الدين و عقل

ما هي طبيعه العلاقه بين العلم و الدين؟

منير مسعودي

 

     موضوع  العلاقه بين العلم و الدين بحد ذاته ليس بالشيء الجديد. فقد كانت هذه العلاقه موضع بحث و نقاش منذ زمن بعيد، و تعتبر من المسائل المهمه في الفلسفه الاسلاميه. و ربما بالمستوي نفسه كانت محل اهتمام الفلسفه الغربيه.. بيد ان السؤال هو: هل هناك مفهوم محدد لكل من العلوم و الدين. و العلاقه بينهما؟ و هل يوجد حقاً تعارض بين العقل و الدين او العلم و الدين؟ يتناول الحوار الآتي: الذي اداره الدكتور رضا داوري، بحث العلاقه بين الدين و العلم؛ شارك فيه كل من الاساتذه الدكتور غلام رضا اعواني و الدكتور مهدي گلشني، و الدكتور محمود سريع القلم، و الدكتور نصرالله پور جوادي.

     د. داوري: مما لاشك فيه ان دراسه العقل و الدين شيء، و البحث في العلاقه بين العلم الحديث و الدين شيء آخر. و نحن في حوارنا هذا نريد ان نتناول علي وجه الخصوص موضوع العلاقه بين الدين و العلم. فاذا ما نظرنا الي ظاهر الموضوع لا نجد اي منافاه بين المباديء العلميه و الاحكام الدينيه. و هذا يعني انهما امران متباينان و ليسا متضادين. و لذا لا يمكن مقارنه العلم بالدين و القول ان الدين يتنافي مع العلم، او ان العمل يتعارض مع الدين.. الا انه رغم ذلك كان التقابل بين العلم و الدين مطروحاً الي حد ما منذ ان ظهر العلم الحديث. اذ ان بعد علماء الدين رفضوا بعضا لنظريات العلميه. و بالطبع ان هذه المواقف الرافضه عدلت بالتدريج، و ربما انتفت احياناً. و من الممكن ان تزول اختلافات اليوم في الغد ايضاً.  علي ايه حال نحاول هنا ان نتناول العلاقه بين العلم و الدين بشكلها الصحيح، و نضعفها من مكانها المناسب.

 

تحديد المفاهيم

     د. اعواني: العلاقه بين العلم و الدين مسأله مهمه و حديثه. بيد ان السوال الذي يثار اليوم عن طبيعه هذه العلاقه، لم يكن مطروحاً في السابق أو لنقل في الفلسفه القديمه بهذه الصوره. و باعتقادي ان هذه المسأله المطروحه في عالم اليوم هي حصيله تغير و تحول كبيرين في المفاهيم. و اذا ما اردنا ان نجيب عن هذا السؤال ينبغي ان نستعرض جانباً من الخصوصيه التاريخيه للموضوع، فأنا اعتقد بضروره التمييز بين كل من رؤيه العصر الحديث و القديم. ان مفهوم العلم لم يكن واحداً لدي كل من افلاطون و ارسطو و ابن سينا و ملاصدرا. فمن وجهه نظر افلاطون ان لفظ episteme يعني العلم المطلق، و يشمل كلاً من العلم الكشفي و العلم البرهاني و العلم التجريبي. و ان مراتب هذه العلوم متمايزه عن بعضها. و الشيء نفسه بالنسبه لارسطو، اذ انه يشير في معظم آثاره الي التفاوت بين العلم و التجربه، و شروح العلم و المسائل الناتجه عنه. ابن سينا ايضاً كان له مثل هذا الرأي. اما الوجه المشترك بين جميع الفلاسفه الاقدمين فهو أنهم كانوا يعتبرون العلم ذا مراتب و درجات، و شخصوا العلاقه بين العلوم. اما في العصور الحديثه فانهم يعتبرون لفظ science مماثلاً للفظ العلم. و بذلك يتخذ العلم له معني خاصاً و محدداً، و بالتالي يتصل بمسأله العقل ايضاً.. أن فلاسفه القرون الوسطي كانوا قد قسموا العلم الي قسمين: sapientia الذي هو الحكمه و المطلق. و scientia الذي هو علم الطبيعه و الجزئي. اما في العصر الحديث، ففي الواقع ان لفظ science يطلق علي عموم العلم، و هذا بحد ذاته هو مصدر جميع المشكلات التي ظهرت اليوم بشأن العلاقه بين العلم و الدين.

