مسار

وعي الامم و نهضه الشعوب

الشيخ فؤاد كاظم المقدادي

 

     إن وعي الامم و نهضه الشعوب لم تكن يوماً أمراً عشوائياً محكوما للصدفه و العفويه، بل هو مسار محكم بعوامل و قوانين و سنن، و أدل الدليل عليه هو حركه الأنبياء و أوصيائهم عليه‌السلام عبر تاريخ البشريه، و أعظمهم نموذجا خاتمهم محمد صلي الله عليه و آله من خلال سيرته الكبري في تغيير الامم و اخراجها من جاهليتها المظلمه الي انوار الاسلام العظيم.

     و في عصرنا الحاضر كثيرا ما يقف ابناء الامه المخلصون متأملين، تتلاحق في اذهانهم العديد من علامات الاستفهام بل الكثير من حالات التعجب و الاستغراب، يقولون لماذا لا نتهض الامه بوجه اعدائها؟ خصوصا و قد جاوز الاعداء المدي، و امعنوا في اذلالها و استعبادها و سرقه ثرواتها و جهدها و تمييع شخصيتها و اخلاقيتها، هل من المعقول ان يستمر هذا الصمت؟ و تتلاشي اصوات الحق و الثوره من امه عقرت افراس روما، و هدمت قوائم كسري و ارست قواعد لا اله الا الله، بهتاف الله اكبر من اعماق النفوس المؤمنه برساله الاسلام العظيمه.

     ان ازاله هذا التعجب، و اخماد هذه الاثاره في الاسئله التي ترددها الشفاه الحائره، يكمن في بيان العوامل و القوانين التي تتحكم بحركه الامه و مسار وعيها، فلو علم كل هولاء المخلصين من ابناء الامه، شعوباً و جماعات، ان عمليه التغيير الجوهريه لاي مجتمع باتجاه الاسلام باعتباره الطريق الوحيد لخلاص المعذبين من ظلم الجائرين، و المبدأ الاعلي الذي ينهض المستضعفين في الارض، و يمن عليهم و يجعلهم ائمه و يجعلهم الوارثين، لو علم هولاء العاملون في سبيل‌الله، ان عمليه التغيير هده لا تتم الا من خلال تفاعل عاملين رئيسيين، يعانق أحدهما الاخر و يزدوج معه لتكون الولاده الجديده هي الثوره بكل جدورها و بكل ابعادها الحقيقيه. الثوره علي الذات لتحررها من كل العبوديات الارضيه الباطله، و لتسمو بها في مراتب عبوديه الله عز و جل حيث العزه و القوه و الكرامه، ثم هي ثوره علي كل الواقع الفاسد. الثوره علي كل الافكار المنحرفهالثوره علي كل الانظمه الوضعيه... الثوره علي كل الطواغيت في‌الارض.

     ان اول هذين العاملين من حيث التسلسل في الوجود هو العامل السلبي من عمليه التغيير و التوعيه و يتمثل هذا العامل بمجموعه التوجهات و الممارسات التي تستهدف تحسيس الامه و توعيتها علي حقيقه الواقع الفاسد، و ما يكمن فيه في زيف و بطلان في شعاراته المطروحه و في افكاره المتداوله و نظرياته المتبناه و العمل بكل عمق فكري و جرأه علميه علي نسف كل الاسس التي يقوم عليها البناء الواهي، لهذا الواقع الفاسد و الاستعانه بكل ما يزودنا به الاستقراء الميداني للمشاكل و الماسي التي تعاني منها الشعوب الرازحه تحت نير هذه الانظمه الفاسده و الطواغيت الحاكمه.

     وكنموذج ميداني فريد جسد هذا العامل في عصرنا الراهن هو النهج الرائد الذي انتهجه الامام الخميني الكبير قدس ‌سره في تعريه حقيقه نظام الشاه الفاسد و اساليب الاستكبار العاملي و علي رأسه أميركا في استضعاف الشعب الايراني المجاهد و امتهانه و نهب ثرواته و خيراته و التامر عليه في اجهاض انتفاضاته المتواليه و ضرب مواطن القوه و الاقتدار فيه، و قد قرن الامام الاخميني قدس‌ سره بياناته هذه بحركه واسعه عبأ لها آلاف من علماء الإسلام و طلبه الحوزات العلميه المجاهدين و الملايين من ابناء الشعب المجاهد علي اختلاف طبقاتهم و مستوياتهم الثقافيه و الاجتماعيه، فاحدث نهضه إسلاميه عارمه رفضت الشاه و نظامه و اسياده الأميركان.

