الاسلام يتحدي اشكاليه التراث و المعاصره بين الاسلام و الغرب

عزالدين سليم

 

     كانت فكره الصراع بين التراث و المعاصره من جمله النظريات التي امتطت صهوه الغزو الاجنبي لبلاد المسلمين. و اذا كان الصراع بين القديم و الجديد له مبرراته الواقعيه في اوروبا فان هذه المبررات لا وجود لها في بلاد المسلمين.

     بعد اجنياح فكره التجربيه الاوربيه الحديثه لكافه الافكار و الرؤي التي كانت سائده قبل عصر ما يسميه الاوربيون بالنهضه الحديثه في اوربا، انتقلت الي بلاد المسلمين بعد مرحله السقوط امام الهجمه الاوربيه الغازيه افكار و نظريات و رؤي الانسان الاوربي عموماً و كانت فكره الصراع بين القديم و الحديث التراث و المعاصره و صراع القديم مع تطورات الزمان و المكان، احدي النظريات التي امتطت صهوه الغزو الاجنبي لبلاد المسلمين.

     و تعني هذه الفكره فيما تعني: ان الاسلام، رساله و شريعه ليس بمقدوره ان يساير موجه التجديد في حياه الناس، و لذا تعبر بعض الدراسات و الادبيات عن تلك الفكره الوافده بالصراع بين الدين و العلم، و ما الي ذلك من مصطلحات ..

     و قد شهد العالم الاسلامي موجه تنادي بهذه الفكره حيث مثلها مفكرون، و شخصون و مؤسسات اجتماعيه و سياسيه، و منتديات فكريه و وسائل اعلام، و معاهد تربويه، و رجال علم، الي غير ذلك.

     و اذا كان الصراع بين القديم و الجديد له مبرراته الواقعيه في اوربا من بعض الوجوه فأن، هذه المبررات لا وجود لها في بلاد المسلمين:

     1. فان القديم الاصيل عندنا لم يعلن حربه علي الجديد، و لم يقف حجر عثره في طريق التقدم و التطور و مستجدات الحياه الزمكانيه.

     2. كما ان الجديد في بلاد المسلمين لم يشن حرب اباده علي كل مقولات القديم الموروث من قيم و مباديء و مقدسات كما جري بالنسبه لعدوان الفكر الجديد و نظرياته علي كل موروث في الحياه الفكريه و الاجتماعيه و السياسيه في اوربا، نعم أن النزعه العدوانيه التي اججها العملاء الفكريون في بلاد المسلمين، و المتحجرون من المسلمين هي التي اوجدت حاله من التدابر بين القديم الموروث مع الجديد النافع.

     و اذا استثنينا الاسباب الخارجيه التي اججت هذا الصراع بين الاصاله و المعاصره و القديم و الجديد في العالم الاسلامي ـ و هي اسباب اساسيه ـ لوجدنا ان هناك عوامل اخري تشكل ارضيه مناسبه لعيش فكره الصراع بين القديم و الحديث في بلادنا و هذه العوامل ندرجها في محورين:

     1. تحجر بعض مؤسسات الفقهيه الرسميه، و حشرها للاسلام في زاويه الاجترار لبعض المفاهيم و الصور التطبيقيه التي تخطتها ظروف الزمان و المكان و عدم قدره تلك المؤسسات علي استيعاب المتغيرات الجديده في عالم المدنيه، و القوانين، و التشريعات.

     و يعتبر فرمان «الكلخانه» الذي اصدره السلطان العثماني عبد المجيد(*) عام 1839 م اوضح الادله علي فشل المؤسسه الفقهيه الرسميه التي عجزت عن مد نظام الدوله العثمانيه بالقوانين التي تستوعب مستجدات الحياه في ضوء الشريعه الاسلاميه حيث عمل السلطان العثماني المذكور علي اجراء اخطر عمليه لتطعيم الدستور العثماني في ذلك التاريخ المبكر بمواد قانونيه اوربيه، مما سجل انطباعاً لدي الكثير من المسلمين، او هكذا يستفاد من هذه النكسه في أن الفقه الاسلامي عاجز عن مسايره تطورات الحياه الفكريه و العلميه و الاجتماعيه.

