ما هو الخيار لصياغه المستقبل و هي ينتهي التاريخ حقا؟

عبدالله الفريجي

 

     اول ما يجب الانتباه اليه هو عمليه الاملاء التي مارستها التقنيه بصوره متواصله في اذابه الهويات حيث ان الفرد في ان نقطه من نقاط العالم تملي عليه معايشه سلوكيات و قيم و افكار غربيه او متغربه من خلال الاذاعه و التلفزيون او الكتاب و ان يتقبل واقعا بعيدا عن القيم الاخلاقيه السليمه و بناء علي هذا فان خيار التحصن لم يعد خيارا موضوعيا اذ ان وسائل تسريب الثقافات الاخري قادره علي اقتحام كافه الحواجز و ان الكتل الاقتصاديه و السياسيه نافذه الي درجه ملحوظه بوضوح

     يرتبط المستقبل في العالم الاسلامي بظاهره لا تزال تتجذر و تطفو علي سطح الاحداث و تثير الافكار و التطلعات لدراستها و استجلاء ابعادها، هذه الظاهره هي الابرز في التطور العالمي و هي شامله للسياحه و الاقتصاد و الاعلام و الثقافه و التبادل العلمي و المعلوماتي و بغض النظر عن الاسم الذي يمكن ان يستخدم للاشاره اليها،‌ او اسلوب الرؤيه و الموقف الذي يتخذ ازاءها، انها ببساطه قضت علي العزله و لم تعد تسمح لاي زاويه او بلد ان يعيش حياته كما يشاء بدون الالتفات الي ما يحيط به.

 

التفاعل العالمي

     و من الواضح ان اول انعكاس لهذه الحقيقه يكون علي الثقافات و العقائد و بالتالي علي هويه الامه مما يفرض علينا البحث عن مواقف استراتيجيه منطلقه من قراءه موضوعيه للواقع و ليست منطلقه من الرغبه العميقه في الحفاظ علي الذات. اذ ان هذه الرغبه و رغم مشروعيتها لا تستطيع تحويل آليات هذه الظاهره الي آليات عديمه التاثير لانها قائمه اصلا و بدرجه رئيسيه علي معطيات الثوره التقنيه و المنجزات العظيمه التي تضيفها كل يوم لصالح الظاهره و التي تضيفها كل يوم لصالح الظاهره و التي تجعل من المسافات الشاسعه و الفواصل الجغرافيه و العرقيه و حتي العقائديه ليست حواجز محكمه امام عمليه التفاعل الامر الذي يجعلها قضيه مفروضه لا نملك الا الاستجابه لها.

     و لانها كذلك فانها ايضا تتيح فرصا كبيره للقوي الكبري في العالم في توجيه عمليه التفاعل و تحويلها من عمليه ايجابيه تسمح لنمو العناصر الموجبه في الثقافات و العقائد الي عمليه تحاول تكريس اتجاهات خاصه قد يتفق اغلب المتعرضين لها علي كونها غالبا ليست ايجابيه.

     و من هذه المنطلق اعلن البعض عن سقوط الايديولوجيا و ان التطور العالمي بلغ نهايته و اننا منذ الآن فصاعدا نعيش في كنف مرحله واحده هي مرحله «نهايه التاريخ» مرحله انتصار الراسماليه التي لم تعد تعطي لاي شيء سوي الاقتصاد و المنتج التقني المتطور اهميه و اننا سنظل نعيش في هذا الاطار علي اعتبار كونه اعلي مستوي من مستويات التطور الانساني.

     و قد يكون الالتحام الاقتصادي بين بلدان العالم وقاراته حقيقه لا يمكن انكارها كما ان الثوره العالميه في الاتصالات ذات فاعليه كبيره و ايجابيات لا تحصي كذلك مما لا يمكن انكاره مضافا الي الكثير من المفردات الاخري التي نشاهدها كل يوم في عالمنا المعاصر كذلك. غير ان المهم و الذي يحتاج الي الكثير من التامل هو التحكم في التوجيه و الدفع المتواصلين اللذين يصر العالم المتقدم علي ان تتجه بواسطتهما دول العالم الاخري و بصوره متواصله الي المالوفات الغربيه مع العلم ان العالم الغربي نفسه و الانسان الغربي علي مختلف تنوعاته لم يعد يريد الاستمرار في هذا النمط من الحياه الذي تسيطر عليه ظاهر الآليه و الابتعاد عن القيم و الاخلاق التي برزت في عصر الآله كحاجه انسانيه ماسه.

     ثم ان عمليات التحول بالكيفيه التي تسير عليها اليوم تحاول استبدال الاستقطاب في داخل العالم و بذلك تحاول ان تعيد صياغه عمليه الصراعات العالميه بدلا من السعي للقضاء عليها و ان تعطي للاقتصاد اولويه علي السلاح في تكريس التفوق الغربي.

     و لهذا فانها عمليه تسعي الي خلق حاله من القبول بالتفوق الغربي في اوساط عالم الجنوب و ان تحاصر حالات التفجر و تمنعها من الانطلاق و تحتفظ لنفسها بالقدره علي السيطره علي مناطق التفجر عبر عمليه فرض المزيد من التفكك في الكيانات الاقتصاديه و السياسيه عبر تفجير الروابط القديمه و الموروثه.

     و لهذا فانها تحتاج اول ما تحتاج الي تفكيك الهويات الثقافيه تفكيكا يؤدي الي التعايش مع الهويه المملات من قبل اجهزه التوجيه الغربيه.

