اللغة العربية و الحضارة الاسلامية في ايران

اعداد : سيد حميدرضا مهاجراني

رابط‌ه الثقافه و العلاقات الاسلاميه المديريه العامه للشؤون الثقافيه العربيه و الافريقيه

 

نحن الايرانيين نتعلق بالحضارتين ، الحضارة الايرانية العريقة و الحضارة الاسلامية الاريجة التي رفعت في ضوءها المنارات التي تنشد نشيد الوحدة و كلمة سواء انا لا اتكلم عن هذه الحضارة من هذه الجهة بل انني اري هذه الحضارة من موضع اقوي و هو ان الرسول (ص) في احدي فتوحاته علي البيزانطيين يغذي الساراء الروميين عدة مجلدات من الكتب الفلسفية من التراث الثقافية اليونانية الكلاسيكية و هذه شهادة صادقة علي الروح الانسانية الكريمة و المتعالية التي تنظر الي العلم و المعرفة نظرة الضمأن علي الماء العذب و عين يشرب بها عباد الله .

انا في هذا المقال اقوم بدراسة الحضارة الاسلامية و اللغة العربية في ايران منذ طلوع فجر الاسلام فيها و مدي تأثر الايرانيين من هذه الحضارة الانسانية العلمية الشاملة حتي صار الايرانيون في ضوء هذه الحضارة اصحاب العلوم الاسلامية و مراجع التفكر و التطور العلمي من صدر الاسلام الي يومنا هذا و دراستي تتركز علي المحاور التالي .

1.          فقهاء من العرب و رواة الحديث يقيمون في ايران

2.         ملوك و امراء ايرانيون يروون الحديث

3.         علوم الحديث

4.        الفارسي ابوحنيفة و نهضة علم الفقه

5.        الدور الثقافي في نيشابور و خراسان

6.        وفرة الاهتمام بالادب العربي في ايران

7.           ادوار نيشابور و ري و بخاري و جرجانج و بلخ و هرات و مرو في الادب

8.            الفلسفة اليونانية

9.           بغداد و النشاط الفكري

10.      نكسه في عهد محمود الغزنوي

11.      النهضة الثقافية في رعاية السلجوقيين و الاسماعيليين

12.      عهد المغول ثم عهد التيموريين

13.      تجدد النهضة في العهد الصفوي و ظهور ملاصدرا

 

كان الفرس في القرون الاسلامية يعبرون عن علم الدين بلفظة « العلم » مجردة عن كل اضافة او تقييد و كذلك لفظة « دانشمند » ( العالم) كانوا لا يفهمون منها عند اطلاقها الا العالم بعلوم الدين و لم يكن ذلك الا لأن علم الدين كان اول علم اهتم به الايرانييون في حياتهم الاسلامية.

و كانت عادة الدولة العربية في اوائل الفتوح ان تقيم رجالاً من علمائهم في البلاد المفتوحة لتعليم الناس القرآن و تنقيههم في الدين علي يد هؤلاء المعلمين الاوائل انتشرت علوم الدين في ايران و اخذ الايرانيون يدعون اليهم لاستفادة منهم و اخذ العلم الديني عنم و ذلك اجابة لرواع لهم دينية و دنيوية فلقد كان علم اليدن يؤهلهم للقيام بأداء فرادضهم الدينية كما كان يؤهلهم للاندماج في المجتمع الجديد في ارقي طبقة منه الي طبقة العلماء المرموقين بعين الاحترام و العلم الول وسيلة استخدمها الايرانيون للمشاركة في الحكومة الاسلامية استخدموه قبل ان يستخدموا السياسة في ذلك.

و كان العلم شرعة مباحة لكل وارد و كانت الحكومة الاسلامية تحتفل بالعلم اياً ما كان و كان الفرس و اصحاب الثقافة في حضارتهم القديمة كما يشهد به التاريخ اهلاً لا يشاركوا في هذا النشاط الثقافي الذي نراه لهم في تاريخ الحضارة الاسلامية .