     2. اعتقاد بعض المتعلمين من المسلمين ان التحولات العلميه و التقنيه التي شهدتها اوربا بعد النهضه الصناعيه العامه فيها جاء نتيجه طبيعيه للتجربه الاجتماعيه و السياسيه، الاوربيه الحديثه، و لذا فان اي تحول مدني مناسب في دنيا المسلمين يتطلب الائتمام بالانسان الاوربي في اتجاهه الحضاري عموماً!، مما عزز نظريه الفصل بين الاسلام و الحياه، و اعطي مبرراً للتحرك العلماني الواسع في العالم الاسلامي علي شكل احزاب، و مناهج، و مؤسسات ثقافيه و اعلاميه، و ما الي ذلك.

     علي ان الاعتقاد المذكور لم يمتلك سنداً واقعياً بالمره، فالذي يدرس تاريخ اوربا الحديثه لا يشك مطلقاً، بأن الثوره الصناعيه و ما انتجت قد سبقت التحولات الفكريه و الدستوريه في اوربا الحديثه، هذا من ناحيه و من ناحيه اخري فأنا نجد ان التطورات العلميه لو كانت محصله طبيعيه للمنهج الحضاري او السياسي لما وجدنا هذه التطورات يشترك فيها مختلف الانظمه السياسيه و الاتجاهات الحضاريه من اقصي اليمين الي اقصي اليسار.

     فالتقدم العلمي ـ و الفني تجده يبلغ القمه في ظلال نظام نازي كنظام هتلر في المانيا، بينما تجد هذا التقدم ذاته في ظلال نظام رأسمالي ـ اقطاعي امبراطوري كاليابان الحديثه، اضافه الي وجود هذا التحول العلمي الكبير في ظلال انظمه رأسماليه ـ ديمقراطيه كبريطانيا و فرنسا و اميركا، و انظمه شيوعيه، كالنظام الروسي السابق او النظام الصيني الحالي و غيرهما.

     و هكذا فهو ليس وقفاً اتجاه حضاري دون آخر شريطه ان يجد اجواء مناسبه للانطلاق و النمو، كالتشجيع و الدعم و الامكانات الماديه و غير ذلك.

     ان هذين المحورين: ـ تحجر المؤسسات الفقهيه الرسميه، و ربط التحول العلمي في اوربا بأفكارها المتنباه ـ قد وفرا فرصاً مناسبه للصراع بين الاسلام و مبادئه من جهه و التقدم العلمي من جهه ثانيه و لو بقي الصراع المذكور فكرياً لهان الأمر، الاّ ان ذلك الصراع تحول الي صراع عملي بين قوي و مؤسسات و رجال فكر، و قد ظهرت علي مسرح الاحداث بناء علي ذلك ثلاثه اتجاهات:

     أ ـ اتجاه يدعو الي التخلي عن الاسلام، و اعتباره مباديء مرحليه عفا عليها الزمن و هو اتجاه الاحزاب الشيوعيه في العالم الاسلامي، و القوي القوميه الاشتراكيه المتأثره بها كأفكار ميشيل عفلق،  و قسطنطين زريق و ساطع الحصري و شبلي العيسمي، و الياس فرح و جورج حبش و من اليهم من القوميين الاشتراكيين في العالم الاسلامي.

     ب ـ اتجاه يدعو الي تطوير الاسلام بما ينسجم مع الحضاره الاوربيه المعاصره و يتولي هذا الخط تفسير الاسلام و مبادئه و افكاره تفسيراً ديمقراطياً او اشتراكياً او ما الي ذلك من افكاره وافده.

