الاعلام الاسلامي: معوقات و فرص

د. طلال عتريسي

 

     تطرح القدرات المتطوره لوسائل الاعلام و احتكارها اسئله كبري، حول صدقيه هذه الوسائل و الاخلاقيه التي تتمتع بها أو  التي ينبغي أن تملكها، و ما يمكن للآخر المتلقي شعوباً و منظمات و افراد القيام به في مواجهه انحرافها و لا اخلاقيتها؛ ليس من البساطه العثور علي اجوبه لها.

     الطريقه التي قدمت بها وسائل الاعلام الغربيه قبل سنوات، ما جري في رومانيا اثناء الاطاحه برئيسها تشاوشيسكو، اثارت اتهام الباحثين لتلك الوسائل بالتدخل المباشر و اللااخلاقي في التأثير علي الرأي العالم و في توجيه الاحداث نحو سياسات و غايات محدده خارج الضوابط المهنيه و الاخلاقيه في نقل الوقائع دون تحريف او تشويه. و قد عادت الاتهامات نفسها تتكرر في حرب الخليج الثانيه التي شنتها قوات التحالف الغربي لطرد العراق من الكويت. فقد نقلت شبكات التلفزه و تقارير المراسلين صوره لثوره شعبيه ضد نظام فاسد واجهها بواسطه الجيش فقضي علي عشرات الآلاف من المتظاهرين، تبين فيما بعد ان هذا الامر لم يحصل كما نقلت التقارير، و ان الكذب في نقل الوقائع، و المبالغه في اعداد القتلي و المتظاهرين، برر اعتقال الرئيس الروماني و اعدامه، بعد محاكمه صوريه مركبه وسط حاله عارمه من الفوضي، عجلت بانهيار النظام في رومانيا و التحاقه بالدول الاخري التي تخلت عن انتمائها السابق الي «المعسكر الاشتراكي» (1).

 

الاحتكار الاعلامي  

     و في حرب الخليج الثانيه احتكرت شبكه الـ  CNN تحت اشراف الرقابه العسكريه الميدانيه ننقل وقائع الحرب، و قدمت صوره «نظيفه» لها. فلكم نر علي شاشات التلفزه اي نقطه دم علي الرغم من عشرات آلاف القذائف التي انهمرت علي رؤوس الجيش و الشعب و علي المنشآت في العراق. كما نقلت لنا هذه الشبكه، مستويات التقنيه العاليه التي يمتلكها الجيش الاميركي و التي توحي، لمن قد يشك في ذلك، بمهارات عاليه يستحيل معها ارتكاب الاخطاء اثناء عمليات القصف او التدمير ما ينزع عن الطرف المقابل حجته في ادعاء حصول مجاز او اصابه للمدنيين اثناء العمليات العسكريه (2).

     لم يكن هذا التوجيه الاعلامي للرأي العام نحو سياسات محدده جديداً. فقد سبق و واجهت الثوره الاسلاميه في ايران منذ انتصارها قبل سبعه عشر عاماً و معها «الظاهره الاسلاميه حاله مماثله، من التشويه للوقائع، لم تتبدل لغايه اليوم، من خلال التركيز علي ما يمكن اعتباره تخلفاً او استبداداً و يكاد يختصر التجربه كلها و معها الاسلام و يحمولهما الي نموذج سيء لا يعير شأناً لحقوق الانسان، و لا للمرأه، و لا للثقافه او الحضاره .. و كلنا يعلم كيف نجحت وسائل الاعلام العالميه في تكريس الظاهره الاسلاميه المعاصره حتي علي مستوي المفاهيم باعتبارها «اصوليه متشدده» و ارهاباً متعطشاً للدماء لا يخضع للاعراف و القوانين او حتي للمواثيق الدوليه. و ربما نستطيع ان نذكر عشرات الامثله التي استخدمت فيها الصحافه و وسائل الاعلام الاخري في معظم البلاد الغربيه قدراتها و «سحرها» للتركيز علي هذا الجانب او ذاك ممن تريد الاشاده به عند بعض الدول او الافراد او اهمال و تغييب ما لا يتفق و سياساتها الخليفه، كالتعليم علي ظاهره الارهاب عندما يكون مصدره اميركياً او اسرائيلياً، و التشديد علي الوحشيه و الربط مع الاسلام و المسلمين عندما يكون المتهم شرق اوسطياً قد لانفاجأ بهذا الانحياز الاعلامي علي مستوي السياسه و المفاهيم اذا علمناً بان اكثر من 65% من مجموع شبكات الاتصال العالميه في يد الولايات المتحده. او اذا قرأنا ما يقوله مستشار الامن القومي في عهد الرئيس كارتر زبغينو بريجنسكي عندما يفسر جزءاً اساسياً من قاعده القوه الاميركيه في الهيمنه علي السوق العالمي للاتصالات التي تخلق، كما يقول، ثقافه جماهيريه لها قوه التقليد السياسي. او كما يقول احد المسؤولين القدامي في البنتاغون «ان اميركا» و بسبب قدرتها التي لا مثيل لها علي استيعاب الانظمه المعقده للمعلومات سوف ترتاح في المستقبل المنظور في هيمنتها السياسيه علي العالم» (3).

