نداء قائد الثورة الاسلامية الى حجاج بيت الله الحرام

 

في كل عام وبمناسبة مناسك الحج يوجه سماحة قائد الثورة الاسلامية السيد علي الحسيني الخامنئي (دام ظله) نداءا الى حجاج بيت الله الحرام يؤكد فيه على اهمية دور الحج في توحيد الامة الاسلامية ويتناول فيه اهم القضايا الراهنة في العالم الاسلامي وفي هذا العام ايضا وجه سماحته نداءا  الى حجاج بيت الله الحرام فيما يلي نصه:

 

بسم الله الرحمن الرحيم

مشهد اجتماع ملايين المسلمين في الحج ظاهرة فريدة مدهشة، جموع من كل الشعوب الاسلامية، ومن كل فج عميق، ومن مختلف الانتماءات الاجتماعية تحفل هذه الايام المعدودات في بيت الله ومولد الاسلام ونبيه الكريم وتؤدي مناسك مفعمة بالرموز والاسرار.

في هذه الشعائر الطافحة بالمعاني والعظمة تتلقى الشعوب المسلمة عمليا وبصورة مجسدة متحركة دروسا في انشداد قلوبهم برب العالمين، وتألف قلوبهم مع بعضهم، والحركة حول محور التوحيد، والتحرك الجماعي في المساعي والجهود، ورمي الشيطان والبراءة من الطاغوت والذكر والتضرع والخشوع امام الله سبحانه، واستشعار العزة والعظمة في كنف الاسلام.

وتتجسد في اطار مناسك الحج معاني الود والالفة والتعايش مع الاخوة والصمود والصلابة تجاه الاعداء ، والتحرر من اغلال الذاتية والانانية ، والاتصال ببحر العزة والعظمة الالهية.

ان الحج مظهر الامة الاسلامية ومدرسة ذلك السلوك الذي يجب ان تنهجه هذه الامة الكبرى لتحقيق سعادتها، اذ يمكن تلخيص فريضة الحج بأنها حركة هادفة واعية ومتنوعة وجماعية في اتجاه موحد، ذكر الله وتآلف قلوب عباد الله يشكلان صدى هذه الحركة ولحمتها وهدفها اقامة قاعدة معنوية مستحكمة لحياة سعيدة للانسان «جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد....».

الامة الاسلامية انطلاقا من مدرسة الحج بحاجة الأن الى حركة هادفة كبرى في حياتها العملية وجميع الامم بحكوماتها وشعوبها تتحمل قسطا من هذه المسؤولية. ان البلدان الاسلامية منيت في القرن الاخير بخسائر فادحة ، الغزو الاستعماري الغربي اضر اكثر من غيره بالشعوب الاسلامية، اذ عرض ثروات الشعوب ومصادرها المادية لغزو شامل على يد الدول المستعمرة، وكانت حصيلة هذه الغارة على المسلمين الاسر السياسي والاقتصادي والتخلف العلمي والمادي، بينما عادت على المستعمرين باستغلال المصادر المادية والانسانية المسلمة، وبازدياد ثرواتهم وقدراتهم عن طريق الغصب والظلم والحرب والعنف.

وبعد سنوات متمادية عادت الشعوب الاسلامية الى وعيها.

حركة الصحوة الاسلامية ورايات المطالبة بالحق والتحرر في ارجاء العالم الاسلامي فتحت امام المسلمين آفاقا واعدة ، واخيرا فان انتصار الاسلام في ايران واقامة الجمهورية الاسلامية الايرانية فيها بشر بمرحلة جديدة للعالم الاسلامي. ومن البديهي ان طواغيت المال والقوة في العالم لايستسلمون بسهولة امام نداء الحق، مما يجعل الشعوب الاسلامية امام طريق لاحب طويل شاق ولكنه مبارك ميمون، والسائرون على هذا الطريق، لو استقاموا لحرروا انفسهم واجيالهم القادمة من ذل التخلف والاسر السياسي والاقتصادي والثقافي، ولاقوا  طعم الحياة الهنيئة في ظل الاسلام.

ان هذا الطريق ، هو طريق الجهاد العلمي والجهاد السياسي والدفاع الصلب عن الحق الواضح الصريح، المسلمون في هذه الساحة يدافعون عن شرفهم وعزتهم وحقوقهم المغتصبة.

