الاسرة المنكوبة

كوثر نوري

ليكن اسمها.. شقاء.. عناء.. بلاء... لان مثل هذه الاسماء ينسجم مع اوضاعها المأساوية المريرة.. فهي في قمة الشدة والمعاناة والبؤس... أما ان يكون اسمها «هناء» فهذا مالا تفهمه هذه الفتاة المسكينة التي تعاني من حياة قاسية غير هانئة أبداً.

لقد اضطر الآب ان يبيع أثاثة وأثاث والدته الطاعنة وحاجاتهما الضرورية ليحصل على مبالغ لعلاج ابنته السقيمة «هناء» التي قاومت المرض واستطاعت ان تقف على رجليها مرة اخرى وهي ترى كل ذلك حدث امام عينيها، ولكنها تعجز عن فعل أي شيء ، فقد اصبحت تخشى من ابيها الذي امسى عصبيا جدا ، كل ما تستطيع فعل هو الجلوس امام تلك الغرفة المغلقة،تدعو الله ان يهدي والديها ويمن عليهما بالشفاء فقد اصبحا هيكلين عظميين من شدة الضعف، وجهما شاحبان والسواد يحيط بعينيهما، اظافرهما طويلة وثيابهما متسخة، فالادمان ينخر جسديهما شيئا فشيئا دون ان يستطيعا التخلي عنه ولو ليوم واحد.

اما الجدة المسكينة التي استعادت وعيها بعد ما اصيبت بجلطة في المخ، فقد احست بانها في مكان آخر وليس في بيتها، وتذكرت ما حدث لها، كيف تشاجرت مع ابنها ثم كيف تم طرها من البيت، فاغرورقت عيناها بالدموع وأرادت ان تمسح دموعها بيدها فلم تستطع فقد احست بان جانبها لايمن الا يتحرك ، فحاولت مرة اخرى فلم تفلح فصرخت صرخة سمعتها الممرضة، فجاءت مسرعة، وقالت:

مابك يا ام احمد؟

قالت الجدة شاكية:

- يدي ، انها لاتتحرك، ان نصفي الايمن لا استطيع تحريكه أبدا، فأقتربت منها الممرضة ومسحت دموعها، ثم اخبرت ابنتها «رجاء» بأن والدتها اصيبت بشلل نصفي، وهي بحاجة الى علاج طبيعي مكثف، مما زاد الجدة المتألمة ابتلاء ، فاصبحت لا تملك بيتا ولا صحة، ويعود هذا كله الى سوء تربيتها لآبنائها ، فلو أنها عملت على تربية ولدها تربية سليمةلما حدثت لها كل هذه المصائب، لكنها لم تجتهد في تربيته وكانت تعطيه المال الكثير وتحسب انها تحسن صنعا، وكانت النتيجة ابنا مدللا، ليس بامكانه تحمل المسؤولية، ولا يحترم احدا حتى امه التي هي اقرب الناس اليه. وبعد أيام قليلة خرجت الجدة من المستشفى واصطحبتها ابنتها «رجاء» الى شقتها، وهناك وضعتها في غرفة صغيرة ووضعت الى جانبها كرسيها المتحرك.

وفي احد الايام ، كانت الجدة تهم بالخروج من غرفتها بالكرسي المتحرك، فسمعت حوارا يدور بين ابنتها وزوجها - كان الز وج يقول بانفعال: -

- الى متى ستمكث والدتك عندنا؟

قالت الابنة في تألم: لا اعلم ، ربما تطول اقامتها.

قال الزوج «خليل» بلهجة حادة: -

- لقد علمت بما حدث بين امك وأخيك ، ولن ارضى بأن تظل عندنا مدى الحياة، فأنا  - كما تعلمين - فقير وحالتي المادية لا تسمح بأن اصرف مالا فوق طاقتي، ومصاريف امك تزداد يوما بعد آخر ، كما انني احتاج الغرفة لآطفالي، فأنا صاحب اطفال وهذا لا اتصوره يغيب عن بالك.

رمقت «رجاء» زوجها البخيل الذي بدأ صوته يعلو شيئا فشيئا، وقالت له بعصبية:

- لم اكن اعلم بانك حريص وجشع الى هذه الدرجة يا أناني!!.

