مدارات ثقافيه اشکاليه الفقه و المثقف

خلفيه الالتباس و فصليه فکريه لتجسير العلاقه بينهما

 

خالد توفيق

 

ليس بوسع المجتمع الاسلامی فی ای بلد من بلاد المسلمين ان يستغنی عن الجامعه بالحوزه، او عن الحوزه بالجامعه. و ربما کان من ادق التعابير و اجملها فی هذا المجال تعبير الامام الخمينی الراحل، الذی عبر عن الفئتين الحوزويه و الجامعيه، بانهما بمثابه لدماغ او العقل المفکر للمجتمع

خلفيه العلاقه الملتبسه

          اکتسبت العلاقه بين الفقيه و المثقف فی العالم الاسلامی وضعا اشکاليا فی العقود الاخيره. ففی السابق لم تکن الثقافه السائده فی المجتمعات الاسلاميه تعرف مثل هذا الالتباس لان الفقيه و العالم کانا فی الاغلب هما مصدر الثقافه و المعرفه فی مختلف صنوف العلوم.

          ولکن مع نمو الطبقه المثقفه التی ولدت فی الاغلب اثر احتکاک المسلمين بالثقافه الغربيه، ظهرت هذه العلاقه الاشکاليه.

          و حين نتحدث عن علاقه اشکاليه بين هاتين الفئتين المعرفيتين فانا لا نعنی بهما محض الفقيه او محض المثقف، و انما نلحظ ان الواقع فی العالم الاسلامی تحرک لتاکيد علاقه التباعد بين المؤسستين اللتين ينتمی اليها کل طرف من الطرفين؛ و بالتالی عادت العلاقه الاشکاليه لترمی بظلالها علی المؤسستين الحوزويه و الجامعيه.

          لا احد يستطيع ان ينکر ان اغلب بلاد المسلمين تقريبا _ ان لم تکن جمعيها _ عاشت هذه المشکله بدرجه قد تتفاوت بين هذا البلد او ذلک.

          و عندما نقول ان العلاقه بين الفئتين الفقهاء و المثقفين، او بين المؤسستين الحوزويه و الجامعيه، تعيش حاله اشکاليه، فانا نعنی بذلک طابع الالتباس الموجود بينهما. فالطابع الاشکالی يقرا مره من خلال ما يرمز اليه الفقيه من اصاله فی الثقافه، فی حين ترتبط ثقافه التغريب نشوءا و نموا بالفئه المثقفه علی الاغلب، و هذا ما يفسر لنا جنوح المثقفين فی بلاد المسلمين، الی الخيار العلمانی فی الغالب، و اصطفاف العلماء فی صف خيار الامه المتمثل بالاسلام.

          بيد ان الاخطر من ذلک کله، هی القراءه الثانيه التی تقدم الاشکاليه بين الفئتين و المؤسستين علی اساس القطيعه. فهذه القراءه تتحدث عن الالغاء کحل وحيد، و لا تقبل النزول علی حلول اخری تبقی الطرفين فی الساحه.

          فالمثقف يريد الغاء دور الفقيه، و الجامعه تبغی الغاء دور الحوزه. و من جهه ثانيه يتحرک الفقيه لالغاء المثقف و تتحرک الحوزه للانقضاض علی الجامعه.

          هذا التدافع الذی يتحرک فی اطار علاقه متوتره تتوسل بالحذف و الالغاء، هو اخطر الوجوه التی ترتديها اشکاليه العلاقه بين الفقيه و المثقف، و بين الحوزه و الجامعه.

          و الذی يزيد فی تعقيد الموقف هو سعی الانظمه الحاکمه فی اغلب بلاد العالم الاسلامی، لتاکيد هذا الانفصام و دفعه لما يقود الی تحقيق الالغاء.

          فالانظمه التی حکمت العالم الاسلامی منذ عقود و ما تزال تهيمن علی مقدراته تتبنی المشروع العلمانی _ التغريبی، سواء اعلنت ذلک و جاهرت به، او اخفته و تسترت عليه.

          و حين ترکب معادله السلطه فی العالم الاسلامی علی اساس علمانی _ تغريبی، فمن الواضح انها سوف تندفع لحذف دور الفقيه و الغاء المؤسسه الحوزويه من الحياه الاسلاميه.

          تاريخ العالم الاسلامی خلال العقود الماضيه ينطق بهذه الحقيقه و يؤکدها بالوقائع الدامغه. فالفقيه مطارد فی بلاده، و المؤسسات و المعاهد و الحوزات الدينيه تعيش تحت الحصار. و لم ينج من هذا الالغاء و الحصار الا من اختار من العلماء ان ينخرط فی مشروع السلطه ذاتها؛ و من المؤسسات و المعاهد الاسلاميه غير الذی يصفق للسلطان و يمارس التنظير لاستبداده باسم الدين. هذه هی القاعده و ما عدا ذلک استثناء. فاذا ما اراد العالم ان يمارس دوره فعليه ان يعانی الامرين.