الانصاف والوجدان البشري قاض متفهم حاسم يؤيد جهاد هؤلاء المظلومين، والسنة الالهية تبشر بانتصارهم الحتمي: «اذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وان الله على نصرهم لقدير».

ان الاستكبار العالمي، وأعني الشبكة المترابطة من الكارتلات النفطية ومصانع الاسلحة والصهيونية العالمية والحكومات التابعة لها، في حالة تحرك هائج وهجوم، اذ يرى نفسه امام خطر تصاعد يقظة الامة الاسلامية، مظهر هذا الهجوم بابعاده السياسية والاعلامية والعسكرية والارهابية يتجلى بوضوح فيما يصدر من اقوال وممارسات عنيفة صريحة عن الدوائر العسكرية الحاكمة في امريكا والكيان الصهيوني.

فلسطين المظلومة الدامية تتعرض يوميا لاقسى جرائم الكيان الغاصب، والشعب الفلسطيني يتحمل كل ما يتحمل من قتل وغارات وتخريب وتعذيب وتحقير واهانة لا لشيء الا لانه نهض بجرأة بعد نصف قرن بالمطالبة الجادة بحقه المغتصب.

ان الشعب العراقي اذ يتلقى اليوم نعيب التهديد بالحرب فذلك لان النظام الامريكي يرى ضرورة التواجد في العراق للسيطرة على مقدرات هذا البلد ثم على مقدرات كل بلدان الشرق الاوسط من اجل الهيمنة على شريان النفط الحياتي ونهب ما تبقى من المصادر النفطية في هذه المنطقة ومن اجل الحضور الفاعل في جوار حدود فلسطين وايران وسوريا والمملكة العربية السعودية.

والشعب الافغاني انما يعاني بجسمه وروحه خلال سنة واشهر مضت من القنابل واسلحة الدمار الشامل الامريكية والبريطانية وهكذا يتحمل تدخلهم العدواني المهين فلذلك لان امريكا تفهم مصالحها غير المشروعة على هذا النحو.

اطماع هذه الشبكة الاستكبارية والمعادية للبشرية لاتعرف نهاية ولا حدودا ، واذا ارادت امريكا في نصف القرن الماضي ان تكون مطلقة العنان في بلدان امريكا اللاتينية فانها تريد ان تكون في نصف القرن الحالي سلطانا ودكتاتورا لايحده قيد ولا شرط في جميع بلدان المنطقة الاسلامية ، كلما تعده امريكا من تخطيط وبرامج دولية هدامة انما تستهدف تحقيق هذا الادعاء الذي يحدوه الغرور ويحدوه الحمق ايضا.

ان امريكا وحلفاؤها سيفشلون حتما، وسيشهد العالم سقوط امبراطورية مقتدرة ولكنها سكرى ، تماما كما رأوا خطأ حساباتهم المجنونة في افغانستان وفي فلسطين، غير ان الامة الاسلامية - بدولها وشعوبها - اذا لم تتخذ القرار المتعقل الشجاع في الوقت المناسب فانها ستمنى مرة اخرى بخسائر باهظة فادحة.

ان امريكا في مرحة تحركها الجنوني الجديد، الذي بدأ بعد حادثة 11 ايلول/سبتمبر المشكوكة، عمدت ايضا الى هجوم الاعلامي : اي انها رفعت راية الديمقراطية ومكافحة الارهاب على الرماح ورفعت عقيرتها امام الشعوب الاسلامية في ذم اسلحة الدمار الشامل والاسلحة الكيمياوية ، ترى الا يظنون ان المسلمين قد يسألونهم: ما هي الحكومات والشركات التي وضعت هذه الاسلحة تحت تصرف النظام البعثي العراقي؟ تدعون ان تسعه عشر الف قنبلة كيمياوية كان النظام البعثي العراقي يمتلكها في ترسانته وان ثلاثة عشر الف منها قد صبها على رؤوس الايرانيين فبقيت منها ستة آلاف ، وأنتم بهذا الدليل تبررون هجومكم على العراق ، هذا العدد من الاسلحة الكيمياوية كيف حصل عليه النظام العراقي؟ هل هناك احد غيركم وغير حلفائكم من هو شريك جريمة في هذه المأساة التاريخية؟ ألا تظنون ان ادعاء مكافحة الارهاب واتهام فئة مجهولة غير مشخصة لايستطيع ان يخدع الشعوب المسلمة التي ترى امريكا تساند ابشع نظام ارهابي في العالم اي النظام الصهيوني؟ ان امريكا بهذا التحرك الاعلامي الباذخ الجنوني هي اليوم في نظر الشعوب الاسلامية مظهر الكذب والدجل والخداع.

