معارفه من النسيان و التحريف. و لو لم تكن هذه العلوم و المعارف التي وضعت عن طريقتهم في متناول ايدي الناس، لما كانت كل هذه المشتركات بين الفرق الاسلاميه؛ و لما كان بالامكان وجود دين واضح المعالم جامع الاطراف باسم الاسلام يشد اليه انظار العالم.

     و من البديهي اذا ما كانت احاديث ائمه الشيعه ستحظي بالاعتبار الكافي الذي تحظي به احاديث الرسول الاكرم (ص)، و بتعبير آخر سوف تطرح بمثابه مصدر معتبر ثالث للتعريف علي الاسلام، فمنا لبديهي ان يتمتع هؤلاء الائمه، فضلاً عن العلم الفطري، بملكه العصمه لكي تحول دون اي تحريف مقصود، او الخطا و السهو. و واضح تماماً ان وجود مثل هذه الملكه لا تثبت الاّ من قبل الله عز و جل. و لهذا تعتقد الشيعه بعدم امكانيه اثباتها الاّ من قبل الله سبحانه و عن طريق الرسول الاكرم (ص). و بهذا يتضح سرّ الاختلاف بين الشيعه و السنه في مسأله الامامه. و يتضح ايضاً لماذا تري الشيعه ضروره تحلي الامام و خليفه الرسول (ص) بسمات ثلاث هي: العلم الفطري، و ملكه العصمه، و التعيين الالهي. و كذلك يتبين لماذا عرّف الرسول الاكرم (ص) عترته و اهل بيته الي الامه بوصفهم ميراث غني جداً ملازم للقرآن الكريم. و اعتبر (ص) القران و العتره ضمن الهدايه و مانع الانحراف و الضلاله: «اني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله و عترتي اهل بيتي ما أن تمسكتم بهما لن تضلوا . و انهما لن يفترقا حتي يردا عليّ الحوض».

     بناء علي هذا، يعد جهاز الامامه مكمل لجهاز الرساله، اذ به بتحقق كمال الدين: «اليوم اكملت لكم دينكم و اتممت عليكم نعمتي». و ان أئمه اهل البيت (ع) كانوا يتمتعون بسائر خيرات الرسول الاكرم (ص) عدا مقام النبوه و الرساله؛ اي الامامه و الولايه علي الناس و ما يتفرع عنها ـ الحكومه، و القضاء و قياده القوي ـ رغم ان تطبيقها العملي لم يتحقق الاّ خلال فتره وجيزه من حياه الامام علي (ع) و الامام الحسن (ع). و هكذا يتضح ان مسأله الامامه هي من جمله المسائل الاساسيه لعلم الكلام.

 

الوحده 198