|
من
أدب الاطفال العقد
الفريد
السيد
مهدي شجاعي/
رؤيا عقيقي
المدينه
ملتهبه
بحراره ما
بعد منتصف
النهار
التي لا تطاق
.. الحراره
تنهمر من
السماء، و
النار
تتصاعد من
الارض .. قلما
يترك احد
ظلال البيت
في هذا الوقت
من النهار، و
يلوذ بحر
الشمس
الحارقه ..
المدينه
موحشه، و
نادراً ما
يري ظل عابر
علي الارض ..
مع كل هذا،
كانت
المدينه
بالنسبه
للرجل
العجوز بصيص
الامل
الوحيد .. ما
أن يضع قدمه
داخل
المدينه،
حتي يلجأ الي
ظل صغير لبيت
طيني .. يأخذ
نفساً
عميقاً
تعبيراً عن
رضاه و
اطمئنانه ..
يمسح قطرات
العرق التي
علي جبينه و
وجهه بطرف
كمه الرث، و
يتمتم مع
نفسه:
ـ شكراً لله!
هل هي
المدينه،
مدينه
الرسول .. إذا
ما لمست يدي
يد الرسول،
هانت كل هذه
المشقه .. فهو
النبي .. انه
ملاذ الناس ..
لم يقل النبي
حتي الآن
كلمه «لا»
لاحد .. لم
يدفع بيد
الرفض صدر
أحد .. يكفي أن
توصل نفسك
الي المسجد
لتضع خاتمه
لهذا التعب و
الجوع و
العري و
التشرد ..
لماذا انت
واقف اذن
ايها الرجل
العجوز؟
خطوات و تصل
المسجد ..
قبل هذا،
جاء الرجل
العجوز الي
المدينه
ايضاً، و هو
يعرف ازقتها
زقاقاً
تقريباً.
ان الذي
يؤلمه اكثر
من اي شيء
آخر، جروح
قدميه و
تقرحها .. باع
حذاءه قبل
ذلك ليشتري
بثمنه
رغيفاً؛ و
بقي يسير
حافياً في
الطرق
الطويله
الملتهبه .. ما
في اليد
حيله، كان
عليه ان يقطع
طريق
المدينه
مهما كلفه
ذلك. لذا أخذ
قطعاً من
ثوبه ربط بها
قدميه، و راح
يسير بقدمين
حافيتين،
متجرعاً ألم
الجراح و
القروح و
العناء.
ـ حسناً، ها
هو المسجد ..
لم يمر علي
وقت صلاه
العصر
الكثير؛ ففي
مثل هذا
الوقت من
النهار
ينبغي ان
يكون النبي
داخل المسجد
بالتأكيد.
يمسح بيده
علي الوجه
الذي احرقته
الشمس، و
لحيته
البيضاء
الكثه، و
يدخل المسجد.
واضح ان
صلاه العصر
قد انتهت؛
الا ان النبي
مايزال
جالساً في
المحراب
يتحدث الي
اصحابه.
ـ يا الهي! كم
هي بهيه هذه
الطلعه
المحمديه .. يا
لها من هيبه
تجلل هذا
الوجه
النبوي! .. ان
مجرد لقائه
يزيل تعب
الانسان،
فكيف به اذا
ما نهض و تفقد
احوالي انا
العجوز
الغريب ذو
الثياب
الرثه.
ما أن يري
الرسول
الوجه
المتعب
للعجوز
الغريب، حتي
ينهض من
مكانه؛ يرد
علي تحيته
بحراره؛
يحتضنه؛ و
يجلسه الي
جواره.
يصافحه
ايضاً عمار
بن ياسر، و
جابر
الانصاري، و
بلال
الحبشي، و
آخرون، و
يستقبلونه
بحراره و
يحتفون به.
لكثره ما
تجرع الرجل
العجوز من
الآلام و
المشقه،
انطلق لسانه
يبوح بما في
قلبه حتي قبل
ان يجلس في
مكانه:
ـ لا قدره
الله لاحد ان
يبتلي في
الغربه
بالعوز و قله
ذات اليد ..