و لكن مؤلفي الحضارات الاسلامية من الاروبيين و غيرهم قصروا في الغالب عملهم زمانياً علي القرنين الثالث و الرابع للهجرة و مكانياً علي حضارة بغداد و مصر بسبب توفر المنابع و المصادر لهذه الموضوعات و سهولة الحصول عليها و بقي موضوع الحضارة الاسلامية في ايران موضوعاً كاد ان يكون مطروق . و في دور الفتوح الاسلامية حدث كثير من فقهاء العرب و رواة الحديث ان اقاموا في البلاد الايرانية و سكنوا بها و فيهم لفيف من الصحابة قضوا حياتهم في تلك البلاد منهم بريدة بن الخصيب الاسلمي المدفون بمرو[1] و ابوبرزة الاسلمي و الحكم بن عمرو الغفاري و عبدالله بن الخزام الاسلامي المدفون بجُوين[2] و قثم بن عباس المدفون بسمرقند و كذلك جمع غفير من التابعين فكان هؤلاء الرادون اول من قام بتعليم الناس و نشر علوم الدين في البلاد .

و بعد ان هدأت الاحوال و استقر الناس و انتشر السلام تكونت للعلم مدارس و حوافر متعددة في انحاء البلاد الاسلامية و تحتم علي طلاب العلم ان يرحلوا الي هذه المدارس المتفرقة لتلقي العلم و كان الطلبة الايرانيون في الصف الاول و قد جابوا الاقطار شرقاً و غرباً في طلب الحديث و تدوينه و قد خلفوا من انتاج مجهوداتهم تلك الآثار الخالدة العظيمة المعروقة بكتب الصحاح و قد دونت خمسة منها في ايران و كانت رواية الحديث مفخرة في ايران و زينة حتي للملوك و هناك خلف بن احمد امير و اسماعيل الساماني امير بخاري اللذان كانا يرويان الحديث تبركاً و اهتزازااً به كما ذكره الحاكم في كتابه « معرفة علوم الحديث » .

و اهتدي علماء الحديث في ايران الي استنباط اصول و قواعد و مقاييس و موازين لهذا العلم سموها علوم الحديث و درسوها في مدارسهم و دونوها في كتبهم و كان هذا الكشف خطوة هامة في تاريخ هذا العلم فقد انتقل من دور الروايه الي دور الدراية . و يعد اول كتاب ظهر في هذا العلم كتاب محمد الرامهرمزي[3] يتلوه  كتاب معرفة علوم الحديث للحاكم ابي عبدالله النيسابوري المعروف احد اقطاب علم الحديث في الاسلام و كذلك علم الفقه نهض به الامام ابوحنيفة و هو من اصل فارسي فاذخل فيه الرأي و القياس و استطاع بذلك ان يجعله علماً له اسس و قواعد كسائر العلوم .

و كذلك راجع في ايران من المذاهب الاربعةالفقهية مذهبان هي الحنفي ئو الشافعي و كان المذهب الحنفي شادع في خراسان و ماوراءها من تركستان و ماوراء النهار و اتسع نطاقه في عصر الحكومات التركية و التركمانية في ايران بفضل تعضيد هذه الحكومات له و كان السلطان محمود الغزنوي حنفياً في الفروع كرامياً في الاصول و في عصره و علي يده قويت شوكة الكراميين و اطلق سلطان يدهم في اضطهاد سائر المذاهب مما هو مذكور في التاريخ العتبي[4] و يقول ابوالفتح احد شعراء هذا العصر :

              الفقه فقه ابي حنيفة وحده  و الدين دين محمد بن كرام

و يحدثنا الكرديزي مؤلف التاريخ الفارسي القديم المسمي « زين الاخبار » عن اقدم كتاب فقهي الف في خراسان يقول :

« كان اهل خراسان و نيسابور يردون دائماً علي عبدالله بن طاهر لخصومات كانت بينهم بشأن القني و لن يكن في كتب الحديث الموجودة شيء من احكام هذا الباب فجمع عبدالله فقهاء العراق فألفوا كتاباً في هذا الموضوع و سموه كتاب الفن ليكون اصلاً يرجع اليه الحكام في هذا الباب و يصرح المؤرخ بأن الكتاب كان موجوداً في زمانه هو »[5]

و كان نيسابور اول مركز علمي هام في خراسان ظل متحفظاً بمكانته حتي زمن السلاجقة الذين اتخذوا مرو عاصمة لهم و انتقلوا بعد ذلك الي اصفهان و يروي عن الحاكم ابي عبدالله النيسابوري ان اول مدرسة بنيت في الاسلام كانت هي التي بنيت في نيسابور للامام ابي اسحاق الاسفرائيني المتوفي بسنة 418 للهجرة و تقاربها في التاريخ مدرسة اخري في نيسابور ايضاً بنيت لابن فورك و قبل بناء هذه المدرسة كانت الدروس تلقي في المساجد علي الرسم المعمول به في سائر بلاد الاسلام .