     و الآن لو افترضنا العلم بمعناه المطلق،‌ فان هناك ارتباطاً كاملاً بين العلم و الدين. لأن الدين هو في الواقع علاقه بين الانسان و الحق المتعال، و ان هذه العلاقه تمتد جذورها في العلم المطق. اذن فمن هذه الناحيه لا يتنافي العلم مع الدين ابداً.. و لكن اذا ما وضعنا الدين في مقابل لفظ science، و عنينا بهذه المواجهه العلم بمعناه المجزأ، ففي هذه الحال نري تعارضاً بين العلم و الدين. بتعبير آخر، لو وضعنا العقل الجزئي مكان العقل الكلي او المعرفه الكليه، لظهر لنا اشكال اساسي و رئيسي، و هذا ما حصل بالظبط في الغرب الجديد و العصر الحديث. اي science بدلاً من المعرفه الكليه، و ratio ــ العقل الجزئي- مكان العقل بالكلي، و هذه المسأله هي منشأ تعارض العلم من الدين. و ان ما تفضل به الدكتور داوري من ان المباديء‌ العلميه لا تتنافي مع الاحكام الدينيه ابداً، صحيح بالنسبه لاشخاص مثل ابن سينا او ارسطو، الا انني اعتقد ان مثل هذا الكلام غير صحيح بالنسبه للعلم الحديث.

 

طبيعه العلاقه

     د. پور جوادي: تطرق الدكتور اعواني الي نكته مهمه اعتقد انها كانت ضروريه لهذا البحث، فمن الانس ان نتطرق اولاً الي تعريف العلم، و ان تتضح لنا رؤيته التاريخيه. و انا هنا اتساءل: ماذا نقصد بالعلم؟ و ماذا نعني بالدين؟ و ماذا نريد بالعلاقه بين العلم و الدين؟. اشار الدكتور اعواني الي ان السؤال عن العلاقه بين العلم و الدين، سؤال حديث. بيد اني اعتقد في حدود فهمي علي الاقل بالنسبه للدين الاسلامي ان هذا غير صحيح. علي سبيل المثال نذكر الغزالي، فهو من جمله الاشخاص الذين كانت لهم جهود مشهوده في احياء علوم الدين. و في الحقيقه ان الغزالي ظاهره اجتماعيه عميقه و متأصله انعكست في شخص الغزالي، و قد كان مطروحاً بالنسبه له هذا السؤال ايضاً: كيف ينبغي ان نتعامل الدينيه الي جواره؟ و ما هي مسؤوليه الدين تجاه علوم العصر؟ فالغزالي في كتاب احياء علوم الدين اراد ان يقول ان هناك علوماً دينيه و علوماً لا تنتسب الي الدين، و لابد لنا من احياء علوم الدين و التخلي عن العلوم غير الدينيه. ان هذا السؤال لم يكن مطروحاً لشخص الغزالي فحسب، بل لكل المجتمع السني و العالم الاسلامي و اهل الحديث. و ان اهل الحديث هم من جمله الاشخاص الذين كانوا يعارضون العلوم غير الدينيه و غير الشرعيه، و لم يكن بمقدورهم قبول اي نوع من العلوم غير الدينيه. ان هذا النزاع و التعارض كان موجوداً مند القرن الثالث الهجري اي منذ عصر اهل الحديث. و من هنا اعود لا طرح هذا السؤال مره اخري: ما هو الدين المعني، و ايه علوم تتوافق مع هذا الدين؟

