من مشكلات النهضه في العالم الاسلامي

الفكر الخميني و عقده الاستلاب الحضاري عند المسلمين

خالد توفيق

 

     لا تقصر عقده الخواجه و الشعور بالحقاره و النقص امام الغرب و الانبهار بكل ما هو غربي و التنكر الجاهل الاحمق لكل ما ينتمي الي عقيدتنا و وجودنا و تقاليدنا و اعرافنا الحيايه و مورثنا التاريخي و مرجعيتنا الحضاريه. علي بلد من بلاد المسلمين دون آخر، و انما هي حاله سادت ـ و لا تزال ـ الشعوب الاسلاميه و ان بدرجات متفاوته

     تشكل النهضه بالنسبه لعالمنا الاسلامي هاجسا ملحا لجميع الاتجاهات الفكريه، و بديهي ان هنالك معوقات تحول دون ذلك منها ما ينتمي الي الجانب الفكري و النفسي و منها ما يتصل بالامكانات الموضوعيه و الشروط العمليه.

     و من العوامل التي تبرز في هذا السبيل هي ظاهره الاحساس بالنقص و الخجل من الذات التي تعتري الشعوب الاسلاميه بهذا القدر و ذالك، و تتركز اكثر في اوساط بعض الفئات اشهرها النخب المثفقه التي بات بعضها يعيش احساسا مدقعا بالخجل من اسلامه و مجتمعه و هويته و انتمائه الشرقي، و بين ذاته ايضا ازاء الغرب.

     و المشكله في هذه الظاهره التي يطلق عليها التحليل الاجتماعي و الحضاري بعقده الحضاره او عقده الاحساس بالحقاره او عقده الخواجه المتمثله بالانبهار الاعمي و الغبي بكل ما هو غربي، انها لم تقتصر علي ان تكون احساس نفسي يلقي بظلاله علي مكونات الوعي الفكري و حسب، بل هي سرعان ما تخطت الجانب الشعوري و الادراكي و اخذت آثارها تعمل في الجانب السلوكي.

 

العقده في النص الخميني

     اولي الخطاب النهضوي للامام الخميني الراحل اهمي فائقه لهذه العقده و تابعها و صفا و تحليلا و علاجا.

     لدينا من نصوص الامام الراحل و مواقفه وفره كافيه لمتابعه الظاهره و ما يفترحه سماحته من حلول لتجاوزها و فيما اذا كانت الشغوب المسلمه عاجزه حقا عن تحقيق ذاتها و تحقيق تقدمها في اطار مشروعها الذاتي كالامم الاوربيه او انها تعيش و هم العجز فقط؟

     يواجهنا ابتداء نص خميني في المقصود من عقده الخواجه، يقول فيه الامام: «لقد نسي (المسلمون) الشرقيون مفاخرهم كلها و دفنوها و ضيعوها و وضعوا الآخرين مكانها». ثم يضيف ـ رحمه الله ـ واصفا الحاله: «كل هذه ظلمات، و الطاغوت هو الذي نقلنا من النور اليها، الطواغيت في العصور الاخيره و في زماننا اشغلوا هذه الفتن الغربيه فنسبوا كل شيء‌الي الغرب، نقلوا الينا كل موضوع من الغرب. و حتي جامعاتنا في ذلك الزمان «زمان الشاه بالنسبه لايران» كانت جامعاتنا  غربيه، ثقافتنا و اقتصادنا كان غربيان، ‌لقد نسينا انفسنا و اجلسنا مخلوقا غربيا في مكاننا!»1.

     بعد ان يعطي هذا النص الخميني للفكره وضوحها ينتقل الي مثال طبيعي يقول فيه: «اتذكر ان احد اقرباء محمدرضا (بهلوي) الملعون اصيب بالتهاب في اللوزتين و احضروا له طبيبا من اوربا لاجراء العمليه الجراحيه. ان هذا الامر يفهمنا بان الذي احتل رئاسه البلاد غصبا و يعرف باسم الشاه! يعتقد بعدم وجود طبيب ايراني لاجراء عمليه اللوزتين في كل ايران!؟»2.

     ثم يعلق الامام الراحل علي اثار هذه الواقعه و كبير قدرتها علي تعميق عقده الاستلاب و العجز لدي الشعب في اختصاصاته و مؤسساته الطبيه، فيقول: «تعرفون جيدا تلك الضربه التي لحقت بالطب الايراني من خلال هذا العمل. يالها من خيانه لشعب ايران ان تجعل الشعب يعتقد بعدم وجود طبيب يتمكن من اجراء عمليه اللوزتين في جميع ارجاء ايران!!». ثم يضيف رحمه الله: «كم يساعد هذا العمل الاستعار الغرب، و كم يقضي علي كرامه شعبنا؟»3.