     تطرح هذه القدرات المتطوره لوسائل الاعلام و احتكارها في عالم اليوم اسئله كبري، صعبه و معقده، ليس من البساطه ايجاد الاجوبه عليها، حول الاخلاقيه التي تتمتع بها او تلك التي ينبغي ان تملكها. و حول ما يمكن للآخر المتلقي شعوباً و منظمات و افراد ان يقوم به في مواجهه انحرافها و لا اخلاقيتها. فهل يعمد هذا المتلقي الي استخدام الوسائل نفسها في تضخيم مثالب «الخصم» و تشويه الصوره و قلب الحقائق، ام يفرض علي نفسه الالتزام باخلاقيات و مثل تنسجم مع المباديء و العقيده التي ينتمي اليها مع ما يمكن ان يؤدي اليه ذلك من احتمالات في ضعف او اختلال شروط المواجهه؟. خصوصا و ان طبيعه هذه المواجهه باتت بين شمال العالم الذي يملك هذه الوسائل و يهيمن عليها، و بين جنوبه الذي يتلقي و لا يملك.

 

الاعلام الاسلامي اتجاهات متعدده

     كما يمكن ان ينسحب هذا النموذج من الاسئله حول استخدام اساليب «الآخر» اللااخلاقيه علي كل ساحات المواجهه في الحياه، الفكريه و الثقافيه او حتي العسكريه منها. و لا شك ان موضوع «الاخلاق في الصحافه» او في العمل الاعلامي عموماً، من المواضيع التي لم تحظ بالعنايه الكافيه في المؤتمرات و الابحاث في العالم الاسلامي خصوصاً. ربما باستثناء بعض المحاور الفرعيه في ندوات خصصت لموضوعات اخري حول الاعلام الغربي علي مصادر المعرفه و المعلومات في العالم.

     و نلاحظ في اطار الاهتمام الاسلامي بالموضوع الاعلامي اتجاهات متعدده تروح بين الباحث النظريه التي تؤكد علي ضروره الالتزام بالاسلام في النشاط الاعلامي علي اختلاف وسائله، و بين الدعوات العلميه الي انتاج البرامج الاسلاميه و تأسيس وكالات الانباء و الاذاعات و الصحف و المجلات الاسلاميه، و الي التعاون بين الدول الاسلاميه.

     تنطلق المباحث النظريه من طبيعه الدعوه في الاسلام. و من اعتبار الاسلام ديناً دعوياً لا يميز بين الدعوه و الدعايه استناداً الي النماذج التي استخدمها رسول الله (ص) في نشره للدين الجديد، و الي الآيات القرآنيه التي تحض علي الدعوه الي الله و الي الاسلام اكثر مما تدعو الي الواجبات و العبادات او الي الحلال و الحرام (ليعلم ان قد بلغوا رسالات ربهم) «الجن/ آيه 28». (ابلغكم رسالات ربي، و انصح لكم و اعلم من الله ما لا تعلمون) «الاعراف/ آيه 62». (هذا بلاغ للناس و لينذروا به و ليعلموا انما هو اله واحد) ابراهيم/ آيه 52».