     العلوم الدينيه في العالم الاسلامي دينيه بحته، اي العلوم نفسها التي كان يقبلها الغزالي و اهل الحديث، و التي ظهرت بصوره مسائل و تحولت بمرور الوقت و اتسعت دائرتها و اصبحت بصور علم.. مثلاً علم التفسير كان قد وجد فيما بعد. و هكذا علم الكلام او علم الحديث، فهي علوم ظهرت فيما بعد. و كذلك علم الرجال. و هذا يعني ان مثل هذه العلوم لم تكن موجوده في زمن النبي او صدر الاسلام. و علي هذا المنوال وجدت ايضاً علوم المسلمون ان يوجدوها بالتدريج بوحي من الايمان و القرآن الكريم و السنه النبويه الشريفه، و المصادر الاسلاميه الاخر. فعندما نتحدث الآن عن الدين، هل نقصد به ذلك الايمان و تلك التعاليم الاوليه التي نطق بها النبي الاكرم و الائمه الاطهار، ام هو مجموعه القوانين و الاحكام التي شكلت العلوم الدينيه؟ هل نستطيع القول ان هذه هي الدين بعينه؟ ام ينبغي لنا ان نعيد النظر في بعضها؟ اذ يعتقد بعض المفكرين بأنه ينبغي لنا علي سبيل المثال- ان نقبل جميع علوم التفسير، لأنها علي ايه حال جزء من ديننا، جزء من الاسلام، و بمثابه ثمار استمدت جذورها من الاسلام. في حين يرفض بعضهم ذلك، لأنها تتضمن تعارضاً فيما بينها، و انها وجدت بالتدريج و لا يمكن القبول بها جميعاً. مثلاً نحن لا نستطيع ان نبقي علي الكلام بالصوره التي كان عليها في الماضي، لان هناك مسائل كلاميه استجدت. و هكذا بالنسبه لبعض العلوم الاخر.

     و الشيء نفسه بالنسبه للعلم. ينبغي لنا ان نري ما المقصود بالعلم و ما هي حدوده. فقد ماؤنا كانوا يقولون ان حد العلم ساحل البحر. فاذا كنت واقفاً عند الساحل بامكانك ان تتعرف علي البحر. و لكن اذا ما غطست فيه فانك في هذه الحال ذهبت ابعد من العلم و انتقلت الي التجربه، و التي يمكن ان تسمي بشكل عام التجربه الدينيه.

     د. داوري: ربما لا نختلف في ان لدينا علم الدين و علم الدنيا. فالعلم يمكن تجزئته الي علم ديني و علم غير ديني. اما ان نجزيء العلم الي علم انساني و علم غير انساني، فلا يبدو مسوغاً. ان كل علم متوافر لدينا عن الدين او عن اي شيء آخر و هو  علم بشري. الكتاب السماوي ايضاً كانوا قد فسروه منذ زمن الوحي، رغم ان هذا الامر ينبغي ان لا يصبح ذريعه لنفي العالم القدسي و العلم المقدس. فاذا ما جزيء العلم باعتبار فاعله الانسان مثلاً فان هذه التجزئه تختلف وقفاً لمعرفه الانسان و النهج الذي يختاره في الوصول الي العلم. فلو كان الانسان وحيداً فريداً مقطوعاً عن كل شيء. فإن علمه سيكون بنحو ما. و اذا ما اعتبر متصلاً بالمبدأ و له اذن تسمع، فان علمه سيكون شيئاً آخر. و فضلاً عن ذلك يمكننا تقسيم العلم باعتبار الموضوع او متعلقه. و في هذا الحال لم تعد هناك اهميته لكونه انسانياً او غير انساني. و ان اول مرحله او مرتبه لهذا التقسيم، تقسيم العلم الي علم العقبي و علم الدنيا. و علم الدنيا ايضاً يمكن ان يكون جزءاً من الدين و مستمداً من المبدأ القدسي. و عليه فان كون العلم بشرياً و غير بشري، و ان العلم المتوافر لدينا هو علم بشري، لا يعتبر غير صحيح كلياً؛ بل غير دقيق و لا يتسم بالعمق. و قد نظر فيه الي جانب من العلم بدلاً من مطلق العلم.