     و نموذج تاريخي معاصر اخر علي هذا الدور الأساسي هي الحركه الفكريه العظيمه التي قادها المفكر الإسلامي الرائد آيه الله العظمي الشهيد السيد محمد باقر الصدر قدس ‌سره، عندما تصدي لأكبر اطروحتين تتقاسمان العالم، و تتحكمان في رسم طريقه حياه شعوبه و اممه، و هما الرأسماليه في الغرب، و الماركسيه في الشرق.

     و قد ترنحت هاتان الاطروحتان، تحت وطاه ضرباته الحاسمه، و جعلت منهمان هراء ترفضه العقول السلميه من رجال الفكر و العلم عندما اثبت للفكر و العلم باسلوب علمي رصين، من خلال الجزء الأول من كتابيه الشهيرين (فلسفتنا و اقتصادنا) انهما اطروحتان متهافتتان في مبادئهما و منهجهما، و مدمرتان في نتائجهما و آثارهما.

     و كان لابد أن يرافق هذا العمل الجبار الذي حمل لواءه و تحمل همه الشهيد السيد الصدر. عمليه أخري مكمله في نتائجها و واسعه في مساحتها، و مباشره في تأثيرها، تتكامل بها عمليه تحسيس الشعوب و توعيتها تعلي واقعها الفاسد، و واقع حكوماتها و انظمتها الباطله، هذه العمليه التكميليه المهمه هي فضح واقع الانظمه و الحكام بالارقام و الوقائع من صميم الممارسه و التطبيق، التي بطرحها علي الامه ستترجم الادله العلميه علي بطلان و زيف النظريات و المبادي الفكريه و السياسيه التي تقوم عليها انظمتهم و شعاراتهم و تصدق البراهين المطروحه في اثبات تهافت هذه النظريات و المبادي و انحرافها.

     ان الغفله أو التغافل الذي وقع فيه كثير من الدعاه المخلصين في ساحه العمل الاسلامي هو الذي فوت عليهم الفرصه في توعيه الامه و بيان ما يفعل الحكام الطغاه؟ و ما هي المآسي التي أمعنت في تحطيم الطاقات و نهب الثروات من الشعوب؟

     صحيح إن كثير من الدعاه الواعين يدركون أكثر هذه الحقائق، و لكن المهم هو دورهم في توعيه شعوبهم علي ذلك و طرح كل هذه الحقائق لها في كل فرصه سانحه و وسيله فعاله.

     ان التخطيط لذلك كفيل بتحقيق الهدف الكبير في التوعيه العامه و الشامله لكافه القطاعات و المستويات علي واقعها المأساوي هذا.

     إن ادراك الشعوب لواقعها السيء و نظامها الفاسد و معرفه حقيقه حكوماتها الجائره، هو الذي سيحولها من شعوب خاضعه و مواليه لحكوماتها و أنظمتها الفاسده إلي شعوب رافضه و متمرده و ثائره، تطالب بتغيير هذه الحكومات و الأنظمه الجائره و تعمل علي اسقاطها و إزالتها من علي كرسي الحكم و السلطه.

     أما العامل الرئيسي الثاني الذي يأتي من حيث التسلسل في الوجود بعد العامل السلبي في نوعيه الأمه هو العامل الإيجابي من عمليه التغيير و التوعيه، فحين تنتبه الامه علي واقعها هذا و تدرك السر الكامن وراء مآسيها و آلامها، يبدأ، و بشكل معاصر للعامل السلبي، دور العامل الايجابي، و يتمثل بالعطاء الرسالي و الاطروحه الفكريه و البديل المبدئي للنظريات الباطله و الافكار المزيفه و الانظمه الفاسده، هذا العطاء و هذه الاطروحه و ذلك البديل هي البديل هي التي ستعالج هذا الواقع الفاسد و تجتث مشاكله و مآسيه من جذورها و تبني للامه حياه تتمثل فيها كافه صور الحق و العدل و كافه أبعاد التكافل و التوازن، و تتفاعل فيها كافه المجالات الطبيعيه مع حاجات الإنسان المتنوعه.

     و هنا أيضا نجد في نهج الامام الخميني الكبير قدس سره نموذجا رائعا جسد هذا العامل فاعطي افضل ثماره و اعظم النتائج، و ذلك بطرح لنظريه الحكومه الاسلاميه المقومه بحكومه الولي الفقيه العادل الكفوء، في دروس ابحاث الخارج التي القاها علي طلابه في النجف الاشرف، ثم طبعت و نشرت في اوساط المثقفين علي اختلاف رتبهم، بل و اصبحت هذا النظريه هي الماده الاساسيه لثقافه ابناء الشعب الايراني التواق الي الخلاص من ظلم و فساد حكومه الشاه العميل لاميركا و حلفائها.