فأنا في
مدينتي تاجر
محترم؛ الا
انني ابتليت
في سفري هذا
بحادث
افقدني جميع
ما املك .. أنا
جائع! حافي
القدمين رث
الثياب، لا
املك ما
يعينني علي
سفري! .. اوصلت
نفسي الي هنا
بصعوبه
كبيره، عسي
ان تنقذوني
مما أنا فيه.
النبي هو
نفسه جائع ..
الثوب الذي
يرتديه،
ثوبه الوحيد.
و في بيته
ايضاً لا
يوجد ما يمكن
ان يقضي به
حاجه الرجل
العجوز .. و
لكنه لم يعتد
ان يقول «لا»
ايضاً! لم يعد
من عنده احد
بيد خاليه. و
هذا الرجل
العجوز
ينبغي ايضاً
ان لا يعود
يائساً.
ابتسامه
النبي
العذبه، تحل
عقده حاجبي
الرجل
العجوز:
ـ أنا ايضاً
ليس عندي شيء
الآن؛ و لكن
ابعث بك الي
مكان سوف لا
تعود منه بيد
خاليه
بالتأكيد ..
بيت ابنتي
فاطمه قريب
من هنا ..
فاطمه بضعه
مني؛ يحبها
الله و رسوله.
و هي ايضاً
تحب الله و
رسوله .. انها
ترجح اراده
الله و رسوله
و رضاهما علي
ارادتها و
رضاها .. بيتها
يحفل دائماً
بالهدايه و
السعاده و
الخير و
البركه .. قم
يا اخي! اذهب
الي بيت
فاطمه تجد
حاجتك سيدلك
بلال علي بيت
فاطمه ..
ينهض
بلال و الرجل
العجوز .. بيت
فاطمه قريب
من المسجد ..
بيت فاطمه
مجاور لبيت
الرسول
تماماً .. يقف
الرجل
العجوز الي
جانب الباب،
و يلقي
التحيه بصوت
عال:
ـ السلام
عليكم يا أهل
بيت النبي.
ترد بنت
النبي
العزيزه من
داخل البيت:
ـ سلام الله
عليك و رحمته.
من انت، و ما
هي حاجتك؟
يجيب الرجل
العجوز بصوت
خافت:
ـ رجل عجوز
من العرب ..
جائع و عارٍ و
عاجز .. ذهبت
الي أبيك
العظيم،
رسول الله، و
طلبت عونه و
مساعدته،
فبعث بي اليك
..
فاطمه ليست
بالشخص الذي
يعود الفقير
من بابها
خالي اليد ..
فاطمه اسوه
التقوي و
الايثار ..
فاطمه اعز
اعزه الله و
رسوله .. و لكن
ماذا تفعل؟
ثلاثه ايام
بلياليها
ليس عندهم،
هي و زوجها و
بنوها، ما
يأكلونه ..
ثلاثه ايام
يخيم الجوع
علي بيت
فاطمه .. ثلاثه
ايام و الماء
هو الغذاء
الوحيد لهذه
الاسره .. و
لكن، لا يعني
هذ ان تتردد
فاطمه لحظه
واحده .. قطعه
من الفرش تحت
اقدام الحسن
و الحسين،
تستطيع ان
تعطيها الي
الفقير .. ليست
سجاده، و
انما فروه
خروف تستخدم
كبساط و فراش
ايضاً لنوم
الحسن و
الحسين .. تأخذ
فاطمه
الفروه و
تقدمها الي
الرجل
العجوز
معتذره اليه:
ـ آمل ان
ينعم الله
عليك بأحسن
من هذه.
بيد أن
الرجل
العجوز
يرفضها!
ـ يا بنت
النبي، ماذا
اصنع بهذه؟
انا جائع؛ و
عار ايضاً،
كما اني لا
املك مصاريف
عودتي الي
دياري.