واذا بالام تدخل والدموع تترقرق في عينيها، وهي تقول:

- كفى... لقد سمعت كل شيء ، كفاني ما سمعت، خذيني يا «رجاء» الى بيت اختك الثانية «رحاب» فسأعيش عندها الى ان يقضي الله أمرا كان مفعولا.

وانتقلت الجدة الى بيت «رحاب» ، وحدث لها مثلما حدث مع «رجاء» وكذلك الاخت الثالثة «وفاء» ، الى ان وجدت نفسها في دار الرعاية الاجتماعية او ما يسمى بدار العجزة ، وعندما علم ابنها «احمد» بذلك ، لم يهتم لها ولم تجش بداخله عاطفة البنوة، فمن اين تأتي العاطفة؟ لقد نسي تماما انه انسان في قلبه شعور واحساس، فكل ما يعنيه هو المخدرات فقط لا شيء غيرها - وقد اصبح ابناؤه مشردين، اذ كانت الجدة في السابق ترعاهم والان ليس لهم احد.

واصبح الابن مراهقا يقضى معظم اوقاته خارج البيت، تعلم التدخين قدوة بأبيه ، وقد يتعاطى مثله المخدرات أسوة به في كل شيء.

تحملت «هناء» كل هذه الهموم، فهي وحدها تتكبد التعب والآلم على حال والديها وأخيها الذي اعتاد السرقة من بيوت الجيران، فكم مرة يتم القبض عليه، ولكن الجيران يتنازلون عن حقوقهم عندما تترجاهم «رجاء» ان يسامحوا اخاها، فيفعلوا ذلك حبا لها، فالكل يحب «هناء» ويشفق عليها، ومنهم من يعطف عليها فيقدم لها المساعدة، فالبيت يكاد يخلو من الطعام وليس لديهم ما ينفقون، فالاب لاينفق ماله الا على المخدرات، فهو يتسلم الراتب ليصرفه في يومين على المخدرات ، ثم يعود يغلق عليه باب غرفته ولا يخرج منها.

قالت «هناء» بعيون مترقرقة:

- لقد وصلت حالتنا المزرية الى حد أن اعطتنا عمتي مبلغا من المال لنشتري به طعاما ودواء لي فقد كنت مريضة جدا، وذلك عندما قامت بزيارتنا ورأت حالنا فعطفت علينا واعطتنا ذلك المبلغ ، ففرح الوالد فرحا شديدا وأخذ المبلغ واصطحبني الى الصيدلية لشراء دواء لي ثم ليبتاع طعاما لنا من احدى المحلات، ولكن حدث مالم يكن في الحسبان ، فقد اتصل به احد تجار المخدرات وعرض عليه مواد مخدرة، وكان ابي يرجوه أن يعطيه جرعة مجانية ولكن بلا فائدة ، وقال له:

اذا لم تدفع فسيدفع غيرك، فغير أبي طريقه متجها اليه، وانا اقول له: ابي انني مريضة جدا وبحاجة الى الدواء وهو لايرد علي، فاشترى المواد ورفع النقود التي يفرض ان تكون مخصصة لدوائي والطعام الذي نحن بحاجة ماسة اليه، وعندما علمت عمتي بذلك صرخت في وجهه مؤنبة:

- والله لن اعطيك مالا ابدا.

كانت «هناء» محبوبة في المدرسة ايضا، وكانت مدرساتها يعلمن ظر وفها جيدا ، فقد كانت تشكو لهن حالها وتبكي دائما عندما تسأل عن والديها، وكانت مدرساتها يشاركنها البكاء ويقمن باعطائها الهدايا والمساعدات ويوفرن لها المستلزمات الدراسية.

مرت سنة على هذه الحال، وفي ليلة معطرة من ليالي الشتاء الباردة، سمعت «هناء» بعض الاصوات في البيت، فخرجت من غرفتها لترى من في البيت، فرمقت اثنين من رفاق ابيها يضحكان معه فجلسا قليلا ثم غادرا المنزل ، ودخل ابوها مسرعا الى الغرفة، وقالت في نفسها:

- أنا متأكدة ان ابي حصل على المخدرات، فأنا اعلم جيدا كيف يتصرف عندما يحصل عليها، كما اعلم كيف يكون حاله عندما لايحصل عليها.