     و بعد ان يضرب الامام الراحل مثالا آخر لعقده الحضاره التي من معانيها الانبهار الاعمي و الاعجاب الغبي بكل ما هو غربي، و تجاهل كل ما هو ذاتي مع شعور بالعجز عن العطاء و الاستجابه للتحدي و عدم تفهم حقنا كمسلمين في الوجود و الحياه، بعد كل ذلك ياسف الامام الراحل لعمق تغلغل الظاهره و نفوذها في وجودنا، و ما تؤدي اليه من شل لقدراتنا بحيث يبدو الاستقلال و التحرر، و التقدم و التطور امورا مستحيله، فيقول: «عندنا اطباء و لكن عقولنا غربيه، و حتي اطباؤنا فان عقولهم غربيه ايضا! عندما تراجعهم يقولون: اذهب الي اوربا! لقد فقدوا انفسهم. لقد فقدوا و فقدنا قدرتنا و قضينا علي كرامتنا و وطنيتنا. و ان لم يتحرر هذا الشعب من التاثر بالغرب فانه لن ينال استقلاله. و مادام مؤلفونا بهذا الوضع، اذ عندما يبحثون عن موضوع و يريدون ان يضربوا مثلا فلا يستشهدون الا بقول فلان الغربي الاجنبي! مادامت هذه التبعيه موجوده فلن تحصلوا علي الاستقلال»4.

 

و في العالم الاسلامي ايضا!

     لا تقتصر عقده الخواجه و الشعور بالحقاره و النقص امام الغرب و الانبهار بكل ما هو غربي و التنكر الجاهل الاحمق لكل ما ينتمي الي عقيدتنا و وجودنا و تقاليدنا و اعرافنا الحياتيه و موروثنا التاريخي و مرجعيتنا الحضاريه، علي بلد من بلاد المسلمين دون آخر، و انما هي حاله سادت ـ و لا تزال ـ الشعوب الاسلاميه و ان بدرجات متفاوته.

     و حين ينتقل الامام الخميني بالظاهره من حدود ايران الي دائره العالم الاسلامي، نراه يقول في وصفها: «ان مخطط نزع البلدان المستعمره عن هويتها و تغريبها و تشريقها هو من المخططات التي كان لها مع الاسف تاثير بالغ علي البلدان، و علي بلدنا العزيز، و قد بقيت نسبه كبيره من آثارها حتي عادت هذه البلدان لا تري نفسها و لا ثقافتها و قوتها بشيء، و تري في القطبين القويين الغرب و الشرق العنصر الافضل، و ثقافتهما هي الاسمي و انهما قبلتا العالم»5.

     لقد سرت عقده الخواجه و الاحساس بالضعه امام الغرب في اوساط المسلمين بمسارين متوازيين في المستوي مختلفين في العمق. فعلي المستوي الاول تحركت العقده من خلال فئه المثقفين المتغربين الذين تنكروا لكل ما يمت الي الاسلام بصله، و عاشوا مثلهم الاعلي من خلال الغرب.

     و علي المستوي الثاني نفذت العقده عبر تشكلها في حاله نفسيه عامه سادت الشعوب الاسلاميه و اخذت تعبر عن نفسها بعجز هذه الشعوب عن الابداع و احساسها بالخجل لما له صله بواقعها الديني و اعرافها المحليه و تقاليدها الخاصه.

     لقد شهدت الشعوب الاسلاميه بتاثير الغرب و ضغط ثقافته و بالدور الفعال الذي لعبته النخب المتغربه انقطاعات كبيره عن الاسلام، و عن ثقافتها الخاصه حتي علي صعيد الملبس و الماكل و باقي ظواهر السلوك الانساني. فالنخب المثقفه التي قادت بعض مسارات التغيير او كان لها علي الاقل دورا في ذلك، كانت نقطه بدايتها ان جعلها الغرب تعيش حاله الخجل من ايه رابطه تصلها بالدين و بالشرق.