و الاخبار الواصلة الينا تعطينا صورة واضحة عما كانت عليه نيسابور في القرن الرابع الهجري . نري نيسابور في ضوء هذه الاخبار بلدة متدفقة بالحياة و النشاط زاخرة بمجالس العلم علي اختلاف انواعه من الفقه و الحديث و الكلام و الادب يتصدرها مدرسون من كبار شخصيات الاسلام يزدحم فيه الطلبة الوافدون اليها من انجاء البلاد و نري بجانب ذلك مجالس كثيرة للوعظ و التذكير تضم من زعماء و عظماء المشايخ رجالاً كقشيري و ابي‌سعيد بن ابي‌الخير و قد روي ان مجلس الفقيه ابي‌الطيب الصلعوكي قدر عدد الحضور فيه يومياً في سنة 387 للهجرة فجاور خمسمائة الطلاب و يروي السبكي في طبقاته ان مجلس احد خلفاء امام الحرمين كان يحضره في كل يوم ثلاثمائة طالب.

و كان فقهاء ايران في الغالب يسافرون بعد اكمال دراستهم الي سائر الاقطار الاسلامية للافادة و الاستفادة و خاصة الي بغداد التي كانت مقر الخلافة و مركز الحضارة الاسلامية العظيمة و هناك لفيف من فقهاء ايران اشتهروا في بغداد و تصدروا في مدارسها و نالوا اسمي المراتب العلمية في الاسلام كأبي اسحاق المروزي و سمية ابي اسحاق الشيرازي.

و كان لفقهاء خراسان طريقة خاصة في الفقه تعرف بهم و كان يقابلها الطريقة العراقية و يري ابن خلكان ان اول من جمع بين طريقتين هو علي الحسين السخي من كبار تلامذة ابي‌بكر القفال المروزي و كان القفال هذا من اكابر الفقهاء الشافعيين في خراسان و صاحب مؤلفات قيمة في الفقه و تخرج عليه خلق كثير و و يري ابن خلكان ايضاً ان اول من وضع علم الخلاف الفقيه الحنفي ابوزيد عبدالله الدبوسي كان يقيم ببخاري و توفي في هناك سنة اربعمئة و ثلاثين.

و يقول المقدسي و قد زار خراسان في القرن الرابع :

          « ان علماء خراسان كانوا يلبسون الطيلسان و كانوا يظهرون متطلسين متحنكين »

و يخبرنا السبكي عن مركز علماء الدين في خراسان في حكاية يرويها في كتابه قائلاً :

 «دخل اهل علماء الزهاد خراسان فخرج اهلها بنسائهم و اولادهم يسمحون اردانه و يأخذون تراب نعليه و يستشفون به و كان يخرج من كل بلد اصحاب البضائع بضائعهم و ينشرونها ما بين حلوي و فاكهة و ثياب و فراء و غير ذلك و هو ينهاهم حتي وصلوا الي الاساكفة فجعلوا ينشرون المتاعات و هي تقع علي رؤوس الناس و خرج اليه صوفيات البلد بمسابحهن و القينها اليه و كان قصدهن ان يلمسها فتحصل البركة فكان يتبرك بهن و يقصد في حقهن ما قصدن في حقه.[6]»

و في ترجمة امام الحرمين الفقيه النيسابوري الكبير في القرن الخامس ( و قد ترجم له ابن خلكان و غيره ) يجد الباحث صورة مختصرة الا انها حافلة عن الحياة العلمية في خراسان حينذاك (و لست بصدد ذكر هذه الترجمة هنا خشية الاطناب )

و قد ورد فيها ذكر مدرستين كانت اذ ذاك في نيسابور و هي البيهقية و النظامية يظهر انهما كانت من نوع المدرسة النظامية ببغداد و كانت فيهما مساكن للطلبة و لهما اوقاف تنفق عليهما .

و قد كان لدراسة اللغة العربية و ادبها شأن عظيم في ايران  منذ العصور الاولي للاسلام لكونها لغة الدين و لغة الدولة . و كانت اللغة العربية تدرس في مختلف الدرجات الدرس من الكتاب الي المدارس العليا و كان يهتم بها طلبة علوم الدين المرشحون للمناصب الحكومية من الكتاب و العمال و كان الكتاب في الغالب علي جانب كبير من الثقافة الادبية العربية بمقتضي مهنتهم .

