لغه الحوار و التفاهم

مقداد عبدالرحمن

 

     فكره الحوار المطروحه اليوم سواء ضمن إطار الدعوه للحوار بين الاديان او للحوار بين الحضارات او الثقافات، هذه الفكره تنطلق في غالب الاحوال من البلاد الاسلاميه، و من شخصيات اسلاميه معروفه سواء في يومنا هذا او قبل عقود من الزمن حينما دعا العلماء المسلمون الي الحوار بين الاسلام و المسيحيه مؤكدين علي ضروره حدوث مثل هذا التحرك الذي لابد و ان يخدم في نهايه المطاف كلا الديانتين الاسلاميه و المسيحيه و لابد ان ينعكس ذلك علي طبيعه الحياه الانسانيه برمتها، و يوجهها بالاتجاه الذي ينسجم مع تطلعاتها و اهدافها الخيره.

     فالاسلام و كما هو معروف عقائدياً و تاريخياً و سياسياً، دين الحوار و المناظره، و دين الدعوه الي التفاهم و النقاش و تسويه كافه المشاكل الفكريه و العقائديه علي اساس المنطق و العقل و لغه الحوار، هذه اللغه التي يوفر لها الاسلام- ضمن دائرته العريضه- المناخ الملائم و الاجواء المناسبه، كي يتمخض عن كل ذلك، تلك النتائج التي لابد و ان تكون لصالح الانسانيه و الفكر الانساني لو جري ذلك الحوار- طبعاً- ضمن تلك الاجواء و بعيداً عن كل ما يمكن ان يسيء الي قدسيته، و كل ما يمكن ان يخرج به بالقوه و التاثيرات المفتعله عن مساره الصحيح.

     الاسلام لا يخشي الحوار و لغه المناظره في يوم من الايام، و التاريخ حافل بانواع الحوار و مختلف اشكال المناظره التي كانت تجري علي مرأي و مسمع من الناس و في اجواء حره بين أئمه و علماء المسلمين من جهه و بين قاده و زعماء التيارات الفكريه و السياسيه المناهضه للاسلام من جهه‌ اخري من الزنادقه و الدهريين و النصاري و اليهود و ما شابه، لاسيما مناظرات الامام الصادق (ع)؛ تلك المناظرات الفكريه الثقافيه الحيه التي سجلتها كتب التاريخ و الفكر، و التي تعبر اسمي تعبير عن الروح الاسلاميه المنفتحه، و الصدر الاسلامي الواسع لاستقبال اي نقد بل و حتي اي انتقاد يوجه اليه مهما كان لاذعا، و القابليه الفكريه الاسلاميه لتحمل اي شبهات او طعنات توجه حتي الي اقوي المرتكزات الاسلاميه، شريطه ان يبدي الطرف الآخر او الجانب المعادي الاستعداد لساع كلمه الاسلام و رأيه في كل القضايا التي تدور حولها تلك الشبهات او الانتقادات. لانه- اي الاسلام- علي ثقه من قدرته علي الاقناع و دحض كافه الشبهات و الافتراءات التي توجه اليه مهما كانت قويه او منمقه و مدروسه. و هذا واضح جداً من نتائج كافه تلك المناظرات التي جرت بين ائمه المسلمين و تلامذتهم و بين رؤوس التيارات المناهضه، حيث انتهت برمتها لصالح متبنيات و ركائز و مفاهيم المدرسه الاسلاميه.

     الاسلام لا يكتم شيئاً و لا يحتفظ لمعتنقيه بماديء سريه لا يسمح للآخرين الاطلاع عليها خوفاً علي فقدانها لمصداقيتها مثلاً‌ او لعدم انسجامها مع الرأي العام او لاتسامها بالضعف علي صعيد البرهان و المنطق او لتخلفها عن مواكبه حركه الزمن.. الاسلام فكر قائم علي الدليل و الحجه، و ثقافه مستمده من السماء لا تدخل اليها يد التلاعب، و لا تعبث فيها الاذواق و الاهواء، و لا تحمل معها بذوراً فئويه او عنصريه او قوميه الاسلام ثقافه منفتحه علي الكون و البشريه قاطبه تستوعب الناس و تهيء لزجهم جميعاً دون استثناء لإعمار الارض و اقتلاع جذور الجهل و التخبط الفكري و الثقافي و العقائدي.

     الانسان اليوم بحاجه الي من ينقله عبر حوار هاديء هادف الي الاسلام، و الي التاريخ الاسلامي الذي لا زال يشع نوراً و عطاء و الي الكفر الاسلامي النقي و ما يضمه هذا الفكر بين دفتيه من قيم و مباديء و انظمه تمثل ذروه التطلعات الانسانيه في حاضرها و مستقبلها، و ما يمكن ان يلعبه هذا الفكر من دور علي صعيد وضع الحلول الناجعه للمشكله الانسانيه المتفاقمه يوماً بعد يوم، و الاخذ بيد الانسان في الشرق او الغرب مسلماً و غير مسلم نحو السبيل الذي يجد فيه السعاده الحقيقيه التي عجر عن الحصول عليها من خلال هرولته خلف هذه الفكره او تلك، و طرقه لهذا الباب او ذاك، و حركته نحو هذه الجهه و تلك.

     بل قل ان الاسلام كفكر و ثقافه و عقيده و حضاره بحاجه اليوم الي من ينقله الي الاخرين، الي سكان العالم كافه، الي جميع الاديان و الحضارات باسلوب سليم صحيح و ضمن برنامج علمي دقيق مدروس، بعيداً عن روح الانفعال و العاطفه و بمنأي عن كل ما من شأنه ان يسيء الي هذه العلميه التي تمثل وجهاً من اوجه الحوار و الانفتاح علي العالم بأسره لابد في هذه العمليه الثقافيه من تقديم الاسلام بصورته الناصعه دون زياده او نقصان و دون تبرير او تسويغ. و دون تردد او تعثر، شريطه ان يكون الناهضون بهذه المهمه الخطيره اناساً لديهم الاستعداد العلمي و النفسي الكامل لاداء هذه المهمه علي احسن وجه.

     و ممن يؤمن بان الحوار بين الافكار و الثقافات و الاديان هو الاسلوب الوحيد لرأب الصدوع القائمه و لم شتات الانسانيه التي ادمتها الحزازات و التناحرات التي يكمن خلفها بالدرجه الرئيسيه غياب لغه الحوار و التفاهم.

 

الوحده 228