هل انتهي دور الآيديولوجيا في حياه البشر؟

نزعه مناهضه الايديولوجيا في ضوء النظريه الغربيه

جواد علي

 

     النزعه المناهضه للايديولوجيا استخدمت صيغا متعدده للتعبير عن نفسها في العالم الاسلامي و من اشهر صيغها ان المجتمعات الاسلاميه لا تحتاج اليوم الي ايديولوجيا و رؤيه كونيه تصدر عنها في ممارسه خياراتها الاجتماعيه و السياسيه و التنمويه بقدر ما تحتاج الي الديمقراطيه و المجتمع المدني و العقلانيه و العلم. و ما ترمي اليه القراءات الغربيه المناهضه للايديولوجيا في العالم الاسلامي ان تضع الاسلام في موقع ضدي مع التعدديه السياسيه و المجتمع المدني.

 

نظريتا التراكم و الانقطاع

     الافكار كائنات حيه تمتلك بواعث الحيويه علي قدر تعبيرها عن الحق و الحقيقه و بمقدار تطابقها مع الواقع. و قد تمتلك الافكار الصفه الحيويه من حاجه الانسان اليها و تفاعل الناس معها حتي و هي تغاير الحقيقه.

     علي هذا الاساس ذهب المتخصصون في تاريخ الافكار و العلوم الي انهما ينموان بالتراكم. فالفكر و العلم ضربان من ضروب النشاط العقلاني الذي يتراكم بمرور الزمان فيولد المعرفه التي تزدهر في حقل الحياه الانسانيه و تحقق التقدم.

     كان هذا التصور القائم علي الاستمرار و المستند الي التراكم المنتج للمعرفه و التقدم، هو السائد الي ان حاول بعض منظري فلسفه العلم اختراقه بافكار جديده تفسر المسار الفكري و العلمي علي نحو آخر.

     ففي الستينات خرج عليها «توماس كون» بتفسير ركز علي لحظات الانقطاع اكثر من حالات الاستمرار، و اكد ان ما يكون باعثا لتطور الافكار و العلوم و استمرارهما هو الانقطاع لا الاستمرار.

     ملخص فكره «كون» ان العلم يمر بمراحل متعدده تبدا من مرحله العلم العادي و تنتهي الي مرحله الازمه، و في مرحله الازمه تعجز معطيات العلم السائده علي ان تمنح الاسئله الموجوده اجوبتها الشافيه. و هكذا تستمر الازمه الي ان تنفجر من خلال نظريه جديده تنهي الازمه و تضع حدا لنظريات العلم القديم لتدشن الانسانيه بدايه جديده للعلم تستمر هي الاخري الي ان تبلغ الازمه.

     و مع كل ازمه نكون امام انقطاع جديد في مسار العلم يوفر لنا عبر الانفجار و الثوره و ولاده نظريات جديده، باعثا جديد ا للاستمرار. و هكذا ينمو العلم من خلال سلسله من لحظات الانقطاع، و لا يدوم من خلال التراكم كما كانت تذهب لذلك الفرضيات السابقه.

     و المسار الذي يفسر العلم يمكن تطبيقه بذاته علي المسار الذي يضبط تاريخ الفكر و يحدد استمراره.

     ان ما يلاحظ علي نظريه تفسير النمو المعرفي من خلال التراكم او الانقطاع، انها لا تعدو ان تكون تصورات مفترضه اعتمدت لتسهيل استيعاب التقدم المعرفي. و الا فان حركه الفكر و العلم في الواقع العملي هي اعقد بكثير من ان يمكن اجمالها في عامل واحد.

     بيد ان ما نستطيع ان نطمئن اليه تماما ان للتراكم دوره كما للانقطاع دوره، دون ان يعني ذلك بالضروره استبدال احدهما بالآخره و الاعتماد علي عامل واحد دون العالم الآخر. بل نجد ان التفسير القائم علي فرضيه الانقطاع لا يستطيع ان يستغني عن التراكم. فالنظريه او الفكره التي تولد بعد الازمه لا يمكن ان تكون بدايه جديده من الصفر تماما، و انما لابد و ان تكون قد استفادت من الخلفيات و المعطيات التي سبقتها؛ و ان تاولت هذه المعطيات و اعادت تفسيرها و توجيهها في مسار آخر. و في هذه المضمار ما ادق كلمه احد الناقدين: لا يبدا من الصفر الا الصفر!