 

السابقه التاريخيه

     د. كلشني: لقد اثيرت هنا امور عديده سأتطرق الي بعضها. ان قضيه العلم و الدين قضيه حديثه في احد جوانبها. ففي بدايه عصر العلم الحديث، يعني منذ القرن السابع عشر، كان مؤسسو العلم الحديث اشخاصاً متدينين. و اذا ما كان لديهم اختلاف مع الكنيسه فهو لأنهم كانوا يعتقدون ان الكنيسه تتدخل في بعض الامور التي ليس من اختصاص الدين، و الا فلا يوجد شك في اصل تعبدهم. ان نيوتن نفسه كان شخصاً موحداً، و حتي انه عندما كان يدون افكاره و نظريته، كان يحرص لئلاً ينسي دور الله سبحانه، و لكن بعد نيوتن، و نتيجه للتقدم الذي حصل في الفيزياء الكلاسيكيه، اعتقدوا تجدريجياً بان العلم يتصف بالاكتفاء‌ الذاتي، و بامكانه ان يجيب عن كل شيء. و راح ذلك يتعزز مع مرور الوقت حتي اشتد في اوائل القرن العشرين الموقف ضد الفلسفه و ضد ميتافيزيقيه العلماء.

     اما ما هو السبب الذي يقف اليوم وراء اثاره قضيه العلم و الدين؟ ففي اعتقادي ان ذلك ناتج عن ان الكثير من علماء العلوم التجريبيه انتبهوا الي ان العلم لوحده لا يكفي. و قد رجع الكثير منهم الي المذاهب العرفانيه، او اهتم بالدين بالمفهوم العام، مفهوم الاعتقاد بما وراء الطبيعه. و بطبيعه الحال اصبح الاهتمام بالاديان اكبر و أوسع.

     و اذا ما كان في الماضي اشخاص نظير الغزالي، يؤمنون بدور ثانوي للعلوم الطبيعيه، فان ذلك ناتج عن انهم كانوا يتصورون ان المعرفه الوحيده التي ينبغي ان تكون متداوله هي المعرفه التي تقربنا من الله سبحانه، و ما عدا ذلك فهي معارف ثانويه. و انا اعتقد ان الغزالي و امثاله اخطأوا في المصداق. فنحن نجد بعض العلماء المسلمين البارزين من امثال ابي ريحان و الخواجه نصيرالدين و ابن سينا قد اهتموا بالعلوم الطبيعيه و اعتبروها وسيله ايضاً للتقرب الي الحق المتعال.

     و هكذا في المسيحيه. فالعلماء الذين كانوا علي درجه علميه مرموقه، و كانوا متدينين ايضاً، كانوا يعتبرون علمهم وسيله للتقرب الي الحق سبحانه. صحيح ان الرأي الذي كان سائداً في القرن التاسع عشر و حتي القرن العشرين. من ان باستطاعه العلم ان يجيب عن كل شيء. و لكن في العقود الاخيره و نتيجه لبعض المعضلات التي ظهرت في ميادين العلوم، ابقت جماعه الباب مفتوحاً للميتافيزيقيا.. فقد سألت في احد المؤتمرات استاذ الدراسات الدينيه، الذي لم يكن متعبداً بأي دين؛ كيف حال الدين في السويد؟ أجاب: ان لدي اشخاص كثيرين اعتقاداً بنحو ما بما وراء الطبيعه، دون ان يكون لديهم اي ايمان بأي دين من الاديان. فنحن نجد اليوم في العالم الغربي فئه متدينه، و اخري تتنكر لكل ما هو ديني، و ثالثه لا أباليه تجاه الدين، و رابعه تضع حداً فاصلاً بين مسؤوليه الدين و دور العلم.

 