     و يدعو اصحاب هذا الاتجاه رجال الاعلام الاسلامي الي البحث في القرآن الكريم الذي يحتوي كل ما يحتاجونه (ما فرطنا في الكتاب من شئ) «الانعام/ آيه 38». كما يميز هؤلاء بين الدعايه التي تخاطب في معظم الاحيان العواطف و المشاعر بينما تركز الدعوه اساساً علي مخاطبه العقل و تشدد علي التفكير في الخلق و الوجود. لذلك اصبح الاعلام الاسلامي علي هذا المستوي تزويد الناس بحقائق الدين المستمده من الكتاب و السنه بصوره مباشره او غير مباشره. و هذا ما يميزه عن فلسفات الاعلام الاخري، حتي لو تبني جوانبها الفنيه و وسائلها التكنولوجيه. و يمزج اصحاب هذا الاتجاه بين العمل الاعلامي المتخصص و بين الدعوه المفروضه علي كل مسلم. لذ يصبح المكلف بالدعوه ليس العلماء او رجال الدين او اهل الاختصاص فقط، بل كل مسلم، لتحمل الامه بأسرها امانه الدعوه و ابلاغها الي العالم.

     اما مشلكه هذا الاتجاه الذي تتردد اصداؤه في اكثر من مكان في بلدان العالم الاسلامي، فيمكن اختصارها في المسألتين التاليتين:

     ـ انه لا يميز بين الاعلام الديني الذي يقوم علي الدعوه الي الدين و التبشير به و بين الشروط المطلوبه في الاعلام الموجه الي العالم و الي الشعوب الاسلاميه من حيث الصدق او الامانه او الاخلاقيه التي تفرضها الخلفيه الاسلاميه لهذا العمل. او من حيث محتوي «الرساله» التي ينبغي ان تقوم علي مصلحه الشعوب الاسلاميه بالدرجه الاولي.

     ـ انه لا يميز بالتالي بين الصحافه الدينيه التي قد تحققها بضع صفحات عن الاسلام في هذه الصحيفه او تلك، و بين ما تنشره الصفحات الباقيه مما لا يمت الي الاسلام و منهجه بأي صله، كما هي حال العديد من الصحف و وسائل الاعلام اليوم في البلدان العربيه و الاسلاميه التي دأبت علي هذا النوع من الكتابه الدينيه مع اتساع الاهتمام الشعبي بالدين و الاقبال علي مطالعه الكتب و المقالات الاسلاميه.

 

رجل الاعلام الاسلامي

     اما المباحث الاخري ذات الاتجاه «العملي» في رؤيه الاعلام الاسلامي و الصحافه الاسلاميه فتذهب في معظم الاحيان الي تعداد مواصفات رجل الاعلام الاسلامي الذي ينبغي ان يتحلي بالتزام الصدق، و القدوه الحسنه و ان يكون ذا احساس عال بالمسؤوليه، و بالقابليه للتطور كما يري اصحاب هذا الاتجاه ضروره التمييز بين من نتوجه اليهم، و التأكيد من مصادر المعلومات و تحديد اولويات في التوجه او في التركيز و جذب الاهتمام، الي ضروره وجود و اعداد خبراء من رجال الاعلام و دعاه الاسلام، اي اعداد من يمتلك خبره مهنيه و فنيه و تحليليه مع التزام بالدين و الاهداف الاسلاميه.

     و يلتقي مع هذا الاتجاه ايضاً ما صدر عن مؤتمرات اسلاميه عده عقدت علي مستويات رسميه (وزراء الاعلام في الدول الاسلاميه) و علي مستوي هيئات و منظمات غير رسميه، تشدد علي ضروره وضع استراتيجيه اعلاميه اسلاميه دوليه كحل مطلوب في العالم المعاصر الذي يشهد تفاقماً في وسائل الاعلام التي تدعو الي الرذيله. و الي اثاره العنصريه و الاحقاد بين الامم و الشعوب و في تدمير العلاقات بين البشر من اجل مصالح اقتصاديه او مكاسب سياسيه.