 

امثله من الواقع الغربي

     حين نتحول من النظريات التفسيريه الي المصاديق نجد بين ايدينا الكثير مما يؤكد علي طابع الاستمرار من خلال التراكم. فما كان يبدو انها افكار قديمه و منهيه، يتبين لنا خلال التفحص النقدي الدقيق انها ما زالت حاضره، بل و بعضها حاضر بشده و كثافه و ان ارتدي البسه و جلابيب جديده. لناخذ كمثال بارز الضحه التي اثارتها اوربا حيال المنطق الارسطي، يوم اعلن الاوربيون باصرار و عناد لا نظير لهما ان المنطق الارسطي قد مات و لم يعد له اثر في الحياه العلميه و الفكريه لاوربا بعد عصر النهضه. بل الاكثر من ذلك انهم فسروا ولاده النهضه في اوربا علي اساس اعلان القطيعه للمنطق الارسطي و استبداله باتجاهات المنطق التجريبي و الجدلي و الوضعي؛ و السؤال: ماذا كانت النتيجه بعد ذلك؟ حين عاد الهدوء الي اوربا و استقرت علي ما شرف العقود الاخيره للقرن العشرين، اكتشف الجميع حجم المغالطه الكبيره. فالمنطق الارسطي كان حاضرا باستمرار و لم يخب او يختف ابدا و ان مورس ضد حضوره العلني المباشر و الصريح الكثير من حملات الاضطهاد و التجريح. فقواعد هذا المنطق كانت و ما تزال فاعله باستمرار. و لم يكن المنطق التجريبي و لا الوضعي و لا ايضا الجدلي ـ الذي يفترض ان يكون الصوره النقيضه للارسطي ـ مستغنيا عن قواعد المنطق الارسطي.

     و الاكثر من هذا ان الفكر الاوربي اليوم بعد ان طاف في نزاعات و اتجاهات كثيره، عاد مجددا ليكتشف جذوره العريقه في الاصل الارسطي في محاوله تهدف اساسا للارساء علي هويه تاريخيه اصيله.

     من المصاديق ما قالوه من ان ماركس انهي هيغل، ثم تبين ان ماركس لم يكن سوي قراءه لهيغل بغض النظر عن طبيعه الخطا و الصواب في هذا القراءه، تماما كما ان عمل فرانسيس فوكوياما في «نهايه التاريخ» لم يكن سوي استحضار جديد لهيغل و قراءه معكوسه لماركس.

 

معاداه الايديولوجيا

     نصل الآن الي ما نريد التاكيد عليه من عدم الاستعجال في الاعلان من موت الافكار، هكذا بشكل مطلق و نهائي، لان الفكر كائن حي تتجدد قواه باستمرار، فيذهب منه الزبد، و يبقي ما ينفع الناس.

     لقد سقنا هذه المقدمات حول فاعليه الافكار لندل علي ما يكمن وراء النزعه الغربيه لمعاداه الايديولوجيا. فمنذ اوائل العقد الثالث من هذا القرن و هذه النزعه تستخدم كراس حربه لمواجهه ايه نظريه او ايديولوجيه او رؤيه كونيه يخمن انها تهدد مركزيته.

     علي سبيل المثال ظهرت هذه النزعه اولا في الولايات المتحده لمواجهه الشيوعيه و الفاشيه بوصفهما آيديولوجيتين تتحديان المركزيه الغربيه. و تحت غطاء معاداه الآيديولوجيا مررت الولايات المتحده مجموعه سياساتها الداخليه المناهضه، لاصول الليبراليه الغربيه، و ربما كانت المكارثيه هي اسوا صيغه لتحديد الحريات في اميركا تحكت تحت غطاء معاداه الآيديولوجيه.

     و في خط آخر تحولت نزعه معاداه الآيديولوجيه الي اداه خطيره لاحتواء ‌اتجاهات التحرر و حركات النضال في العالم الموسوم بالثالث. فقد كانت كل دعوه لمواجهه هيمنه الغرب فكريا وثقافيا و تعزيز الهويه المحليه يقلل من شانها اولا ثم تستوعب و تذوب بذريعه انها دعوه لآيديولوجيات شموليه مغلقه.

     بيد ان القراءه الاخطر التي تعنينا هي تلك التي راجت و ما زالت تروج في العالم الاسلامي. ذلك ان الاسلاميين ينتمون بجميع تجاهاتهم الحركيه و النهضويه للاسلام، و الغرب يقرا الاسلام فكره شموليه مغلقه، و يحكم عليه كآيديولوجيه الاسلام من الصراع المحتدم بين المسلمين و الغرب.

     لقد استخدمت هذه النزعه صيغا متعدده للتعبير عن نفسها في العالم الاسلامي، و هي تملك باستمرا ر ذرائع لا تكاد تنتهي في تجديد محتواها.