     و قد ظهر الكثير من المؤلفات التي تفسر الاسلام بهذا الاتجاه في عقد الستينات امثال: ديمقراطيه القوميه العربيه: د. عبدالله العربي، المجتمع الاسلامي بين النظريه و التطبيق: البهي الخولي، اشتراكيه الاسلام: د. مصطفي السباعي، الاسلام بين الانصاف و الجحود: د. عبدالغني حسن و غيرها من مؤلفات.

     حيث طابقت هذه المؤلفات بين الشريعه الاسلاميه و المذاهب الاجتماعيه و السياسيه الحديثه، الامر الذي يقود الي اضفاء الشرعيه علي تلك المذاهب الوافده، و توفير الارضيه لقبولها، اضافه الي طمس هذه الدعوه الخطير لمعالم الاسلام تحت ركام هذه المباديء الوضعيه الوضيعه.

     ج ـ دعوه تنادي بالانغلاق علي الذات، و الاكتفاء بالموروث من المفاهيم الاسلاميه و الصور التطبيقيه الماضيه للشريعه، و رفض كل ما عدا ذلك من فكر و مفاهيم و علم، و معرفه و تقنيه.

     و قد ظهر هذا الاتجاه المنفكيء علي الذات في اليمن في بدايات هذا القرن كما ظهر في افغانستان في بدايه هذا القرن ايضاً، كما جسدته بعض المؤسسات الفقهيه التقليديه و الاتجاهات الصوفيه، و تكايا الزهاد و المتصوفه في السودان في بدايه هذا القرن.

     الاّ انّ هذا الاتجاه سرعان ما طواه الزمن عبر تغيراته المتسارعه بالنظر لمخالفته لروح الاسلام، و مطالب الحياه الانسانيه المتجدده.

     و يختلف الموقف الثالث عن الموقفين السالفين في أن الموقف الاخير كان يتحرك اصحابه بدافع الاخلاص للاسلام و اعرافه و أن كانوا قد أخطأوا المنهج السليم في موقفهم المذكور، الاّ ان الموقفين الآخرين كان روادهما و مدارسهما و مؤسساتهما تتحرك من خلال دعم النفوذ الكافر في بلاد المسلمين.

     و هذان الاتجاهان يحتلان المواقع المتقدمه في حياه المسلمين العامه حيث يخطيان بادراه شؤون المسلمين في اكثر اقاليم العالم الاسلامي، و يمتلكان مراكز الثقل و القوه و الامكانات في تلك الاقاليم الامر الذي يجسد خطوره الاتجاهين الوافدين بوضوح في هذه المرحله.

     ان استعراض هذه الحقائق و الاحداث التي رافقت موضوع الصراع بين القديم و الحديث، يقتضي ان نشخص الموقف الاسلامي الاصيل من هذه القضيه الحضاريه التي لاتزال المجامع العلميه تطرحها بين الحين و الاخر، و يدور حولها الجدل بين المفكرين و الادباء و اهل التشريع و التقنين و الفقهاء فنقول:

     أن التجربه الحضاريه الاوربيه المعاصره التي احتك بها المسلمون في العصر الحديث تشتمل علي ثلاثه محاور:

     1. محور الافكار و التشريعات و المفاهيم التي تتناول الحياه و المجتمع و الانسان و الدوله حيث وفدت العديد من المباديء و الافكار و القوانين و الاعراف و القيم مع موجه الغزو الاستعماري لبلادنا الاسلاميه، و هذه المباديء و التصورات عموماً تناقض مباديء الرساله الاسلاميه و قوانينها.

     فالاسلام له نظرته الخاصه لمصدر الوجود، و مصير الانسان و خلقه المستقل، كما ان له نظرته لعلاقه الرجل بالمرأه، و له تصوره الخاص حول توزيع الثروه و الملكيه كما ان طبيعه الدوله و مهامها  تختلف لدي الاسلام عن غيره من المذاهب السياسيه، الي غير ذلك.