          بديهی کرست بعض الاوساط العلمائيه هذا التنافر بمواقفها المعاديه لشباب الامه المثقفين و للکيان الجامعی، لا فرق بين ان تاتی هذه المواقف بصيغه صريحه او تعبر عن نفسها بشکل مضمر، فساهمت بذلک فی بناء اسوار القطيعه و ترسيخ جدرانها.

          فی اجواء مثل هذه العلاقه الملتبسه کان للمخلصين من الطرفين دوره و مشاريعه فی راب الصدع، و المبادره لايجاد جسر يمد بين الجبهتين.

          و فی الجمهوريه الاسلاميه برزت واحده من اطروحات تجسير العلاقه، عبر المشروع الذی اکتسب فی الساحه الايرانيه عنوان: الوحده بين الحوزه و الجامعه.

 

اطروحات فی الطريق

          لقد تحرکت جهود المخلصين فی الوسطين الحوزوی و الجامعی لتذويب العلاقه الاشکاليه الملتبسه بين الطرفين. و الملاحظ ان جميع الصيغ و المشاريع التی انطلقت فی هذا المضمار، تجاوزت مساله الحذف و الالغاء، فالمجتمع الاسلامی يحتاج الی دور الفقيه کما يحتاج الی دور المثقف.

          و من وجهه ثانيه ليس بوسع المجتمع الاسلامی فی ای بلد من بلاد المسلمين ان يستغنی عن الجامعه بالحوزه، او عن الحوزه بالجامعه. و ربما کان من ادق التعابير و اجملها فی هذا المجال تعبير الامام الخمينی الراحل، الذی عبر عن الفئتين الحوزويه و الجامعيه، بانهما بمثابه الدماغ او العقل المفکر للمجتمع. و لا يسع المجتمع بطبيعه الحال ان يستغنی عن جزء من عقله او دماغه بالتخلی عن احد الفريقين، و انما تبقی المساله رهينه باعاده بناء العلاقه بينهما، بما يجعل کل فئه و مؤسسه تتحرک فی الدائره التی تنسجم مع مؤهلاتها و اختصاصها.

          لقد اشتغل رموز کبار من علماء و مفکرين العالم الاسلامی بتجسير العلاقه بين الطرفين، حيث تشتهر فی هذا المضمار جهود المفکر و الفقيه الشهيد السيد محمد باقر الصدر، وجهود المفکر و العالم و العالم الشهيد مرتضی مطهری، و العلامه السيد محمد حسين الطباطبائی، و السيد ابوالاعلی المودودی و الشهید الراحل الشيخ محمد مفتح و غيرهم کثير.

          و اذا کانت جهود هؤلاء الرموز قد انصرفت فی الاغلب لبذل النشاط النظری و الفکری بين الطرفين، فان الاطروحه او المشروع الذی تبناه الامام الخمينی بهذا الشان يؤکد علی الجانب العملی.

          و مرد تاکيد الامام الراحل علی الجانب العملی، يعود الی انه قائد نهضه يواجه وقائع الحياه و مشکلاتها اليوميه، و بالتالی عليه ان يضع لها الحلول المباشره فمشکلات الحياه لا تقبل التاجيل و الانتظار الطويل، کما انها تلفظ الحلول اذا اتسمت بالمثاليه، و تملها اذا اغرقت بالتنظير المجافی للواقع او المترفع عليه.

          لقد انتصرت الثوره الاسلاميه فی ايران، و فی البلد علماء و مثقفون، و فيه حوزات و جامعات، فما هی صيغه العلاقه بين الاثنين؟

          لقد اولی الامام الراحل هذا الموضوع اهتماما کبيرا و کان من بين ما افترحه من عناصر الحل، اطلاق مشروع الوحده بين الحوزه و الجامعه.

          علی اساس هذا المشروع ولدت مراکز لمتابعه الجهود فی هذا المجال، کان من بينها المرکز الذی يحمل عنوان: {مکت التنسيق بين الحوزه و الجامعه}. لقد اضطلع هذا المرکز بالسعی لمعالجه المشکلات النظريه فی العلاقه بين المؤسستين، علی اساس تقديم الدراسات العلميه المشترکه بين الطرفين. و کان من بين جهوده الفکريه المبادره لاصدار فصليه متخصصه تحمل عنوان: {الحوزه و الجامعه} تحاول ان تقدم اهم ما يرتبط بهذا المشروع الفکری المشترک، بعد ان اشرنا فيما تقدم الی الخلفیه التی يقوم عليها.