و كان لدراسة الادب العربي مركزان هامان في ايران و هما نيسابور و ري و كانت الري مقر آل بويه و وزرائهم الشهود لهم بالبراعة في الادب العربي و قد نشأ في عصر الصاحب بن عباد المعروف بولائه للعرب و الادب العربي . جمع كبير من الشعراء عقد لهم الثعالبي فضلاً خاصاً في يتيمته . و كذلك نيسابور نجبت كثيراً من الشعراء و الادباء ربما يفوق عددهم شعراء الري و ادبائهم و فيهم الهمداني و لم يكن انتاج الادب في نيسابور مقصوراً علي اهل البلد فقد كان للقري التابعة لهم ادبائها و شعرائها ممن ذكرهم الثعالبي في كتابه يتيمة و التتمة و يقول ابن فندق البيهقي : في كتابه تاريخ بيهقي معتزاً بأدباء بلده :  لكل بلد شيء تنفرد به و تنفرد بيهق بأدباءها و من الملوحظ ان كثيراً من الكتاب و العمال في العصرين السلجوقي و الغزنوي الذين ورد ذكرهم في التاريخ كانوا في الواقع من اهل بيهق و من متخرجي مدرسة نيسابور و توابعها و عاش في نيسابور رجال من ذوي البيوت و الشرف يعنون بتشجيع الادب العربي منهم بنوميكال و كانوا ينتمون الي ملوك ايران القدامي و تقلدوا في العصور الاسلامية الاولي مناصب عالية في الحكومة و كانت لهم مآثر في تشجيع الادب و اصطناع الادباء مما نجد صداه مردداً في التاريخ و بخاصة في كتب الثعالبي فقد كان ربيب نعمتهم و غرس دولتهم و هناك بلاد اخري في خراسان و ماوراء النهر اضطلعت بجانب كبير من نشر الثقافة الاسلامية منها بخاري عاصمة السامانيين و كركانج عاصمة خوارزم و بلخ و هراة و مرو هذه كانت في زمن الساسانيين عاصمة خراسان .

يقول طيغور مؤلف كتاب بغداد ان كتب الملك يزدجرد كانت مودعة في مكتبه بمرو و اتخذ السلاجقة مرو عاصمة ملكهم مدة من الزمان و بلغت الحضار فيها كل مبلغ و قد زارها ياقوت في تلك الآونة فأحبها لكثرة المكتبات و المعاهد الثقافية التي كانت بها و اقام فيها و اضطر للخروج منها عند مهاجمة المغول مرغماً متأسفاً و قد وصف ياقوت مكتباتها قائلاً :

    «فارقتها و فيها عشر خزائن للوقف لم ار في الدنيا مثلها كثرة وجودة »[7]

ثم يأخذ في تعدادها و يذكر مكتبة كانت تسمي بالعزيزية تحتوي ما يقرب من اثني‌عشر الف مجلداً و يقول :

«كانت سهلة التناول لا يفارق منزلي منها مائتا مجلد و اكثر بغيره رهن و كنت» «ارتع فيها و اقتبس من فوائدها و اكثر فوائد هذا الكتاب يريد معجم البلدان و» «غيره مما جمعته من تلك الخزائن .[8]»

و كان في مرو جامعة للشافعية و آخر للحنفية و عاش في هذا البلد كثير من علماء الدين اشهرهم القفال الذكور قبل هذا و احمد بن حنبل و اسحق بن راهويه المحدث كان اصلها من مرو.

و كانت في بخاري عاصمة السامانيين مكتبة ملكية هامة ورد ذكرها في اخبار ابن سينا و من الجدير بالملاحظة ان ابن سينا حصل علومه و معارفه كلها في بخاري وحدها و منها اخذ هذه الثروة الفلسفية العظيمة التي توارثها عند الناس طيلة القرون الوسطي باجمعها و هذا يعطينا فكرة عمل كانت عليه بخاري من الحالة الثقافية آن ذاك.