     و من اجل ذلك فان اي تخط لواحد من حدود الله و مبادئه و بصائر وحيه يعد اعتداء علي حدود الله عز و جل، و تجاوزاً لمبدأ الاصاله، و تحليلاً لما حرم الله او تحريماً لما أحل و هكذا فان الموقف الاسلمي الاصيل ازاء هذا الخط من خطوط التجربيه الاوربيه الوافده يجاهر بالرفض و الاجتناب لكل ما يأتي بلاد المسلمين من هذه الافكار و الرؤي التي يضمها هذا المحور حفاظاً علي اصاله الاسلام، وذوداً عن حياض المسلمين.

     2. محور التقدم المدني المتعدد الوجود و الابعاد الذي يمثله التطور في علم الطب و الفلك و علم الفضاء و الكيمياء و الهندسه، و النبات، و الجيولوجيا، و الصناعه بآفاقها المتعدده و غير ذلك! أن هذا اللون من التقدم و النمو في مسيره الحياه الانسانيه انما يشكل امتداداً و ثماراً لجهود العديد من الحضارات و النتاجات التي حققها البشر عبر ثلاثين حضاره شهدها هذا الكوكب.

     الاّ ان اوربا قد قفزت بالعلم بآفاقه العديده قفزات واسعه، لما استفادته من الخبرات السابقه، و اضافت اليه تجربه العلماء و الخبراء و الفنانين الجديده ..

     و هذا النمط من العطاء مما يجشعه الاسلام الحنيف، و يحث اتباعه علي المساهمه في اثرائه و تطويره تماماً كما كان يفعل ابان قيام الحضاره الاسلاميه في العالم طليله عده قرون.

     و من الجدير ذكره هنا ان العلم، و التطور التقني ليس وقفاً علي حضاره او تجربه اجتماعيه دون اخري ابداً، و انما هو ملك لكل عقل حر، و امه ناهضه مهما كان نظامها الاجتماعي و السياسي.

     3. حقل التنظيمات الادرايه و الماليه و العسكريه و غيرها كتنظيم المصارف و المرور و تنظيم العمال و الطلبه، و دوائر الدوله، و الجيش، و الشرطه، و تنظيم البريد و توزيع المال علي المحتاجين و ما الي ذلك فان الاسلام لا يري بأساً من الاستفاده منها سواء كانت من نتائج اوربي او آسيوي، باعتبارها تجارب حضاريه تخدم مسيره الانسان و تساهم في تحقيق السعاده له.

     علي أن الاسلام الحنيف يلون هذه التنظيمات بلون حضاري خاص و يطورها وفقاً لضوابطه الرساليه الخاصه، و ينفي عنها ما علق بها من قشره او تأثير حضاري آخر، كما يعمل علي استحداث قوانين و ضوابط خاصه تنتجها عبقريات ابنائه.

     ان هذا التقسيم الفني لنتاج الحضارات التي ينتجها الانسان عبر ظروفه الزمكانيه هو الذي يمكننا من تعزيز الاصيل من ثقافتنا و مبادئنا فنعمقها في حياه الفرد و الجماعه و نحافظ عليها في الوقت الذي ننتفع فيه بالجديد الايجابي فضلاً عن امتلاكنا فرصه الاجتثاث لنظريه «تطوير» الاسلام حسب اراده النفوذ الحضاري الاستعماري من جذورها.

     ان وضوح هذا الموقف في اذهان المفكرين الاسلاميين هو الذي يدفعهم اليوم لخوض معركه المصير من اجل ان يستأنف الاسلام وجوده الحضاري في الارض في دوره تاريخيه جديده ان شاء الله عز و جل.

 

الهامش:

     * «الكلخانه» «و هو مصطلح لاول دستور للدوله العثمانيه طعم بالتشريعات الغربيه الاوربيه في زمن السطان عبدالمجيد الاول».

 

الوحده  العدد 200 ـ اذار / 1997 م