     فمن الطبيعي ان يكون التعايش مرحله او خطوه علي طريق القبول بالاخر من خطوه ايضا علي طريق التنازل عن الذات الموروثه الي ذات الاخر او اي ذات جديده متشكله تبعا للواقع الجديد.

 

صيانه الهويه

     و من الواضح ان الصراع القادم صراع هويه، صراع ضد التحول الي ذرات هائمه في عالم الغد، العالم الذي ستذوب فيه الكيانات القديمه، صراع ضد عمليات تكريس المشتركات الامميه و الاتجاه الي الاحتفاظ بالخصوصيات القطريه او العشائريه وصولا الي الاحتفاظ بالخصوصيات الفرديه لانها تشكل اقصي حالات الاستعداد للتشكل القادم.

     و من هنا فان اول ما يجب الانتباه اليه هو عمليه الاملاء التي مارستها التقنيه بصوره متواصله في اذابه الهويات حيث ان الفرد في اي نقطه من نقاط العالم تملي عليه معايشه سلوكيات و قيم و افكار غربيه او متغربه من خلال الاذاعه و التلفزيون او الكتاب و ان يتقبل واقعا بعيدا عن القيم الاخلاقيه السليمه و بناء علي هذا فان خيار التحصن لم يعد خيارا موضوعيا اذ ان وسائل تسريب الثقافات الاخري قادره علي اقتحام كافه الحواجز و ان الكتل الاقتصاديه و السياسيه نافذه الي درجه ملحوظه بوضوح.

     كما ان خيار الاستسلام لم يعد خيارا ممكنا و انه يعادل عمليه انتحار ثقافي و انساني يقود الانسانيه الي كارثه رهيبه في المستقبل.

     لذا فان الخيار الوحيد هو خيار التحكم في الصيروره فهذه الحسيروره القاهره ماضيه دون ريب الا ان حتميه كونها موجهه فتلك مساله مشكوكه اذ يمكن ان تقويم مؤسسات عالميه تعني بالثقافه بنفس القدر الذي تعني فيه بالخبز. و ان يصار الي مواجهه عمليات التذويب بعمليات استقطاب علي غرار النجاح الذي حققته المنظمات الفعاله في العالم.

     يمكن كذلك اقامه منظومات عالم ثالثيه تقف بوجه التوجيه الغربي علي الصعيد الثقافي او علي الاقل لا تسمح له بالتصرف لوحده في تكوين الواقع الثقافي العالمي و ربما امكن ان تدار عمليات توجيه الثقافه من خلال منظمه عالميه متوازنه لا يكون للغرب وحده التوجيه فيها.

     هذا من جهه التصدي للتوجيه الغربي و هو وحده غير كاف اذ لابد من ان يقترن بعمليه اخري تنحصر في اكتشاف العوامل و العناصر المتفوقه في الهويه و تقديمها بصوره مقبوله لتفرض نفسها كعنصر من عناصر تشكيل الغد المطلوب.

     و هذا طبعا سيكون خيارا اكثر قربا الي القسر بحكم الضغوط المشار اليها و هو مقرون باغراء الذوبان المبطن الذي يستسهله البعض من استيعاب القيم الموجهه ضمن الظواهر و الاعراف الموروثه اذ يحولها الي ظواهر و اعراف مفرغه من مضامينها و محقونه بمضامين غربيه و موجهه و هذا لعمرك ذوبان غير معلن، ذوبان خجول و هو ناتج اصلا للاحساس بعجز الذات عن الاستمرار في البقاء.

     و طبيعي ان الاحساس بضروره التكيف احساس حقيقي و صحيح لكن التكيف يجب ان يتم عبر التخلص من الاجزاء الميته من الذات و ليس عمليه استجابه للتوجيه المملي من الاخر و تفرضه قوه المنجز الحضاري بل هو عمليه انتقاء تقوم علي اساس مراجعه واعيه و دراسه عميقه للذات بادوات الذات نفسها و ليست بادوات الاخر لانها ستكون عاملا آخر من عوامل القبول بالذوبان.

     و يمكن ان تكون الاستراتيجيه المضاده استراتيجيه تعتمد الثقافه كسلاح مضاد للسلاح الذي تستخدمه القوي الكبري تلك القوي التي اعتمدت الاقتصاد و التقنيه كسلاح للسيطره اذ ان الثغره الثقافيه عند الاخر ثغره قاتله يمكن ان تقلب موازين القوي بشكل رهيب و ان تفقد التفوق الغربي فاعليته و تحوله الي كميه مهمله في معادله التحول.

     فمن الواضح ان الغرب ليس قادرا بحكم تكونه علي ان يعيد الاعتبار الي الاشياء التي نادي بعدم اهميتها مثل الاخلاق و الدين و بالتالي فان وجوده القائم علي رجل واحده يمكن ان ينهار في ايه لحظه.

     و من هنا فان نحتاج اليه هو الفات النظر الي عناصر القوه من الثقافيه و التي يحاول الغرب عن طريق تجاهلها و الفات انظار الاجيال الي عناصر اخري من خلال وسائل التوجيه الي جعلها عديمه الفائده. نحن نحتاج الي عمليه مضاده لاكتشاف الحقيقه و عندها سنري ان الغد سينصاع للحقائق الموضوعيه في العالم و ليس للاوهام التي تضخها اجهزه التوجيه الغربيه.

 

الوحده ـ العدد 215