و مما يلفت النظر بوجه خاص في تاريخ الثقافة الايرانية نزوعهم الي الفلسفة و عنايتهم بدراستها . عرفوا الفلسفة اليونانية و اتصلوا بها قبل الاسلام و كانت لهم كتب في الفلسفة باللغة الفهلوية يذكرها التاريخ و لا ندري هل كانت هي مترجمة عن اليونانية رأساً او عن السريانية كما حدث في الترجمات الفلسفية في عهد الاسلام و هناك كانت المنطق المنسوب الي عبدالله بن المقفع و هو مترجم من الفهلوية الي العربية كما نص عليها صاحب الفهرس . [9]

نري من ذلك ان دراسة الفلسفة كانت متأصلة في ايران قبل الاسلام و في العصر العباسي عندما توجه المسلمون الي الفلسفة اليونانية و نقلها كان الايرانيين في جملة القائمين بهذا الامر و كان طلبتهم يفرون من ايران الي بغداد لاكمال دراستهم و قد نبغ منهم كثيرون في مدارس بغداد كأبي معشر البلخي و ابي نصر الفارابي و بني موسي الخوارزمي.

و لم يطل دور ازدهار الفلسفة في بغداد بسبب الاضطهاد الذي قام به المعارضون للفلسفة و لكنها ظلت في ايران تعيش في كنف هذه الرعاية التي كان الايرانيون يبذلونها لها و هناك فلاسفة من العصر الساماني ورد ذكرهم في كتاب الفهرس لابن النديم كالشهيد البلخي و محمد بن زكريا الرازي .

و ليس عندنا من المؤلفات الفلسفية لهذة الطبقة شيء سوي بعض الكتب للرازي .

و انتابت الفلسفة في زمن محمود الغزنوي ازمة خطرة اوشكت ان تقضي علي حياتها و قام المحمود باضطهاد الفلسفة و الفلاسفة في انحاء المملكة و جدّ في تعقبهم و ابادتهم و كان ذلك متمماً لسياسته في تعقيب القرامطة و امتد  نطاق الاضطهاد في الخراسان الي الري عندنا تغلب عليها محمود و شنق بامره في يوم واحد مائتان منهم بتهمة الاعتزال و سوء المذهب كما ورد ذكره في شعر الفرخي[10].

و لا ننسي ان ملوك آل بويه كانوا من المهتمين بالعلوم العقلية و كان بلادهم مقصداً للمشتغلين بهذه الدراسات و قد اوي اليهم ابن سينا بعد فراره من سطوة محمد و عندهم وجد الراحة و الفرصة لتأليف كثير من مؤلفاته القيمة الموجودة الان . و قد ذكر المقدسي ان عضد الدولة كانت له مكتبة في بغداد لم يبق كتاب الي وقته من انواع العلوم لا حصيلة فيها و يذكر ابوعلي ابن مسكوية ان مكتبة حبشي بن معزالدولة في بغداد كانت تحتوي علي خمسة عشر الف مجلد .

و قد كان في وزراء الديلسين و رجال حاشيتهم كثير من هواة العلم و الفلسفة منهم ابوعلي بن سوار كاتب عضد الدولة الذي انشأ في رامهرمز مكتبة و كذلك في بصرة مكتبة و مدرسة للمعتزلة و منهم ايضاً ابونصر شابور بن اردشير الذي انشأ في كرخ بغداد مكتبة فاخرة ورد ذكرها في كتاب المنتظم لابن الجوزي و في رسائل ابي‌العلاء و كانت تحتوي علي ما يجاوز عشرة آلاف مجلد فيها كثير من المخطوطات الثمينة و المصاحف المكتوبة بأيدي احسن النساخ.

و كان ابن العميد وزير آل بوية في الري صاحب مقدرة عظيمة في الفلسفة و في علوم الاوائل مضافاً الي ذلك براعته في الادب و الانشاء مما هو معروف به و كان له مكتبة فيها كل علم و كل نوع من انواع الحكم و الآداب تحمل علي مئة وقر كما ذكره ابن مسكوية خازن مكتبته.

