منطلقات فی التحليل الحضاری

 

لماذا تتخلف ثقافه الوقت

و العمل عن مجتمعاتنا الاسلاميه؟

جواد علی

لا تقتصر الثقافه الاسلاميه علی المتجيد بالوقت العمل و الحث عليهما بل هی تؤکد فی وجهها الآخرعلی ذم البطاله و اعتبارها حاله من الخواء الذهنی و نقص العقل و نقرا فی الحديث الشريف {ابغض الناس عند الله البطالون}و الغريب ان هذا الواقع يسود قطاعا واسعا من ابناء المجتمعات الاسلاميه حيث تتفشی البطاله الواضحه او المضمره رغم ان هناک من يشارکنا المعيشه علی الکره الارضيه وينتمی الی الشرق ذاته الذی ننتمی اليه و مع ذلک تسجل الارقام من هنا انهم يموتون من العمل   الشواهد عن قيمه الوقت و العمل تبدا و لا تکاد تنتهی. فکل ما فی الاسلام بدءا من القرآن الکريم و انتهاء بسيره الصالحين يؤکد علی الوقت و العمل. الاسلام دين يقدس العمل و يربط مصير الانسان و جزاءه بالعمل، و مع ذلک تتخلف هذه الثقافه و تفقد دورها کدافع فی البناء الفردی و زياده الانتاجيه اجتماعيا.

          ان من المظاهر التی تثير الفزع فی حياه المسلمين انعدام ثقافه احترام الوقت فيما بينهم، تستوی الظاهره بين الافراد و الشعوب، و تکاد تکون هی القاعده و ماسواها الاستثناء. علی سبيل المثال ان صاحب بحث {دراسه الوقت و العمل} الذی صدر عام 1401 ه، و هو يعد من اهم بحوث الاسلاميين فی هذا المضمار؛ يکتب: {ان مشکله التخلف المادی تبرز بشکل واضح فی التخلف التنظيمی فی الاعمال، ای فی ندره او انعدام الاستفاده الکافيه من الطاقات البشريه، و فی تضييع الوقت،و الجهل بمعرفه التنسيق بین الطاقات البشريه، و الجهل بمعرفه توزيع الاعمال و توقيتها، و الاغراق فی هدر الوقت و الجهد و الماده}.

          و حين يريد الباحث المذکور ان يجسد ماساه المسلمين علی هذا الصعيد يضرب المثال التالی: {فی عالم اليوم مليار مسلم ينتشرون فی قاره آسيا و افريقيا و بعضهم فی القارات الاخری باعداد قليله نسبيا. و لو فرضنا ان (500) مليون من هؤلاء قادرون علی العمل، و لو ان ساعه منحها کل واحد من هؤلاء للعمل فی سبيل الله فی المجال العام؛ فی الانتاج الصناعی او الانتاج الزراعی او العلاقات و الخدمات، کالخدمات الصحيه و التعليميه و الاسکان و التعمير .. الخ، فان هذه الساعه من المسلم تتحول الی کم هائل من ساعات العمل. ان هذا الکيان الضخم من الوقت لو تحول الی عمل نافع لحصلنا علی نتائج باهره من الاعمال}.

          قد يعترض البعض علی هذا النمط من التحليل، بان استغلالا مخططا _ مثل هذا _ للوقت لا يمکن ان يتم الا فی اطار ظرف سياسی موائم يکون بمثابه الارضيه لنمو امثال هذه المشاريع. و هذا الکلام صحيح بدرجه معينه، بيد انه ياتی بالمرتبه الثانيه، اذ المشکله فی المرتبه الاولی هی کيف يعيش الفرد المسلم هذه الثقافه و عيا و سلوکا و يکون علی اهبه الاستعداد لتحقيقها عمليا حال انبثاق الظرف السياسی المناسب؟

          من السهل ان نلمس بان الازمه فی هذا المجال تسری فی جوانب حياه الافراد انفسهم. فاهدار الوقت هو ظاهره تبدا اولا بما يطغی علی المسلم من غفله و عدم انتباه لهذا الراسمال المولد لکل الثروات، و الذی لا يمکن ان تسترد منه لحظه هدرت مطلقا، و الا هل بمقدور الانسان ان يستعيد دقيقه واحده مضت من وقته؟

 

امثله داله

          اثناء مراجعه کتاب واحد صدر بعنوان {الشؤون الاقتصاديه فی نصوص الکتاب و السنه} راينا ان الباحث مر علی مئات الاحاديث التی تتناول الوقت و العمل. و ربما کان الوعی الاسلامی يستحضر بشکل عام ما ذکره الرواه من تقدير النبی (ص) للعامل. فبروايه ابن الاثير فی {اسد الغابه} ان رسول الله (ص) التقی بعامل قد اخشوشنت يداه من العمل، فاخذ بيده و قلبها، و قال: هذه يد لا تمسها النار.