     و كامثله علي هذه الاتجاهات التي ما لبثت ان تحولت الي تطلعات و حركات لها وزنها في العمل السياسي و الاجتماعي يمكن ان نذكر الكماليه في تركيا و البورقيبيه في تونس، و اخذت النزعه ذاتها تزدهر و تنمو في ايران منذ اواخر العهد القاجاري و خلال العهد البهلوي بمرحلتيه. علي اساس الاحساس بهذا الخجل من الاسلام و الانقطاع عن الشرق، يعلل المثقف العربي البناني منح الصلح تاييد الغرب لامثال هذه الحركات، ‌اذ يقول عن الكماليه و البورقيبيه مثلا: «لقيت هاتان الحركتان من تفهم الغرب و اعجابه و مساندته ما فاق كل حد. و السبب هو ان هاتين الحركتين تنطوريان علي الخجل من التراث الاسلامي و الرابطه مع الشرق»6.

     هذا الشعور الذي حمله المثقفون المتغربون لم يبق في نطاق الدائره النفسيه و الادراكيه، بل تحول الي تنظير و الي تيار فكري. ففي الساحه العربيه كان الشرط الاول لكي يندرج الانسان في المجال الثقافي، و لكي يمارس العمل الثوري، هو ان يعلن اولا تنصله عن الاسلام. نعود مجددا الي منح الصلح الذي يرجع هذه الظاهره بصراحه الي تاثير الاستعمار، حيث يقول: «و قد نجح الاستعمار في اقناع بعض المثقفين الثوريين بان الثوره في الحياه العربيه انما تبدا بان تكون ثوره علي شعائر الاسلام و طقوسه ...، فعلي الثوري في منطق هؤلاء ان يبدا عمله باعلانه الحاده او لا اسلامه علي الاقل»7.

     ثم ينسب هذه الظاهره في مكان آخر من حديثه الي الاستعمار الثقافي، حين يقول: «نجاحان حققهما الاستعمار الثقافي: المثقف الذي يؤمن ان لا سبيل الي التقدم الا علي انقاض الاسلام و ...»8.

     كان من نتائج هذه الحاله انقطاع هذه الفئات عن الاسلام و محاولتها قطع مجتماعتها عنه ايضا، وزجها في اتون العلاقات و النظم الغربيه بشكل كامل.

     و في ايران اخذت هذه الدعوه للانخراط الكامل بالغرب و اعلان الافلاس و الانكسار التام امامه تنجسد في التيار المتغرب الذي بدا يتبلور في النسيج الاجتماعي اواسط العصر القاجاري، في عمليه تفاعل بينه و بين البلاط. و قد كان من رموزه ملكم خان و السيد تقي زاده و طالبوف و مراغئي.

     يكتب احد اركانه نصا فيما ينبغي ان تصير اليه ايران: «ما تحتاج اله ايران اليوم، و ما يجب بذل الجهود لتحقيقه و تقديمه علي الامور الخري، هو اشياء ثلاثه هي: اولا: قبول الحضاره الاوربيه و الترويج لها بلا قيد او شرط. ثانيا: التسليم المطلق لاوربا. ثالثا: اخذ جميع الاداب العادات و الرسوم و التقاليد الغربيه، مع اصول التربيه و الصناعه و الحياه و كل ما يمت الي اوضاع الغرب بصله دون اي استثناء»9.

     ثم يعود الكاتب المتغرب ذاته ـ و هو السيد تقي زاده ـ ليلخص ما يريده و هو يعيش عقده الحقاره امام الغرب، بقوله: «ينبغي ان تكون ايران متغربه ظاهرا و باطنا و جسما و روحا»10! عاشت الفئات المبهوره بثقافه التغريب و الشعوب المصابه بعقده الخواجه، تناقضا كبيرا في حياتها اقض مضاجعها و جعلها تحس بتمزق مدمر في ذاتها فبينما هي تعيش علي ارضيه اسلاميه و تنتمي الي تربه شرقيه، نري ان تطلعاتها و عقولها مشدوده نحو الغرب، دون ان تتمكن من الاندماج به و التواصل المطلق معه، لانه موضوعيا ـ و رغم كل شيء ـ يمثل النقيض الحضاري و الثقافي و السياسي لها، علي الاقل في القرنين الاخيرين.

     و حاله الانقطاع هذه عن الاسلام و التواصل المتوتر غير المنتظم و لا المنسجم مع الغرب، عبرت عن نفسها من خلال مظاهر شوهاء بليده و مضحكه تعكس عقده الخواجه و الاحساس المدقع بالاستلاب، كما نلاحظ ذلك ـ كمثال ـ في كتاب داريوش شايغان «النفس المبتوره» الذي لخص مهمته فيه بالقول انه «بحث في تشوهات الفكر و الروح التي تشوب حضاره لم تشارك التاريخ اعياده بل راحت تتقهقر»11.