نهجان و هدف واحد

     بيد أن السؤال المطروح هو: هل تتعارض العلوم التجريبيه مع الدين بمفهومه العام؟ يوجد هنا جانبان احدهما نظري و الآخر عملي. فهناك اشخاص يؤمنون بما وراء الطبيعه، لا ينكرون الاديان؛ الا انهم لا يعتنقون اي واحد من هذه الاديان. و مع ذلك فان لديهم قناعه بانه لابد من الرجوع الي الدين للاجابه عن بعض المعضلات. و يوجد آخرون ممن يعتقدون بأن لكل من العلم و الدين، اي العلم التجريبي و الاديان الالهيه، مجالين مستقلين. و ان بعض الاسئله ينبغي ان يجيب عليها الدين، و بعضها الآخر من مسؤوليه العلم. ينبغي للدين الاجابه عن العليه، في حين يفترض بالعلم ان يجيب عن الكيفيه. و هناك فئه ثالثه تعتقد بأن العلم و الدين يشتركان في المبني، ان ان مبني كل من الدين و العلم مبني ميتافيزيقي. فانت لا تستطيع ان تتعامل مع العلم من غير وجود اطار ميتافيريقي. و الدين ايضاً ذو مبني ميتافيزيقي. و عليه فان لكل من العلم و الدين قاعده مشتركه، و نهجين متباينين. و ان لدي هؤلاء هدفاً واحداً ايضاً. اي ان اولئك الذين يلوذون بالدين و هؤلاء الذين يلجأون الي العلم، هدفهم واحد. و في اعتقادي ان رؤيه الاسلام هي هذه ايضاً. و هذا يعني لو ان عالماً نظير ابي ريحان الذي كان عالماً طبيعياً من الدرجه الاولي او فيلسوفاً عالمياً كالخواجه نصيرالدين، كان قد اهتم بالرياضيات او العلوم الطبيعيه، فهو لهذا السبب ان العلوم الطبيعيه علوم هادفه، و كانوا يعتبرون هدف هذه العلوم القرب من الحق المتعال.

     فالدين يمتاز ببعده العملي، و ان هذا البعد العملي هو الذي يقرب الانسان الي الله. العلم ايضاً له اسلوبه و نهجه الخاص: البحث في الطبيعه و التأمل فيها. و قد ورد في القرآن المجيد: «قل سيروا في الارض فانظروا كيف بدأ الخلق»، فأنا اؤمن بأن القرآن قد اوكل البنا البحث و التأمل في خلق الله سبحانه، و لكن في الوقت نفسه لا اعتقد بأن الطريق الوحيد لاكتشاف الطبيعه، هو البحوث، التجريبيه البحته. و ان الكثير من علماء الفيزياء المرقوقين يؤيدون ذلك. لقد كان آينشتاين يقول لنيوتن: انت الذي تزعم انك لا تضع فرضيه و انما تأخذ كل شيء من الطبيعه؛ فاذا كان كلامك صحيحاً لما كان ينبغي لنظريتي النسبيه ان تحل محل نظريتك الميكانيكيه.

     ان كلام اينشتاين هذا يشير الي ان عقل الانسان الخلاق يتمكن من صياغه نظريه، و لكن ينبغي له ان يختبر صحتها علي محك التجربه. فهو يعتقد بوجود انسجام كامل بيننا و بين عالم الطبيعه، و عبر هذا الانسجام نتمكن من معرفه الطبيعه. و اذا ما تمكنا من تبرير هذا الانسجام فاننا نصادق علي انتسابها الي مبدأ واحد.. ان مثل هذا الكلام يردده بعض الفلاسفه المعاصرين ايضاً. ففي شهر مارس من هذا العام حيث كنت اشارك في واحد المؤتمرات، سمعت البروفسور (Trigg)، استاذ الفلسفه في جامعه (Warrich)، مخاطباً الحاضرين: انتم اساساً لا تستطيعون انت تبرروا العلم عقلياً الا بمساعده الميتافيزيقيا، و عليه فان المسير الذي يطويه كل من الدين و العلم له نهايه واحده، غايه الامر ان النهج العملي الذي يسلكه كل واحد منها متباين و متفاوت.. ان عله التعارض هي التي توجد التزاحم بينهما، اذ ان الدين يطالب بالتدخل في بعض الامور التي ليست من اختصاصه؛ و العلم يريد ان يجيب عن اسئله لا يمتلك القدره علي الاجابه عنها. و انا اعتقد لو تم الالتفات الي هذه النكته، لن يكون هناك اي تعارض، و انني اري لكل منهما وحده المبدأ و كذلك وحده المنتهي.

