محاولات مشبوهه لمصادره التاريخ المشرق للمسلمين

طالب الاحمد

 

     يشكّل «التاريخ» الماده الاساسيه للهويه الثقافيه و الحضاريه لأيه مجموعه بشريه، و بقدر ما يكون للتاريخ ـ بما يكتنزه من قيم و رموز ـ امتداد حيوي في الواقع المعاصر، تتجذر مكونات «الهويه» في البنيه الاجتماعيه.

     من هذا المنطلق تكتسب طبيعه الرؤيه للتاريخ و الصله به، اهميه كبري في اي مشروع نهضوي، اذ لا يمكن تصور حدوث تقدم اجتماعي حقيقي بدون معرفه «الذات» التي تشكلت عبر مراحل و اطوار التاريخ، ذلك ان هذه المعرفه، التي تعد بذاتها احدي دلالات التحضّر و الرقي، هي التي تحدد توجهات و مضامين «مشروع النهضه» و امكانيات نجاحه علي ارض الواقع.

     و لعلنا لا نجانب الحقيقه اذا قلنا ان الانتكاسات التي منيت بها المنطقه العربيه. منذ ظهور «الدوله القطريه» الحديثه و تداعي الازمات السياسيه و الاجتماعيه، يعود بشكل رئيسي الي المحاولات السلطويه المحمومه لتزييف وعي الامه و اغتيال «ضميرها التاريخي». و هذا النتيجه تقودنا للحديث عن القراءات السلطويه للتاريخ التي تعيد انتاج الخطابات المؤدلجه و تعمل بشكل او بآخر علي احياء النزعات الطائفيه و الشوفينيه، و تمكين قوي التسلط من تكريس الاستبداد و الارهاب السياسي و قهر «الاقليات»، و تبرير الحروب الداخليه و الخارجيه، و ما دعوات اعاده كتابه التاريخ التي تنطلق بين حين و آخر عبر قنوات عده سوي التجسيد الواقعي لمحاولات تفصيل الخطاب التاريخي علي مقاسات السلطه.

     في هذا السياق، نشير ـ علي سبيل المثال ـ الي الآثار الخطيره المترتبه علي محاولات عدد من الكتاب العلمانيين الراميه الي تمجيد العصور الجاهليه و عدّ ثقافاتها البائده من مكونات الهويه القوميه، و الاشاده و التمجيد بحقب التسلط و الطغيان التي مرّت علي الامه الاسلاميه، و كانت سبباً مباشراً لكل الويلات و المحن التي ألمّت بها، و اعاده الاعتبار لشخصيات تاريخيه طاغوتيه اجمعت الامه علي نبذها و الطعن بشرعيه وجودها في سده الحكم، و اذا شئنا الدقه اكثر، نشير في هذه المجاله الي مشروع خطير يندرج في اطار «اعاده كتابه التاريخ» وفقاً لاهواء السلطه.

 

المشروع السلفي

     ان المشروع السلفي الذي تقوده قوي عربيه معروفه بعمق ارتباطها بالدوائر الامبرياليه و تبعيتها لها، يهدف الي اختلاق شرعيه تاريخيه ـ اذا جاز التعبير ـ لمبدأ الوراثه و الاستبداد في الحكم، و الترويج لفقه وعاظ السلاطين الداعي الي عدم الخروج علي سلطه الحاكم المسلم الجائر، لتبرر بالتالي كل سياسات القمح و الارهاب ضد المعارضين، و لتعمّق بصوره غير مباشره الهوه الفاصله بين السلطه و المجتمع في العالم العربي.

     و في العقود الماضيه صدر اكثر من كتاب سلفي، تضمن الدعوه الاعاده تقويم و تمجيد سلاطين بني اميه و بني العباس، و تقديم قراءه سلطويه للتاريخ تدين الثورات و الانتفاضات التي انطلقت ضد طغيانهم. و من هذه الاصدرات كتاب «حقائق عن امير المؤمنين يزيد بن معاويه» و «جاء دور المجوس» و غيرها.

     و في الآونه الاخيره ادخلت قوي السلفيه الموضوع الي ميدان الدراسات الجامعيه من اجل تطويع الاقلام الاكاديميه، و لأضفاء نوع من «الموضوعيه» الظاهريه علي دعوات اعاده كتابه التاريخ.

     و ضمن هذا الاطار صدر مؤخراً كتاب «تاريخ الدوله الامويه» للدكتور محمد سهيل طقوش عن دار «النفائس» في بيروت، و كتاب «صوره يزيد بن معاويه في الروايات الادبيه / دراسه نقديه» للكاتبه «فريال بنت عبدالله بن محمود الهديب» عن دار «أجا» في الرياض، و هو في الأصل رساله ماجستير قدمت للجامعه الاردنيه، و نوقشت من قبل د. جاسر ابوصفيه و د. احسان عباس و د. عبدالعزيز الدوري.

     في الكتاب الاول، دافع «طقوش» بقوه عن الحكام الامويين، و شك في كل ما ورد في التاريخ عن فسقهم و فجورهم، و اعتبر ـ و هنا بيت القصيد ـ جرائمهم و افسادهم و تحريفهم للدين و قتلهم للامام الحسين عليه السلام و اصحابه و بقيه العلويين الاحرار، و رمي الكعبه الشريفه بالمنجنيق و احراق المصاحف مجرد «زلات ارتكبها بعض الخلفاء ..» حسب تعبيره!