     كما و جسد هذا العامل المفكر الاسلامي العظيم آيه الله العظمي الشهيد السيد محمد باقر الصدر قدس سره من خلال كتبه الجليله و توجهاته التبليغيه الهادفه و من خلال المؤتمرات و الندوات الفكريه في مختلف المجالات و عند كل فرصه سانحه لذلك و بأي مستوي كان، سواء علي المستوي الشعبي العام أو علي المستوي الاختصاصي أو الرسمي، فمن خلال سلسلته الرائعه (المدرسه الاسلاميه) و من خلال الجزء الثاني من كتابيه (فلسفتنا) و (اقتصادنا) عرض معالم و اسس الاطروحه الاسلاميه في تربيه الانسان و بناء النظام و الدوله مشيده علي مبادي الاسلام العظيمه و نظرته للانسان و الكون و الحياه.

     و هنا نقول ايضا انه كان من الضروري تبسيط افكار و مبادي هذه المدرسه الاسلاميه و طرحها علي اوسع القطاعات الشعبيه و نشرها بمختلف الوسائل و الاساليب المناسبه و لكل المستويات الجماهيريه و عدم الاقتصار في عرضها و بيانها علي القطاعات الفكريه و المثفقه فقط، و كنموذج رائد علي ذلك هو النهج الذي سلكه الامام الخميني قدس سره و اجهزته في تبسيط ثقافه نظريه الحكومه الاسلاميه و جعلها في متناول ادراك الجماهير لتكون ثقافتهم الاسلاميه العامه و شعارهم اليومي.

     ان القيام بعمليه الاعلام الجماهيري الواسعه و التوعيه الشعبيه الشامله علي الاطروحه الاسلاميه كفيله بخلق تيار شعبي عارم يكتسح كل الضلالات و يسقط كل الافكار و النظريات المزيفه من واقع الامه الاسلاميه و شعوبها.

     بقي ان نشير الي ان القيام بالدور السلبي المتمثل بتحسيس الامه علي واقعها الفاسد و توعيتها و تعريفها بالسر الكامن وراء مآسيها و آلامها، سيبقي يفتقر الي ضروره الدرو الايجابي المتمثل بالعطاء الفكري و الاطروحه الرساليه التي ستكون البديل المبدئي الذي تتحول اليه الامه و تومن به و تتبناه عقيده و رساله لها في الحياه عندما ترفض كل الافكار المزيفه تلك و تتمرد علي واقعها الفاسد و تثور علي حكوماتها الجائره.

     فالشعب و الامه يبقيان متخبطين في ظلمات لا يعرفان الطريق الي الخلاص و السبيل الي الحق و العدل، اذا اقتصرنا فقط علي جانب تحسيسها بواقعها الفاسد و دفعها للثوره و التمرد عليه و علي القائمين به، كما أن الشعوب و الامه سوف لا يلتقان الي أيه عمليه عطاء فكري و توعيه علي الرساله الفكريه و الاطروحه البديله التي تعرض عليهما مهما برع المبلغون بها و تفنن الحاملون للوائها، سوف لا يلتفت الشعب اليهم لانه لا يمتلك الارضيه المهيئه لتقبل الاطروحه البديله، و لا يملك الاستعداد لتلقي العطاء الجديد المعروض عليه.

     الذي يجب أن يحصل هو كلا العمليتين معا، بشكل متعانق و متفاعل و متعاقب، ففي الوقت الذي يقوم الدعاه بتحسيس الامه علي واقعها الفاسد و يكشفون لها اسرار المآسي و المظالم التي تملأ حياتهم، في هذا الوقت يبدأ دور العطاء الفكري و الاطروحه البديله التي تتوجه اليها الانظار بالأمل و تعقد عليها الآمال في الخلاص و النجاه مما يملأ الواقع بالظلم و الجور و الفساد، فكلا الجانبين متواليان في التأثير و التغيير جانب فك ارتباط الامه بالواقع الفاسد و ما يمثله من افكار و انظمه و حكومات و التمرد و الثوره عليه، و جانب عرض الاطروحه الحقيقه و ترسيخ قواعد الإيمان بها و التبني لعطائها الفكري و انظمتها المتكامله في كافه مجالات الحياه و المطالبه بإرساء قواعد الحكم القائم علي أساسها.

     فبتلاقح هذين العاملين و تعانقهما يفرزان نتيجه الوعي لدي الامه و يرسمان لها مسارها النهضوي الصحيح الذي تكافح من أجله و تضحي لتحقيق أهدافه وصولا للسعاده الدائمه في هذه الدنيا و في الآخره و تلك هي حقيقه السنه الإلهيه في قوله تعالي: (ان الله لا يغير ما بقوم حتي يغيروا ما بأنفسهم)1 صدق الله العلي العظيم و الحمدلله رب العالمين.

 

الهامش:

1. الرعد: 11.