وفي كل مرة يحصل والداها على المخدرات يتحول المنزل على ساحة معركة، يتصل الاب باصدقائه فيتشاجر معهم او يدعوهم الى مشاركته في التعاطي ، ثم تحدث المشاجرات بينهم،  الى ان تنفد الكمية فيعود الجميع الى سباتهم المعهود.

فاسندت المسكينة ظهرها الى الحائط من شدة التعب، وغالبها النعاس وهي تسمع قهقهة والديها تنبعث من الغرفة، فاطمأنت ونامت ، لكن فجأة سمعت صرخة مدوية تصدر من غرفة والديها، ففزعت وقامت مذعورة من نومها وتساءلت :

- ما هذا الصوت؟ ماذا حدث يا ترى؟

خرجت ام «هناء» من الغرفة وهي تضرب على وجهها وتركض نحو الهاتف والدماء تغطي ثوبها، فرفعت السماعة واتصلت بأحدهم وهي تصرخ:

- ادركني لقد مات زوجي.. وسقطت من يدها السماعة.

ولم تصدق «هناء» ما تسمع فأرادت أن تدخل الغرفة لترى أباها، فمنعتها امها من ذلك وادخلتها غرفتها واغلقت الباب.

بعد نحو ساعة، امتلآ البيت برجال الاسعاف الذين حملوا جثة «احمد» وهم يسألون الزوجة عن كيفية حدوث الوفاة ، وهي تقول لهم مدهوشة:

- لا اعلم.. لقد كنت اتحدث معه وفجأة سقط في حضني مغشيا عليه ، وبدأ ينزف من أنفه وفمه بغزارة، ومات بين يدي ولم استطع انقاذه ، فكل شيء حدث بسرعة..

ومر الوقت سريعا ودفن «احمد» في اليوم التالي ولم  يمش في جنازته احد، ولم يكن هناك عزاء ، فالكل قد تبرأ منه بسبب افعاله الشنيعة مع الجميع.

أما زوجته «منال» فقد عانت الكثير من الألام المبرحة، وكانت تتلوى من شدة الآلم ، وتارة تجلس في الصالة وفي غرفتها تارة اخرى ، واصبحت لاتقوى على المشي، وبقيت على هذه الحال اياما، وفي كل يوم تتحسن حالها وكانت «هناء» تشجعها لتجتاز هذه الوحدة.

وبدأت «منال» تصلي وأحست بانها نسيت المخدرات تماما، اذ كان «احمد» هو الوحيد الذي يزودها بها، وهي لا تعرف احدا غيره يعطيها تلك الجرعات المميتة.

تغيرت «منال» فأصبحت طيبة جدا مع ابنتها «هناء» ومع اخيها الذي تغير هو ايضا.

وفي يوم من الايام، سألت الآم ابنتها «هناء» عن جدتها فاجابتها:

- ان جدتي مسكينة، اصيبت بالشلل وادخلت دار الرعاية وكل ذلك بسبب والدي وبسببك يا امي، فقد كنت تسكتين عنه وعن افعاله.

فنظرت «منال» الى ابنتها «هناء» وقالت:

- هيا بنا يا ابنتي، سنذهب لاحضار جدتك الى البيت.

وكادت «هناء»‌تطير من الفرح، وذهبت مسرعة الى اخيها تبشره بذلك وفرح هو ايضا فرحا شديدا، وركبوا السيارة واتجهوا الى دار الرعاية، وهناك وجدوا جدتها على كرسيها المتحرك وقد بدا عليها كبر السن، وما ان رأتهم حتى كادت ان تقف على قدميها لتحتضنهم وهي تقول :

- اشتقت اليكم يا أبنائي ، ثم رفعت بصرها لتنظر الى «منال» بعين باكية ملؤها الحزن وقالت:

- كيف حالك يا ابنتي ، عظم الله أجرك في زوجك، سامحه الله فأخذت «منال» تقبل رأسها ويديها وهي تقول بعين مترقرقة:

- سامحيني يا امي، انه ابنك من فعل كل هذا ، سامحه الله، تعالي معنا لنبدأ صفحة جديدة ملؤها المحبة.

وعاد الجميع الى البيت الذي اصبح من اكثر البيوت سعادة ورجعت الابتسامة الى الجميع وانتهت معاناة هذه الاسرة المنكوبة وخاصة ابنتها «هناء».