 

تباين ام تعارض؟

     د. سريع القلم: السؤال المطروح: ما هو مفهوم العلم؟ و ما هو مفهوم الدين؟ و ما هي صوره العلاقه بينهما؟ انا هنا سأجيب عن جانب من السؤال اعتقد انه مطروح في عصرنا باعتباره معضله اساسيه.

     فهمي للدين بأنه مجموعه من الاصول الثابته و الازليه أنزلها الله سبحانه الي البشريه بما يتوافق و فطره الانسان. و عليه فالدين منهج لهدايه الانسان و سعادته. اما التعريف الموجود في ذهني عن العلم فهو يتجلي في مجالات ثلاثه، هي في الواقع من نتاج العلم الحديث: 1- التعرف علي العينيات و ما هو ملموس. 2- الاسلوب و الطريقه. 3- الجانب العملي.

     علي ضوء هذين التعريفين للدين و العلم، يثار السؤال الآتي: هل يوجد تعارض بين الدين و العلم؟. ينبغي القول انهما مقولتان متباينتان، و لهما ماهيه متفاوته. أي ان دائره و حدود الدين و الحق و الباطل اوسع و اعقد و اعمق بكثير من دائره العلم و الاسلوب او المنهج، و الجانب العملي. و بهذا فليس بالضروره أن ينفي بعضه البعض الآخر، لأنهما يتناولان موضوعين و مجالين مختلفين. فمره يطرح الدين بمثابه تلبيه المعتقدات الشخصيه، او من اجل تغطيه جانب من حياه الانسان الفرديه و العمليه، و بحثاً عن الاحكام الفرديه. و هنا لعله لم يتداخل الدين مع العلم بصوره شامله. و ربما كان ذلك احد الادله علي وجود مشكلات لاسباب مختلفه بين الدين و العلم في تاريخ الاسلام.

     و لكن اذا ما منحنا الدين ابعاد الرؤيه الكونيه، كأن تقول بأن السلوك الجمعي هو أساس سلوك عامه البشر في الحياه الاجتماعيه و السياسيه و الثقافيه و الاقتصاديه. فهنا تتوفر ارضيه التعامل بين الدين و العلم. و هذا يعني ان الدين اذا ما وجد له البعد الاجتماعي و الحكومي، فانه انذآك سوف يضطر للاتجاه العملي. فطالما كان الدين و المنهج و الجانب الفردي و البعد التعليمي و الهامشي في حياه الانسان؛ فلن يتعامل مع العلم. و لكن اذا ما وجد الدين له رؤيه كونيه اجتماعيه و سياسيه، فانه يمسي بحاجه ماسه الي التحرك باتجاه العلم و المنهج و التعرف علي ما هو ملموس. و ان جانباً مهماً من ظهور الحضاره الغربيه ناتج ايضاً عن ممارسه الاسلوب و الطريقه و البعد العملي.

     في اعتقادي، اذا ما كانت هناك علاقه بين الدين و العلم، فهي ان الدين بحاجه الي العلم لكي يتسني له اقامه الحكومه، لكي يتمكن من تأسيس النظام الاجتماعي؛ و من دون الاسلوب او المنهج و البعد العملي، ليس بمقدوره ان يحقق ذلك. فلو اعتبرنا الدين بمثابه مذهب واقعي عملي، و اطار للعمل و الحياه نظير الاشتراكيه و الليبراليه و امثالهما مما ظهر في الشرق و الغرب خلال القرون الاخيره فانه طالما لم يكن مجهزاً بالمنهج و الطريقه و المعرفه العينيه، فليس بمقدوره ان يعرض مثالاً او نموذجاً عملياً. ان مشكلتنا هي اننا نتصور ان الدين قابل للتطبيق بمثابه اوامر و قواعد في اي وقت.

     ان الدين كغيره من المذاهب الاخر يتطلب وقتاً لكي يتمكن من تعديل و اصلاح نماذجه العمليه، و التعرف علي مدي اقتراب الاصول و الاحكام الدينيه في الواقع العملي من ذلك الذي رسم لها و ينتظره منها. و عليه فالنماذج العمليه لن توجده مره واحده، بل ان اي مذهب لن يتحقق دفعه واحده. يفترض بالانسان ان يبرهن علي عمليه الدين بنفسه. من المفترض ان يجسد الانسان الدين في اطار اجتماعي و سياسي، و ان ذلك يتطلب وقتاً.

