الثوره الاسلاميه و الواقع الراهن

الاستاذ سليمان كتاني

 

     انها الذكري لثوره ما كان لها مفر من الانتصار، ألهبها و انتصر بها رجل عظيم خميني في ايران، فاذا بها تحقيق باهر و رائع، لحكم أمه واسعه العراقه و حاضره الثراء، و دفعها الي حلبه الميدان، حيث تتعزز بانسان مشتاق الي كل كرامه مشغوفه بطيبه الخلق، و اصاله النبل، و مكارم الجهاد، لتكون في الوقت ذاته انموذجا حيّاً لامم اخري، تربطها سماحات الجوار او اناقات التشابك الفكري الروحي الحياتي، بنورٍ واحدٍ مشع، و بمصير مشترك في الاحلام، و الآمال، و الأمنيات، لتكون بالنتيجه الواسعه و المتوخاه حضورا اجتماعيا انسانيا جاهزا في تأليف عمليات التقارب، و التواصل، و التماسك، و التساند، و التفاعل، من اجل تمتين خطوط الصمود بوجه كل تعد تقوم به همجيات تتثعلب في شراهاتها، و تتلعثم كلما وفدت اليك لتكلمك عن القيم المثلي، او كلما تبجحت و تباهت أمامك بالدفاع عما يسمي بحقوق الانسان.

     كل ما اشرت اليه هو التحديد السريع المقتضب لثوره جليله الفحوي و النجوي، اطلقها قائد متمكن من قوالب الحق، ليسد بها واقعا راهنا، لا يمكن ان تتقبله شرائع الاسلام. لقد اطلق عليها هذا العنوان: «الثوره الاسلاميه و الواقع الراهن».

     و ها هي الثوره الاسلاميه، تعالجها مرجعيه مسلمه في الحضور الماثل في ايران، و ها هو الواقع الراهن، يفرضه الشاه المستبد في ايران، و ها هي الدول المتحالفه تدخل ارض ايران من اجل ترجيح ميزان العدل و المساوات في ايران، و من اجل صيانه حقوق الانسان في ايران.

     و تجسّم الكذب، و البهتان، و كل همجيات الذئاب في ايران، و امتص الشاه و ما شبع كل خيرات الارض. و كل جهود الانسان في ايران، و انتقلت الي الصناديق الشاهنشاهيه كنوز الذهب، و بويضات الماس، و عناقيد اللؤلؤ و المرجان، و كل افواح اللبان، و كلها دفق من ثراء ايران. وعم الفقر، و البؤس، و الذل و كل انواع الامتهان، كل انسان في ايران؛ حتي الحجر، حتي المدر، حتي الجبال الراسيات في ايران، انت أنين الضني بين يدي امير من امراء التاج، ما طاله لا من شرف السياسه، و لا من فضائل الحكم، غير نيه سوداء، يعشش فيها خفاش الليل، و يلغ بها خنزير امدر، لا يمتلئ له بطن، و لا يكل له ناب!

     و إن تكن ايران قد انجبت قاجاريا بلهويا سلطويا، أخرس القلب و أبتر اللسان، غيّر طعم التراب في ارض فارس، و بخ دخانا اغبر في الجو الذي ساح فيه خيال فردوسي شهنامي مجنح فانها قد انجبت ايضا بالمقابل خمينيا موسويا ملقحاً بأربعه عشر قرنا، تمادي فيها كلها شعاع من نور اصيل، جمعه نبي لا يزال مرفرفا بروحه فوق الارض، جمعه من سحاب وسيع هابط من فوهه غار، جمعه، و تلفظ به، و نزله كما تنزل الذخائر المطهره في صناديق الثراء، لتكون قوتا يشبع به الانسان كلما مسه جوع الي مصدر الضياء.

     إنه القرآن سمه اذا شئت: انفس ذخيره سمه نورا بهيا سمه هدايه عليه سمه عقلا و فكرا و روحا سمه حقا و اراده و عزما سمه املا سنيا، و حلما رخيا، و وصولا نديا الي واحات و لكن من دون ان توهن سمه علما و كشفا عن مخبآت الذات، و من اروعها خبيئه عزه النفس، و هي مزروعه في الانسان، كانها دُمْلُجُهُ المصوغ من فسحات العلاء! لهذا، فانها فيه هي التي تأبي الذلّ الهابط به الي درك من هوان، و تعشق الكرامه الناهضه به الي ربيً من جنان.

     و ادرع بالله اذ ادرع بالقرآن، هذا البطل الخميني المقدس برُّه و سرُّه و جهره و نزل من هبوط الدغشه و انسراح الغسق، الي الساحه المعكوره، في يمناه سيف طيبته آيات معجزات، و فوق صدره المكشوف لوح مشقوق من دفّه القرآن.

     من حوزه مطهره بكلس ابيض، تحيط بها اكواخ تطبع نوافذها كل هبه ريح و لولا البراءه، و القناعه، و صلابه الصبر، و حراره الايمان، لكنّا نراها الآن اكواخا مهجوره، لا يعوي في هشيمها الاّ ذئب، تركته ذئبا يعوي بين احياء المدينه، سياسه السلطان!!

     من هذه الحوزه المكروبه في قم، و من بيت مسكين و ملهوف في قم، بدأت خطوات السري في ذلك الليل البهيم.

     لقد كان الإدلاج عريضا في خطوات بلا نعل، ان الذين يخطفون الدروب حفاه بين المفاوز المخنوقه، و النخاريب المكشره عن اسنان من شيطان، و الاشواك المعرشه فوق فوهات دهاليز كانها قماقمُ عفاريت، هم الابطال الذين يمتصون دماء حفائهم، و ينسجون منه نعالا لاقدامهم لا تبري، و قمصانا لصدورهم لايطالها عراء .. و هم الذين يقطعون الصحاري اليابسه، و في عيونهم كحل لا تعشش فيه نبذه من رمد، انهم العداؤون المشطورون من لجج الابعاد، و من فخامه المسافات، لا يمسهم تعب، و لا يضنيهم عناء، في عيونهم شمس، و في خطواتهم عزم، و في إراداتهم مضاء.