امريكا المتكبرة والمستكبرة لم تحقق اهدافها في فلسطين وافغانستان ولم تجن مما بذلته من نفقات مادية ومعنوية هائلة ألا الخيبة والخسران، وسوف تكون كذلك في المستقبل ان شاء الله.

تدعى انها في العراق تستهدف الاطاحة بصدام والنظام البعثي العراقي انها كاذبة طبعا، هدفها الحقيقي السيطرة على الاوبك وابتلاع نفط المنطقة وتصعيد الدعم للكيان الصهيوني والتآمر عن كثب ضد ايران الاسلامية وسوريا والسعودية، لو ان امريكا سيطرت على العراق بالحرب او بدون حرب فان النتيجة الحتمية الاولى هي ان الشعب العراقي وشرف هذا الشعب التاريخي وغيرته وعرضه وثرواته ستكون اول ضحايا هذا الاحتلال العدواني. لو ان هذا الشعب والبلدان المجاورة كانت على وعي فان هذه الاهداف ايضا سوف لا تتحقق ان شاء الله تعالى.

الاستكبار يعلم ان الاسلام وتعاليمه التحررية مصدر كل ماتبديه الشعوب والحكومات الاسلامية من مقاومة، من هنا فانه بدأ بحرب نفسية واسعة ضد الاسلام والمسلمين  بعد حادثة 11 سبتمبر - التي تشير القرائن الكثيرة الى ان المتهم فيها هي الشبكات السرية الاختراقية الصهيونية - سارعوا الى وضع المسلمين والاسلام في خانة المتهمين وراحوا يكررون ذلك صباحا مساءا، جمع من المسلمين ايضا من امريكا وافغانستان ومناطق اخرى اسروهم ودفعوهم الى السجون وزنزانات التعذيب الرهيبة، لم يثبت اطلاقها اتهام هؤلاء الافراد ولم يقبض الامريكيون على المتهمين ذوي الاسماء اللامعة، لكن الحرب النفسية ضدالاسلام والمسلمين لم تتوقف ويبدو انها لن تتوقف في القريب العاجل.

ان الاسلام دين الحرية والعدالة والمطالبة بالحق، سيادة الشعب الحقيقية هي السيادة الشعبية الدينية التي يدعمها الايمان والمسؤولية الدينية، وهي كما نراها في ايران الاسلام اكثر اطمئنانا ومصداقية وشعبية من ديمقراطية امثال امريكا. الديمقراطية التي تدعيها امركيا وتريد ان تقدمها الى شعوب العالم الاسلامي والعربي لا تقل كوارثها عن رصاصهم وقنابلهم وصواريخهم.

لو اعطانا العدو تمرة واحدة فلا يمكن الثقة بأنها غير مملوءة بالسم الزعاف. الامة الاسلامية في افريقيا والشرق الاوسط وغرب اسيا قد جربت ذلك مرارا حتى في هذه السنوات الاخيرة.

ان الامة الاسلامية في مثل هذه الاوضاع الحساسة والخطيرة تحتاج اكثر من اي وقت مضى الى ان تستلهم الدروس من مدرسة الحج: حركة نهضوية هادفة وواعية ومتنوعة وجماعية في اتجاه الاهداف القرآنية وعلى صراط الاسلام المستقيم.

قال تعالى: «الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت ، فقاتلوا اولياء الشيطان ان كيد الشيطان كان ضعيفا».

وقال تعالى: «وقال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا ان الارض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين» وصدق الله العلي العظيم.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

السيد علي الحسيني الخامنئي

18/11/1381هـ - ش

5 ذي الحجة 1423هـ ق