          و يذکر الشيخ المظاهری فی کتابه {تربيه الطفل فی الرؤيه الاسلاميه} ان الامام علی بن ابی طالب (عليه السلام) حين وصل الکوفه وحد مجموعه من الرجال دائمه المکوث فی المسجد الاعظم، و عندما سال عنهم، قالوا له: هؤلاء رجال الحق! استغرب الامام امير المؤمنين التسميه و استخبر عن حالهم، فاخبروه بان هؤلاء ممن ترک اطفاله و نساءه و اعتزل الحياه متفرغا للعباده و الذکر و الدعاء، و هؤلاء اذا جاءهم ما يسد رمقهم اکلوه و الا صبروا.

          يذکر الشیخ مظاهری ان الامام امر ان يغادر هؤلاء المسجد للبحث عن عمل و ينصرفوا لممارسه مسؤوليات الحياه.

          و من سيره حياه ائمه اهل البيت (عليهم السلام) نقرا ان رجلا رای الامام موسی بن جعفر يعمل فی ارض له قد استنقعت قدماه بالعرق، فقال له: جعلت فداک، اين الرجال؟

          فقال (عليه السلام): قد عمل باليد من هو خير منی و من ابی فی ارضه، يقول الراوی، فسالت: و من هو؟ اجاب الامام: رسول الله (ص) و اميرالمؤمنين (ع) و آبائی کلهم، کانوا قد عملوا بايديهم، و هو من عمل النبيين و المرسلين و الاوصياء و الصالحين.

          و نظير ذلک ما يرويه ابو عمر الشيبانی عن الامام جعفر بن محمد الصادق (ع)، حيث يقول: رايت ابا عبدالله (الصادق) و بيده مسحاه و عليه ازار غليظ يعمل فی حائط له (ای بستان) و العرق يتصاب عن ظهره، فقلت: جعلت فداک، اعطنی اکفک. فقال (ع): انی احب ان يتاذی الرجل بحر الشمس فی طلب المعيشه.

 

انک تجد من المسلمين من يکون مستعدا

التضحیه لحياته و ماله فی سبيل الله. و لکنه

لايرتفع الی مستوی احترام وقته و اوقات الاخرين فضلا

عن استثماره هذا الوقت. و السؤال: اين يکمن الخلل فی

هذه الظاهره؟ لسنا بشان الدخول فی تحليل اجتماعی

او نفسی او ثقافی الظاهره و انما غايه ما

نبغيه هو ان نثير الافکار باتجاه معين.

 

          و مثال آخر يحدث به محمد بن المنکدر، من انه اراد ان يعظ الامام محمد بن علی الباقر فوعظه، و حین ساله صاحبه: بای شیء وعظک؟ قال: خرجت الی بعض نواحی المدينه فی ساعه حاره، فلقينی ابو جعفر محمد بن علی، و بعد ان يصف حال الامام و هو يعمل فی حر الشمس و العرق يتصبب منه، يواصل ابن المنکدر حديثه بالقول: فقلت فی نفسی: سبحان الله ! شيخ من اشياخ قريش فی هذه الساعه، علی مثل هذه الحاله فی طلب الدنيا، اما انی لاعظه، فدنوت منه فسلمت عليه، فرد علی و هو يتصاب عرقا فقلت: اصلحک الله، شيخ من اشياخ قريش فی هذه الساعه علی هذه الحاله فی طلب الدنيا، ارايت لو جاء اجلک و انت علی هذه الحال؟

          فاجاب الامام: لو جاءنی الموت و انا علی هذه الحال، جاءنی و انا فی طاعه من طاعات الله عزوجل، اکف بها نفسی و عيالی عنک و عن الناس. و انما کانت اخاف لو ان جاءنی الموت و انا علی معصيه من معاصی الله.

          لا يقول ابن المنکدر؛ فقتل: صدقت يرحمک الله، اردت ان اعظک فوعظتنی!

 

مفارقه عجيبه!

          انک تجد من المسلمين من يکون مستعدا للتضحيه بحياته و ماله فی سبيل الله، ولکنه لا يرتفع الی مستوی احترام وقته و اوقات الآخرين فضلا من استثماره هذا الوقت. و السؤوال: اين يکمن الخلل فی هذه الظاهره؟ لسنا بشان الدخول فی تحليل اجتماعی او نفسی او ثقافی للظاهره، و انما غايه ما نبغيه هو ان نثير الافکار باتجاه معين.

          و الاتجاه الذی نعنيه هو الثقافه الاسلاميه علی هذا الصعيد، اذ لاندری ما هو الباعث لتخلف مثل هذه الثقافه عن حياه المسلمين مع انها شديده التاکيد علی احترام الوقت و العمل؟

          فعلی صعيد التربيه الفرديه نقرا فی الحديث الشريف: {المغبون من غبن عمره ساعه بعد ساعه}. و نقرا فی حديث ايضا: {و ان استطعت ان تکون اليوم خيرا منک امس، و غدا خيرا منک اليوم فافعل} و مع ذلک ترانا نقطع ساعات نهار بتوافه الامور، و احيانا بالمکروه و المحرم و مالا ينفع انفسنا، فی حين رايت فی کتاب حديثی واحد انه يخرج الحديث التالی بطرق ثلاثه: {لا تقطع نهارک بکذا و کذا فان معک من يحصی عليک}.