و يذكر ياقوت عن الصاحب بن عباد ان نوح بن منصور الساماني استدعاه ليوليه وزارته فكان مما اعتذر به انه لا يستطيع حمل امواله و ان عنده من كتب العلم خاصة ما يحمل علي اربعمئة جمل او اكثر و كان فهرس كتبه يقع في عشرة مجلدات و لما ورد السلطان محمود المري استخرج من بيت الصاحب كل ما كان في علم الكلام و امر باحراقه . و ضرب علي يد محمود مركز علمي هام آخر كان يعد من اجل المراكز العلمية الايرانية و ارقاها و هو كركانج عاصمة خوارزم . كان الخوارزم منذ قديم الزمن حضارة راقية و كان للملوك ال مأمون الذين حكموا خوارزم في العصور الاسلامية الاولي نسب عريق و تاريخ قديم و ظهر فهم في القرنين الثالث و الرابع للهجرة رجال شجعوا الادب و العلم كما يسجله التاريخ لهم . و قد انجبت خوارزم شخصيتين من اعظم الشخصيات العلمية في الاسلام همه زمخشري في العلوم النقلية و ابوريحان البيروني استاذ العلوم العقلية و اول من ادخل منهج المقارنة في العلم.

و قد ورد ذكر جماعة من علماء  خوارزم و فلاسفتها في كتب تراجم الحكماء ككتاب القفطي و صواب الحكمة و في اخبار ابي‌علي ابن سينا و في غيرهما مما لا يتسع المجال للافاضة فيه.

و منذ اواسط عصر السلجوقيين نشطت الدراسات العقلية في خراسان و خوارزم مرة اخري و كان للسلاجقة و ملوك الخوارزم الاتراك عناية بعلم الفلك و الطب و قام في هذا العصر العالم الرياضي الكبير عمر خيام فبني لهم الزيج المعروف بالزيج الملكشاهي و قد ادخل اصلاحاً جديداً في التقويم الفارسي هو الاصلاح المعروف عند الايرانيين بالتقويم الجلالي و الخيام مطالعات و تحقيقات في علم الجبر معروفة عند الرياضيين .

و كان في عصر السلاجقة ايضاً السيد اسماعيل الجرجاني و هو مؤلف كتب هامة في الطب معروفة بأسمه و من النابغيين في هذه العصور الامام فخرالدين بن الخطيب المعروف بالفخر الرازي و كان علماً في العلوم الدينية و الفلسفية يفر اليه الطلاب من انحاء البلاد الاسلامية و قد خلف مؤلفات هامة في فنون شتي من العلم كالفقه و التفسير و الكلام و الفلسفة تنم عن قريحة جبارة في النقد قلما يدانيه فيها احد و من مفاخر هذا العصر الامام الغزالي الذي يعد من اكبر المفكرين الاسلاميين علي الطلاق و مؤلفاته صورة كاملة للحالة العلمية الموجودة حينذاك في ايران.

و كانت النهضة الاسماعيلية في قمة نشاطها في ذلك العصر و كانت لها مشاركة تامة في دراسة الفلسفة و النهوض بها للاستفادة منها في تقرير اصولهم و اثبات دعاويهم و قد اسس لهم في قلعة « الموت[11] » في جبال قزوين مكتبة عظيمة بادت علي ايدي المغول نري لها وصفاً في كتاب « جهانگشاي» لعطا الملك المؤرخ المعاصر للواقعة الذي قام بأبادة المكتبة بأمر الامير المغولي و كان يعيش في رعاية الاسماعيلين رجل يعد من اكبر المشتغلين بالعلوم العقلية بعد ابن سينا و هو نصيرالدين الطوسي صاحب المؤلفات القيمة المعروفة باسمه و قد قدر لهذا الرجل العظيم بأن يقوم بانقاذ التراث الاسلامي من ايدي المغول فقد التحق بخدمة امراء المغول في ايران و عراق و اختص بهم و صار موضع اعتمادهم و فوض اليه امر اوقاف البلاد و فقام بضبطها و صرفها علي اقامة المدارس و المعاهد العلمية و جمع شمل العلماء و الحكماء و تعاون معهم في اقامة رصد كبير في مراغة بآذربيجان و مكتبة بجانبه يقال انها تحتوي اربعمئة الف من المجلدات . و لقد كان حملة المغول كارثة علي ايران فادحة و لكن بعد ما هدأت الاحوال اخذت الحركة العلمية نشاطها و قام الوزراء الايرانيون بتنشيط العلماء و اهل العلم و جمع شملهم فحصل من ذلك انتاج علمي شامل و قوي من ناحية الكمية و ان كان ضعيفاً من الناحية الكيفية . و قد صار العلم في هذه الفترة عبارة عن متون معدودة و اصول محدودة و كان العلماء يقصرون انفسهم علي شرحها و تلخيصها و التعليق عليها و تكريرها و مناقشة الفاظها و راج في عصر