     بناء علي هذا، فان بحثنا الاساس يدور حول ما اذا اردنا ان نطرح الدين بمثابه حكومه و نظام، ففي هذه الحال ينبغي لنا، بكل تأكيد، ان نكون مجهزين بالاسلوب و الطريقه و معرفه العينيات. اي نعمل علي تجسيد اصول الدين بالتدريج و مع مرور الوقت و من خلال النماذج الخاصه و العامه، في الواقع العملي، لكي نقترب من الاهداف ولو بصوره نسبيه. و من النماذج العمليه في هذا المجال، النهضه الاسلاميه في المنطقه و العام الاسلامي. فنحن نري رغبه جامحه في احياء الاسلام، و في عودته الي واقع الحياه الاجتماعيه. و ان هذا التوجه يعتبر توجهاً جاداً جداً في العالم الاسلامي. بيد انه و من اجل تحقق ذلك، لابد لنا في اعتقادي من الانتقال من المرحله العاطفيه الراهنه، اي التعلق القلبي بالاسلام، الي مرحله انا اسميها مرحله الوسائل و المعدات. اي في الوقت الذي يطرح الاسلام كمجموعه الاصول و المباديء، نسعي الي تبديلها بمرور الوقت الي نماذج عمليه، او امثله واقعيه.

     فاذا كان يفترض ان تنشأ صوره خاصه بالحضاره و الثقافه الاسلاميه، فنحن بحاجه الي العلم و المنهج و الجانب العملي، حتي نتمكن من تجسيد تلك الاصول عملياً. و هذا يعني لابد من تبديل الثقافه الدينيه الفعليه الشفاهيه الي ثقافه دينيه عمليه لكي نتمكن من ان نخطو نحو الحضاره. و هنا في تصوري- العلم ينفع الدين، و بامكانه ان يكون في متناول الدين لكي يمنحه البعد العملي و العيني.

     د. داوري: لاشك في ان العلم شهد نوعاً من التطور و التحول و الانتشار. الا تعتقد ان الثقافه الدينيه ايضاً تطورت مع هذا التحول و عبر مسيره الحضاره الجديده و ظهور المجتمع المدني؟

 

المثال و النخبه

     د. سريع القلم: من بين نظريات المختلفه التي تفسر ظهور الحضاره الغربيه من الناحيه الاقتصاديه السياسيه، توجد نظريه تعتبر اقوي من غيرها، و لها مؤيدون كثيرون، مفادها: منذ ما يقارب القرنين و النصف علي سقوط الكنيسه، وجد جدل و نقاش علمي بين اوساط مختلف المفكرين الدينيين و غير الدينيين حول مكانه الدين و تعريف المجتمع و الانسان و الامثال ذلك، انتهي الي اطار محدد نطلق عليه في الوقت الحاضر بالرأسماليه النموذجيه. و تنص النظريه علي ان اصحاب الثروه خطفوا في الواقع المجتمع من ايدي اصحاب الادعاء الآخرين، و اسسوا نظامهم الخاص الذي وصل الي اوج تكامله الداخلي في القرنين التاسع عشر و العشرين. و انا هنا اريد ان اوضح من خلال هذه النظريه، الملاحظه التاليه و هي اننا اذا القينا نظره علميه علي حضاره الغرب، فسوف نري ان هذه الحضاره الغربيه كان لها ولي و صاحب، و هو النظام الرأسمالي الذي ادخل الاقتصاد بقوه الي مناحي المجتمع، و امسك بالتدريج بالميدان السياسي و الثقافي ايضاً و اقام حضاره ماديه. فالذي يستحق التأمل في الغرب هو الانسجام و التناسق الموجود بين كل من مجال السياسيه و الاقتصاد و الثقافه طبعاً نحن لا نبحث هنا عن ان هذا التجانس هل حسن ام سيء -، و قد استطاعت هذه الحضاره، بسبب هذا التجانس، ان تنمو في داخلها و تزدهر و تنتشر.

     الملاحظه الثانيه هي ان هن