     إنه مهم ان نشير الي ان هذا الإدلاج المقدس، قد استحال مع نهايه الليل الطويل، الي صبح تصدرته شمس ذكيه. و لكن المهم المرتدي قميص الشوق، هو في ان نتتبعه ادلاجاً بهياً، كانه فقره من سفر الاسراء و المعراج، تتجلّي فيه عظمه العداء الكريم و المغوار، كيف غطي الخطوط كلها، بانخطافه من / قم / الي مجمل الدائره المصطفه حول / قم / الي طهران و همدان، و خراسان و أذربيجان، و كرمنشاه و كاشان، و شيراز و اصفهان

     لقد كان له و هو يخط في تجواله صدي هنا، كإنه إنذار و اعصار، يهز أذُني من يجعل التاج خوذه فوق صدغيه، .. و كان هناك: أملا، و حبا، و حنانا، يبشر المحرومين، و المستضعفين، و كل المستعبدين في ارجاء ايران، بفكاك من ظلم كانه نفل خنزير!

     لقد كان الوعد دافئا و كبيرا يحمله الصدي الي الناس، الي كل الناس الذين هم كل ايران، و الذين هم في نظر الطاغوت من طبقه المرذولين انتم الاذلاء، قال لهم الصدي، و قد خلقكم الله لتكونوا به الاعزاء و الاصفياء، فكونوا في أعين ذاتكم الكرماء، و لا تصبروا كثيرا علي الاجحاف و الضيم، و ليجمعكم أنين الروح الي صمود يخلع الظالم من عرشه الكذاب، و يرميه الي بالوعه مكره، و لم يكره الله الا الظالمين الماكرين.

     ما جاء نصف الليل حتي عمّت ايران يقظه مؤمنه بان الحق لا يزهق، و ان عزه النفس هي التي تستعيد الذات الي الصمود و التصدي، و ان الوعي و الايمان هما اللذان يبنيان الامه بالرص الكثيف الذي لا يقهر، و ان تحمل القهر و الضيم و الاستشهاد، هو وحده في حقيقه الرفض حتي الوصول.

     بعد نصف الليل بقليل، ادرك القاجاري خطوره ما ينادي به المدلج في سدمه الليل، فأمر باحتجازه في السجن حتي يخنق صداه، فانقلب السجن الي مذياع كبير، يردد ما يكبر به الامام: انت ذليل كافر يا سلطان، تمتهن كل القيم في وجود الانسان، انت لص تتنعم بالحرام، تسرق من الناس مجاهيد الناس و تبني بها قباب قصورك! يا لمجدك الفارغ! و يا لثرائك المنهوب من حشاشات المساكين المسخرين كالعبيد في موسعات حقولك!

     و انت بدورك يا اميركا، تسندين من الوراء عرشه الكذاب لقاء حصول علي سماح بالدخول الي خزائن الثروات اي خرطوم من خراطيمك الشرهه، لم يغتسل في بئر نفط!!! و اي زند من زنود رجالك النهمين لم يتسور بالذهب!!! و اي معدن في ايران من المعادن النادره، لم تمدي اليه شبكات الخناجر!!! انها لك خيرات الارض في اميركاك يا دوله الاميركان، و ليس لك ذات الحق في ارجاء ايران! ليس للانسان الشريف يا اميركا ان يتحايل و يسرق أرغفه قوته من معاجن الجيران!

     اما ايران فانها كلها، برجالها، و نسائها، و اطفالها، و مرضاها، و كل الفقراء المستضعفين، اصبحت عجينه واحده، حضرها للفرن المطهر، خمير، عفيف، صادق، نظيف يا للعجان ما أمهره! يتناول الطحين و يعجنه بمدالك الحق، فاذا هو رغيف ارغد، تنضح فيه العافيه التي هي دم الانسان، و عزه الانسان، و خلود الحياه في عروق الانسان.

     قبل ان يذوب الليل في هزيعه الاخير، زار الامام الخميني قبر الامام علي (ع)، و طبع شفتيه علي بلاطه الضريح، ثم تناول متن الجو الي بلاد الفرنسيين ستكون له من فرنسا مراقبه اصفي و انقي و اعمق لمسيره الثوره الزاحفه مظهره فوق ارض ايران التي اصبحت تنبض بالامام، اكان بعيدا عنها، ام غائصا بقدميه في تربه ارضها، و لكن الامام و قد شعر ان الثوره تأكل كثيرا من لحوم الشهداء الرافضين الا العز في حضن الجهاد، فانه جمع كل ذاته المنهوكه، و عاد حتي طرح جسمه في ساحات الجهاد.

و اشرقت الشمس الذكيه

جمع البهلوي سراويله الممزقه، تلفلف بها و هرب

جمعت اميركا خبراءها و استرجعتهم مصبوغين بدخان الاباء

و ملفلفين بتانيب تبيض به الناصيات.

بقيت اسرائيل قابعه في الزاويه التي خبأتهم فيها اصابع الاميركان

القي الامام رأسه علي مخده محشوه بنجوم أغمض عينه المقروره.

و نام تحت عين الشمس خيوط خيوط بقيت تتدلي عليه من خلف المجرات.

اما ايران بعد استراحه الامام فانها راحت الي النظام و ظل الامام يرفرف عليها باجنحه التقي، و اجنحه الحمام.

 

الوحده العدد 166