          و عوده الی {داسه الوقت و العمل} حيث يکتب الباحث فی نص دال من نصوصها: {فی الآيه الکريمه {و من يعمل مثقال ذره خيرا يره. و من يعمل مثقال ذره شرا يره} و هذا الاتجاه يخالف تماما ما عليه المسلمون اليوم بصوره عامه. و لو فکرنا تفکيرا احصائيا بالاوقات التی تاکل حياه المسلمين، و تذهب هباء بلا فائده و لا نتيجه موجوه لدنياهم و اخراهم، لوجدنا ملايين الملايين من الساعات تستهلک باللهو و الکسل و عدم المبالاه، و التوافه و الاعمال المکروهه و المحرمه. و هذه هی المظاهر البارزه للانحطاط العالم الذی يلف بلاد المسلمين من اقصاها لاقصاها}. ثم يتساءل الباحث _ و نحن نکرر السؤال معه _ : هذه الحاله البائسه الا تستحق الدراسه؟

 

ذم الوجه الآخر

          لا تقتصر الثقافه الاسلاميه علی التمجيد بالوقت و العلم و الحث عليهما، بل هی تؤکد فی وجهها الآخر علی ذم البطاله و اعتبارها حاله من الخواء الذهنی و نقص لعقل. و ربما کان کافيا لنا _ و لو اردنا ان نتعظ _ هذا الحديث لوحده. فهذا کليم الله موسی (عليه السلام) يسال ربه عن ابغض الناس اليه، فيخبره (سبحانه) انهم من يکون حالهم {جيفه بالليل و بطال بالنهار}. و کذلک نقرا فی الخبر الشريف: {ابغض الناس عند الله البطالون} و الغريب ان هذا الواقع المر يسود قطاعا واسعا من ابناء المجتمعات الاسلاميه حيث تتفشی البطاله الواضحه او المضمره، رغم ان هناک من يشارکنا المعيشه علی الکره الارضيه و ينتمی الی الشرق ذاته الذی ننتمی اليه، و مع ذلک تسجل الارقام من هناک انهم يموتون من العمل!

          فالاحصاءات الرسميه من اليابان تؤکد موت بضعه مئات من اليابانيين سنويا لاستغراقهم فی العمل و عدم حصولهم علی فرصه کافيه للراحه. فهؤلاء يعملون حتی فی ايام عطلهم الاسبوعيه و السنويه، و الدافع ليس المال، و انما حاله مرضيه اسمها: الادمان علی العمل. لذلک بادرت الحکومه اليابانيه الی فتح عيادات طبيه متخصصه لمعالجه هذا النوع من الادمان الذی نتمنی ان يسری و لو جزء يسير منه فی اجسام العاطلين من ابناء مجتمعاتنا! اما بشان الانتاجيه العامه، ففی حين انها تتدنی فی بلاد المسلمين لمستويات دنيا تبعث علی الفزع و الخوف، تراها تشهد فی البلدان الغربيه معدلات صاعده.

          لا نريد من يصفنا بالرغم ان هذا الکلام هو تعبير عن واحد من مظاهر الانبهار بالغرب، لانا اولا نملک الادله الرقميه الصادره عن مراکز رسميه مسؤوله فی العالم الاسلامی، تشير الی ان ارقام الانتاجيه مفزعه لفقرها و فرط صآلتها.

          و ثانيا لان احد لا يستطيع کائنا من کان ان ينکر علی الغرب تقدمه فی هذا المضمار و ما يرافق هذه القيمه من ايجابيات. و فی ثقافتنا ان الحکمه ضاله المؤمن، و من معاييرنا ان لانبخس الناس اشياءهم.

 

ان امه تلمک مثل هذه الذخيره المعرفيه

الحيه ثم لاتعمل و لا تنهض، بل تعيش وجودها بالکسل

و الملذات و التسکع علی الهامش، هی امه لاتستحق الوجود.

و سنن الله فی الکون و الحياه لاتحابی و لا ترحم، و قد

{ابی} الله ان يجری الامور الا علی اسبابها

 

          و الاکثر من ذلک هذا هو آيه الله السيد الخامنئی لاينکر فی حديث له عن التبادل الثقافی، القيم الايجابيه فی الحياه الغربيه، و لا يصد عن روحيه التفاعل و الانفتاح علی کل ما هو ايجابی، حين يسجل: {فمثلا عندما شن الاوربيون حملتهم الثقافيه علی بلادنا فانهم لم ياتونا بروحيه الاهتمام بالوقت، و لا بالشجاعه و لا _ بروحيه _ حب المغامره فی القضايا و المباداه بالبحث و التنقيب العلمی، و لم يحاولوا باعلامهم ان يصنعوا من ايران شعبا محبا للعمل و العلم}. النص واضح فی الدلاله علی قيم ايجابيه فی الحياه الاوربيه منها احترام الوقت و الاندفاع فی العمل.

          اجل، ما نرفضه و ما لا نتفق عليه، هو ما يذهب اليه بعض التحليلات لظاهره البطاله وضآله الانتاجيه و هی تزعم ان ذلک يعود الی المرجعيه الثقافيه للا