     و يدعو الدكتور طقوش الي اعاده قراءه التاريخ الاموي، و اعاده الاعتبار لسلاطين بني أميه و «انصافهم» بدعوي ان ما ورد في التاريخ عن مثالبهم كتب باقلام اعدائهم و لا يمكن الوثوق به!

     أما كتاب فريال بنت الهديب عن يزيد بن معاويه، فقد اشتمل هو الآخر علي طروحات و اهداف خطيره تمثلت بنفي الكتابه كل الصفات السلبيه المعروفه عن «يزيد» و اسباغها لصفات الاولياء و الصالحين عليه، و سعيها لاثاره تعاطف القاريء معه، لزعمها انه حاكم مفتري عليه!!

     و «فريال» التي تدعي الموضوعيه في مقدمه رسالتها، و تصفها بـ «الدراسه النقديه» تتجاهل ابسط مقومات البحث العلمي، و منها عدم استسهال اصدار الاحكام المطلقه، و التعامل مع مواد و رموز البحث التاريخي بحياديه و بدون مواقف مسبقه، و تقديم الادله العلميه الكفيله باثبات مقدمات البحث، و قبل كل ذلك حرص الباحث الجامعي علي التجرد قدر الامكان عن المؤثرات و الاهواء الشخصيه التي تجعله يتعاطف لأسباب غير موضوعيه مع الاحداث او الشخصيات موضع الدرس.

     و من خلال مراجعه رساله «صوره يزيد بن معاويه في الراويات الادبيه» يتضح ان الباحثه كانت ابعد ما يكون عن الموضوعيه التي تدعها، لأنها تعاطفت الي حد كبير مع شخصيه يزيد منذ خطوات البحث الاولي و بدت و كأنها علي يقين تام بان ما قيل عن فسق و اجرام يزيد مجرد افتراءات بحكم هذا التعاطف، و ليس لاكتشافها ادله قاطعه حول ذلك، اي انه لم تنظلق حتي من «التشكيك» كما يفترض. فهي علي سبيل المثال تكذب كل الروايات التاريخيه المتواتره عن طغيانه و ولعه باللّهو و المجون و شرب الخمر، و اقامه مجالس الغناء بدون اي دليل علمي يسند هذا التكذب سوي زعمها ان تلك الروايات صادره عن اعدائه، و كأن كل ما يقوله اعداء الظلم و الطغيان لا حساب له في ميزانها «العلمي»!

     ثم انها خلصت في رسالتها الي نتيجه، اعتبرتها حماسه، اظهرت فيها يزيد بن معاويه بهيئه العابد الزاهد و الفقيه العالم و السياسي البارع و القائد الشجاع، بدون ان تقدم اي دليل علمي يسند نتيجه هذا «الاثبات»، مثلما عجزت عن تقديم دليل علمي مقنع يؤكد «النفي» للصفات السلبيه ليزيد. و اذا كان رد الباحثه ـ كما نفترض ـ سيكون في اعتمادها لبعض الروايات الضعيفه في مدح يزيد بن معاويه، فمن حق القاريء ان يتعرض عليها لصدور تلك الروايات عن الامويين و الناصبين «أي اعداء اهل بيت النبي (ص)»، و بذلك تنتفي مصداقيتها.

     و من الامور التي تثير الاستفهام و الشكوك عن ابعاد هذه الرساله الجامعيه؛ هو ان الاساتذه الذين ناقشوها يدركون جيداً حقيقه يزيد بن معاويه البعيده كل البعد عمّا جاء في مزاعم فريال بنت الهديب.

     علي ان القضيه الاخطر، تمكن في ان مثل هذه الدراسات و الكتابات تروج لقيم الخنوع و الطاعه العمياء للطواغيت، و تصادر التاريخ الجهادي المشرق للمسلمين و تبعد الاجيال الجديده عن الرموز الثوريه المجسده لهويه الامه الحقيقيه، و تثقفها علي التسليم لخطابات السلطه و قراءتها المتعسفه للتاريخ الاسلامي، و تدعوهم بشكل مباشر و غير مباشر لتقديم فروض الولاء و الطاعه للحكام و الملوك المستبدين في عصرنا الحديث، و عدم تصديق ما يرد عنهم من مباذل و فضائح. باعتبارهم امتداداً طبيعياً لسلاطين بني اميه .. و الوجه الآخر ليزيد ابن معاويه.

     و اختيار الكاتبه «فريال» لشخصيه يزيد بن معاويه دون غيره من الحكام الامويين لاعاده الاعتبار اليه، لم يكن امراً اعتباطياً، فهو اختيار له دلالاته السياسيه و الطائفيه التي لا تخفي عن ذهن القاريء اللبيب

     و ازاء هذا الوضع «العلمي» البائس، ألا يحق لنا ان نعتبر هذه الدراسات و امثالها بمثابه اغتيال للتاريخ و اعلان حرب جديده علي الصحوه الاسلاميه؟

الوحده العدد 198