مواجهه الواقع مباشره

          تعد فصليه {الحوزه و الجامعه} من الدوريات الناشئه اذ لم يصدر منها للآن سوی بضعه اعداد. و هی تهدف بشکل واضح الی بناء جسر بين المؤسستين الحوزويه و الجامعيه من خلال بذل جهد مشترک يسعی لتجاوز الالتباسات فيما بين المؤسستين من جهه، و يتحرک من جهه ثانيه لمعالجه مشکلات الواقع و ازمات تجربه التطبيق. اسقطت المجله اسوه ببقيه المجلات المتخصصه، الاعتبارات التی تتعلق بالالقاب حتی العلميه منها، وارادت لمعيار انتخاب المقاله او البحث، ان يترکز حول اهميه ما هو مکتوب و حسب، و هی الی ذلک تسعی لکی تاتی المساهمات فيها متوازنه بين الصفين الحوزوی و الجامعی.

          بين ايدينا الآن العدد الثانی الذی نجتهد اننا نمر علی عناوينه و نتلبث قليلا عند افتتاحيه لما تنطوی عليه من اهميه ذات صله بالموضوع.

          تطالعنا فصليه {الحوزه و الجامعه} بافتتاحيه و جيزه بيد انها صريحه و مباشره. فالمرحله الآن _ کما تعتقد المجله _ و هی ترتبط بمصير الانسان و حرکه المجتمع لاتتحمل المجامله و الکلام الموارب، الذی يتخفی علی المشکلات لاعتبارات صوريه. و بتعبير الافتتاحيه نفسها: {ان التخففی علی الامور الواقعيه التی تکتنف المجتمع، و السعی لاخفاء المسائل التی تحتاج الی حل، هی عمليه هروب ساذجه، لاتعمل سوی علی محور صوره المساله، فی حين يبقی واقعها کما هو}.

          فی هذه الافتتاحيه التی تنزع الی التشخيص الصريح، تثير فصليه {الحوزه و الجامعه} اربع مسائل، هی:

          اولا: ثم الکثير الذی ينتظره المجتمع من الحوزه و الجامعه، و فی الطليعه ان يتحرکا لادراک مقتضيات العصر و متطلبات الحياه فی البرهه الراهنه. و لا سبيل لعمل هاتين المؤسستين فی هذا الخط، الا الانطلاق من الاسلام، و الاعتماد علی النفس و بذل الجهد العلمی الخلاق.

          ثانيا: ان اهم جهاز يحتاج الی الفکر فی مضمار التجربه الراهنه داخل ايران. هو الجهاز الاداری المتمثل بالدوله و مؤسساتها. و ليست وظيفه الحوزه و الجامعه، بلوه الفکر و اصداره فی کتب و مجلات و نشرات، و اما المهم هو کيف يتحرک هذا الفکر فی مضمار الواقع، بحيث يکتسب صيغه علميه؟

          فالفکر وحده لايخيف احدا حتی حين يتسم بالصواب، و لا يحل مشکله. و للجامعه و الحوزه ان يخرجا ما طاب لهما من الاساتذه العلماء و المجتهدين الفقهاء؛ و ينتجا ما شاءا من البحوث، الا ان ذلک کله لا يؤثر علی حرکه الواقع ما لم ينخرط الفکر فی حرکه الحياه، و ما لم يکن له حضوره و مساهمته الفاعله فی تحليل المشکلات و تجاوزها.

          فی ضوء ذلک، نجد ما يسترعی الاهميه فی هذا المجال هو کيف يمتد النتاج النظری الی مفاصل الواقع، و کيف يمکن بناء جسر تنفذ من خلاله المعطيات النظريه للحوزه و الجامعه، الی هيکل الجهاز الاداری الذی ياخذ علی عاتقه قياده و توجيه الحرکه الراهنه؟

          ثالثا: تذکر الافتتاحيه بصراحه، ان الجهود الحاليه لاترتقی الی مستوی الحاجه. و ما لم يتم تبنی هاتين المؤسستين بشکل جاد و عميق، لا يمکن ان ننتظر لهما التقدم فی اداء الرساله الملقاه علی عاتقهما.

          رابعا: ترکز الافتتاحیه علی ضروره طرح مشکلات الواقع و معضلاته بصراحه، لان التخفی علی المشکلات لایلغیها. و ما یحتاج الیه المجتمع الآن هو تظافر الجهود بین الحوزه و الجامعه بعيدا عن المجاملات و الشکليات. و هذا ما لم يتحقق حتی الآن، اذ لازالت الحوزه فی واد و الجامعه فی واد آخر، و مازالت جهود مد الجسور فی بدايتها، لم تخط خطوات ثابته و عريضه فی هذا المجال.

          تبقی البحوث و المجالات و الحوارات هی موضوع لمتابعه مستانفه نامل ان توفق لها قريبا ان شاء الله.

 

الوحده _ العدد 207