     كما تبرز اهميه مثل هذه الاستراتيجيه لدي الداعين اليها، نظراً الي عجز دول العالم عن امتلاك مصادر المعلومات بالتساوي، و خصوصا دول العالم الاسلامي مقارنه مع الدول الغربيه الكبري ما يؤدي الي نقص المعلومات لدي المسلمين، بينما يمكن لنظام دولي للاعلام الاسلامي ان يستفيد من تقنيات العصر، لتشكيل رأي عام مناصر للاسلام و مؤيد له، و ان يجد العناصر التي تناصبه العداء و هذا يفترض بطبيعه الحال برامج معينه و خططاً مناسبه و طاقات مؤمنه و جاده

     و الي جانب هذه الاتجاهات «النظريه» و «العمليه» في مناقشه الاعلام الاسلامي و لبحث في مشاكله و مستقبله، ثمه من يبرز الفروقات بين الضوابط الاخلاقيه في الاعلامين الغربي و الاسلامي استناداً الي النصوص و المصطلحات و الكلمات التي تستخدم في اللغه الصحافيه او في التعرض لخصوصيات الآخرين. و هذا يستدعي تنقيه اللغه الصحافيه مما يعتبر ذماً منافياً للاخلاق الاسلاميه التي تمنع ما يؤذي شعور الآخر او ما ينتهك القيم الانسانيه و الشخصيه.

     الا ان مثل هذا النقاش حول محتوي الاعلام الاسلامي و الشروط التي ينبغي ان يتحلي بها، و ما ترتب عليه من اتجاهات، و علي الرغم من قيمته و سمو اهدافه لا يواكب، فيما نظن، المتغيرات الاعلاميه العالميه و تلك التي طرأت علي التجربه الاعلاميه و الصحافيه التي قدمتها الحركات و بعض الدول الاسلاميه علي امتداد العقدين الاخيرين من الزمن. فقد يكون لدراسه مثل هذه التجارب فائده كبري في فهم و تقويم عناصر نجاحها او اخفاقها و في تطوير المقترحات العلميه المناسبه لها.

     و ربما يتداخل النقاش و البحث بشأن الصحافه و القيم الاخلاقيه و المهنيه في عام اليوم مع التحديات الثقافيه و حتي السياسيه التي يعيشها المسلمون و سواهم في مناطق اخري كثيره في العالم  في مواجهه ما يحصل و ما يدور حولهم من اجل فرض نموذج واحد في الثقافه و السلوك و في السياسه و القيم. خصوصاً و ان وسائل الاعلام و قدراتها الفائقه في هذا المضمار، قادره علي تخطي الحواجز الجغرافيه و الحضاريه، و هي وسائل تملكها و تسيطر علي مضمونها الدول غير الاسلاميه، و الدول التي لا تكن الموده للمسلمين، او تلك التي تسعي الي فرض هيمنتها علي مقدراتهم و سياساتهم. مع ما يعني ذلك من قدره هذه الوسائل و من يقف خلفها علي الاختراق و التأثير علي مستويات الثقافه و القيم و الاخلاق، لا تدري الكثير من الدول و المجتمعات في العالم ما هي السبل المثلي لمواجهته او لمنعه و الحد من تأثيره. بل و تعيش هذه الدول قلقاً و ارتباكاً في اتخاذ القرارات المناسبه للتعامل معه. خصوصاً في الدول التي لا تزال القيم الاخلاقيه تشكل جزءاً اساسياً من مكونات شخصيتها و هويتها.

 

الهوامش

     * بحث قدّمه الكاتب لملتقي «الاخلاق الاعلالميه للاعلامي المسلم» الذي عقد مؤخراً في طهران.

     1. راجعه مقاله رالف رزق الله «الثوره الاكذوبه في رومانيا» مجله شؤون الاوسط، العدد الخامس 1992.

     2. راجع «الحرب التي صنعتها الاركان». مجله شؤون الاوسط العدد الاول 1991.

     3. Joseph. S. Nye. In Foreign Affairs, Mars – April 1996.

 

الوحده  العدد 200 ـ اذار / 1997 م