     و مع ان الكتاب يعكس تجربه شخصيه و قلق وجودي عميق الا ان مؤلفه يسعي ان يصمم هذا القلق علي القاعده الاجتماعيه و الشعبيه العريضه علي عاده مثقفي النخبه الذين يسوغون ازماتهم بشتم الجماعه في معتقداتها و هويتها و قيمها كما عبر عن ذلك الاجتماعي القدير برهان غليون اثناء تحليله ازمه هؤلاء في كتابه القيم «مجتمع النخبه» و كما في ذلك ايضا المفكر المغربي عبدالاله بلعزيز في تحليله لنمط الحداثه الزائفه و ما تفضي اليه من صراعات في مجتمعاتنا.

     اما الامام الخميني فهو يعبر بدوره عن البعد النفسي للظاهره و يكشف تاليا عن آثارها الموضوعيه، حين ييشر سماحته بان مخطط القطبين: «اوجد في انفسنا حاله عميقه من الرهبه تجاه مظاهر تقدمهما و قواهما الشيطانيه، حتي لم تعد لنا جراه علي المبادره الي اي ابداع، فعدنا مسلمين لهما جميع امورنا،‌ حتي مقدراتنا و مقدرات بلداننا،‌ و منقادين لهما انقيادا تاما»12.

 

التحرر من العقده

     ليس التحرر من عقده الخواجه و تجاوز حاله الافرنجيه و ظاهره التغريب الثقافي و السلوكي، امنيات سهله و انما هي عمليه في جهود تغييريه مضنيه و شاقه، بيد انها ليست مستحيله.

     و بشكل عام تواجهنا نصوص الامام الخميني و مواقفه في النهضه بثلاث خطوات اساسيه تكفل للمسلمين التطهر من العقده و التخلص من آثارها، هي:

     اولا: العوده الي الذات و تحقيق الانتماء الفاعل و الاصيل الي الهويه الاسلاميه.

     و هذا الخطوه تشكل المعادل النفسي البديل الذي يقضي علي المحتوي النفسي للعقده و يجهز عليه ليحل محله. اي يحل الاعتزاز بالانتماء و الهويه الاسلاميه مكان الاعتزاز بالغرب و الشوق اليه و الحنين الي حمل هويته.

     ثانيا: مواجهه الغرب و مقارعته علي كافه مستويات التبعيه المنهجيه و النفسيه و السياسيه و الاقتصاديه و الثقافيه، بل و حتي المعنويه كما ينص علي ذلك الامام الراحل.

     ثالثا: لا تتحقق عمليه القضاء التام علي العقده و ثقافه التغريب و الحالات السلوكيه  الشوهاء الناتجه عنها بشكل فاعل و كامل الا عن تحقيق البلد الاسلامي لاستقلاله السياسي التام، و الا ستبقي المعالجه جزئيه و غير ذات شان اذا تمت في اطار نظام سياسي تابع، تتمثل احدي وظائفه الاساسيه بتكريس حاله الانبهار بالغرب و ترسيخ العجز لدي المسلمين.

     و لا شك ان العمليه علي مستوي الخطوه الثالثه هذه تتحاج الي بذل جهود عظيمه و تضحيات جسام، و من ثم فهي تتجاوز الحول النظريه حتي و لو كانت صحيحه.

 

الهوامش

     1ـ توجيهات الامام الخميني الي المسلمين، وزاره الثقافه و الارشاد الاسلامي ، طهران. 1403 ه. ص 76.

     2ـ المصدر السابق، ص 76.

     3ـ المصدر السابق، نفس الصفحه.

     4ـ المصدر السابق، ‌ص 77.

     5ـ الوصيه السياسيه الالهيه للامام الخميني،‌ مؤسسه اسوه، ص 31.

     6ـ القوميه العربيه و الاسلام. (ندوه). مركز دراسات الوحده العربيه، بيروت، الطبعه الثالثه، 1998، ص 224.

     7ـ المصدر السابق، ص 225.

     9ـ شيخ فضل الله نوري و مشروطيت (رويارويي دو انديشه)، الشيخ فضل الله نوري و المشروطه (مواجهه بين فكرين)،‌ مهدي انصاري، طهران. 1990 ص 97.

     10ـ النفس المبتوره، داريوش شايغان، دار الساقي، ‌لندن، 1991 ص 7.

     12ـ الوصيه السياسيه الالهيه للامام الخميني، مصدر سابق، ص 32.

 

الوحده ـ العدد 215