بقيت فاطمه
مبهوته؛
تنقل نظرها
في زوايا
بيتها
الصغير
لعلها تجد
شيئاً آخر ..
فجأه تتذكر
عقداً اهدته
اياها ابنه
حمزه ـ بنت
عمها ـ .. تحل
العقد و
تقدمه الي
الرجل
العجوز:
خذ هذا و
بعه؛ اتمني
ان يعينك
الله بثمنه
علي قضاء
حاجتك.
يأخذ الرجل
العجوز
العقد .. يدعو
لها .. و يعود
الي النبي ..
يستمع النبي
الي ما حدث،
من لسان
الرجل
العجوز، و
عيناه
تفيضان
بالدمع،
فيقول له:
لاشك ستقضي
حاجتك، لان
هذا العقد
اهدته اليك
سيده نساء
العالمين.
يقترب عمار
بن ياسر من
النبي .. يبدو
انه ضجر
قليلاً
لبقائه
جالساً يرقب
ما يحدث دون
ان يتكلم ..
تقدم بنت
النبي كل ما
تملك، و هو..
كلا! لا يرضي
ان يبقي
ساكتاً
واضعاً يداً
علي يد:
ـ يا رسول
الله! أتأذن
لي بشراء هذا
العقد؟
يبتسم
النبي بين
بكائه و يقول:
ـ اجل، يا
عمار! من
يشتري هذا
العقد، لن
تمسه نار
جهنم.
يدير عمار
وجهه صوب
الرجل
العجوز: بكم
تبيع العقد؟
يرد الرجل
العجوز:
ـ بما
احتاجه من
المال. ثمن
غذاء و لباس و
اجور سفر
يوصلني الي
مدينتي .. ابيع
العقد بهذا
الثمن!
يلقي عمار
نظره حنونه
علي وجه
الرجل
العجوز
المتعب، و
يقول: اضافه
الي هذا الذي
طلبته،
سأعطيك
عشرين
ديناراً
ذهباً و مئتي
درهم فضه
ثمناً لهذا
العقد.
تبرق عينا
الرجل
العجوز من
الفرح:
ـ يا لك من
رجل جواد
كريم!
ينظر عمار
الي الارض
خجلاً و يقول:
ثمن عقد تمسه
يد بنت
النبي، اكثر
من هذا بكثير.
و لكن ليس
عندي الآن
اكثر من هذا.
يرفع الرجل
العجوز يديه
بالدعاء:
ـ إلهي! انعم
علي بنت
النبي بنعمه
لم ترها عين و
لم تسمع بها
اذن.
يأخذ عمار
الرجل
العجوز الي
بيته .. يتسلم
منه القعد، و
يعطيه ما
وعده، و
يودعه.
ثم يعطر
العقد
بالاريج و
ماء الورد، و
يلفه بقطعه
جميله من
القماش
الثمين، و
ينادي علي
غلامه «سهم!» ..
سهم، غلام
مطيع و وفي،
حصل عليه
عمار من
معركه خيبر:
ـ تعال! خذ
هذا العقد، و
اعطه الي
النبي. و من
الآن انت
ايضاً ملك
النبي.
يأخذ سهم
العقد و يأتي
به الي النبي
.. يرفع النبي
يديه
بالدعاء الي
عمار، الا
انه لم يأخذ
العقد منه:
ـ بلغ سلامي
ابنتي
فاطمه؛ و
اعطها
العقد؛ و قل
لها انك تحت
امرتها
ايضاً.
تأخذ فاطمه
الزهراء
العقد بحيره
و دهشه، و
تقول لسهم:
انت حر لوجه
الله! تستطيع
ان تذهب
اينما تشاء.
يبتسم سهم و
هو يقول: عجبت
من بركه هذا
العقد! اشبع
جائعاً،
وكسا
حافياً، و
قضي حاجه
فقير، و حرر
عبداً، و عاد
ثانيه الي
صاحبه .. حقاً
ان الخير و
البركه في
هذا البيت. |