     و ربما كان من اشهر صيغها ان المجتمعات الاسلاميه لا تحتاج اليوم الي آيديولوجيا و رؤيه كونيه تصدر عنها في ممارسه خياراتها الاجتماعيه و السياسيه و التنمويه، بقدر ما تحتاج الي الديمقراطيه و المجتمع المدني و العقلانيه و العلم، و لما كانت الآيديولوجيا تتحرك بالضد من هذه المرتكزات حسب الرؤيه التي يضخها الغرب، فان الاسلام ـ و هو آيديولوجيا المسلمين ـ لا يمكن ان يتوفر علي اطروحه الخلاص للمجتمعات الاسلاميه.

     ما ترمي اليه القراءات الغربيه المناهضه للايديولوجيا في العالم الاسلامي ان تضع الاسلام في موقع ضدي مع التعدديه السياسيه و المجتمع المدني و العقلانيه و العلم، و تفتح الطريق بالتالي للخيارات الغربيه في هذا المضمار.

     و في مواجهه هذه النزعه لا نريد ان نحيل الي حقيقه ما جنته المجتمعات الاسلاميه من مشاريع التحديث الغربي التي لم تنتج سوي تخلفا مركبا و تزويرا في الوعي، و انما يكفي ان نذكر بالنقطتين النظريتين التاليتين.

     الاولي: ان الغرب كان و ما يزال يتحرك من خلال آيديولوجيه شامله معززه بسلطات معرفيه هائله و بمختلف ضروب القوه العسكريه و الاقتصاديه. و مع سقوط الماركسيه و انتهاء ‌دورها علي مستوي الثوره و الدوله نصبت الليبراليه الغربيه من خيارها في الحياه «آيديولوجيه وحيده» للبشريه كافه، كما تحكي ذلك الصيحات النظريه هناك، بما فيها صيحه نهايه التاريخ، و صيحه صراع الحضارات.

     الثانيه: ان من حق ايه آيديولوجيه ان تفرز وفق تصورها النظري نموذجها في النظام السياسي و المجتمع المدني، و طبيعه العلاقات، و يكون لها حتي موقفها الخاص من العلم و العقلانيه و غير ذلك. و بالتالي لا معني لافتراض ان تكون تصاميم و نماذج الآيديولوجيا الغربيه، هي لوحدها و دون غيرها، نماذج عامه تصلح للبشريه جمعاء.

     ففي ظل التقدم الذي احرزه الفكر الاسلامي و التجربه الاسلاميه عموما اصبح من الممكن، بل و المجدي الحديث عن نظام سياسي و مجتمع مدني و عقلانيه مستمده من الاسلام ذاته او تتحرك ابنيتها في غير تعارض معه.

     بعباره صريحه ليس المجتمع المدني في تركيبته العلمانيه التي يقدمها الغرب هي الصيغه الوحيده امام البشريه، بل راحت البشريه تشهد ممكنات مجتمع مدني مؤمن يقدمه الاسلام. و هكذا الحال بشان القضايا الملحه الاخري.

     و اذا اردنا ان نعود للنظريات التي افرزها العلم الغربي نفسه بشان تطور الافكار و نموها، فلا يسع الغرب ان يتحدث بمنطق العلم و البرهان عن نهايه دور الاسلام تحت ذريعه نهايه دور الايديولوجيا، الا ان ياتي هذا الحديث علي سبيل المغالطه او الامنيه كما قرانا ذلك لدي فاكوياما في نهايه التاريخ، و ريتشارد نيكسون في الفرصه الاخيره، و اوليفيه روا في تجربه الاسلام السياسي.

     و مع ذلك فان في الغرب نفسه هناك من اخترق القشره الخفيفه التي تغطي هذه الامنيات كما فعل صموئيل هانتينغتون ـ كمثال ـ في رؤيته عن صراع الحضارات، التي انتقد فيها «امنيات» فوكوياما و نيكسون و مرشايمر و غيرهم من الحالمين بنهايه للتاريخ يغلقها الغرب لصالح آيديولوجيته، مشيرا الي امكانات رؤيه صراعيه تتحكم بالعلاقات الدوليه، يكون علي راسها هذه المره الاسلام و الغرب.

     اخيرا يبقي هاجس الغرب في معاداه الآيديولوجيا في العوالم الكائنه خارج مدار حضاره الانسان الغربي، و تحويله بالذات الي اداه لمناهضه حركه الاحياء‌ الاسلامي التي تضرب بلاد المسلمين بقوه، يبقي بنفسه تعبيرا مكثفا عن نزعه آيديولوجيه يستغرق بها الغرب حتي اذنيه، ‌لا تكف عن فضحه و اظهار عواره حتي و هو يتلمس اعقد تقنيات الفكر للتخفي عليها.

 

الوحده ـ العدد 204