حكايه من التراث

الظبيه و حظيره الحمير

رؤيا عقيقي

 

     كان يا ماكان في سالف الأزمان، في احد الايام اصطاد صياد ظبيه في البراري. و لما عاد في السماء الي منزله لم يجد فيه ما يأكله. ففكر في ذبح الظبيه و شيها، الا ان قلبه لم يكن يطيق ذلك.. حمل الظبيه و خرج؛ فرأي جماعه واقفه في بدايه الزقاق.. اقترب منهم و قال:

     - «ابيع الظبيه. من يشتري؟».

     سألوه:

     - «بكم؟»

     قال:

     - ثمنها خمسون ديناراً، و لكن لكوني محتاجاً ابيعها بعشره دنانير..

     لما رأوا حاجه الصياد، قال احدهم:

     - «اشتريها بدينارين».

     و قال آخر:

     - «بثلاثه دنانير..».

     و قال ثالث:

     - «باربعه دنانير».

     ورد احدهم، و كان من الحماره صاحب حمير- و عنده مال كثير، بقوله:

     - «انا اشتريها بخمسه دنانير. فلن تجد أحداً في هذا الوقت المتأخر من الليل يشتريها بأكثر من هذا.. ظبيه هزيله كم فيها من اللحم؟».

     فأجاب الصياد:

     - «لا يشترون الظبيه للحمها، الظبيه ظبيه و ليست ظأنا».

     قال الحمار:

     - «علي أيه حال، بامكانك ان تكسب مني خمسه دنانير».

     اشتري الظبيه، و اخذها الي منزله و وضعها في حظيره الحمير.

     دخلت الظبيه الحظيره فرأته مكانا موحشا .. عددا من الحمير و معالف مليء بعضها بالتبن، و حوض ماء تغطيه الاوساخ، و رائحه الرطوبه و الروث تزكم الانوف، و هواء فاسداً، و جدراناً لا نوافذ فيها.

     بينما كانت الظبيه تفكر فيما ستفعله، رأتها الحمير و راحت تنظر الي بعضها و تبتسم. سألها احد الحمير:

     - «من انت يا تري؟»

     قالت الظبيه:

     - «انا ايضاً من مخلوقات الله. يسمونني ظبيه. كنت اعيش في البراري؛ أمسك بي احد الصيادين و باعني الي صاحبكم الذي جاء بي الي هذا المكان».

     قالت الحمير:

     - «حسناً، مهما تكونين؛ تفضلي هنا، انه مكان جميل؛ انظري الي الحوض المليء بالمالء، و الي المعالف المليئه بالتبن.. انك ضيفتنا، تعالي و كلي ما تشائين، و استريحي في اي مكان يعجبك؛ و لكن احترسي ان تطأك اقدامنا».

     قالت الظبيه:

     - «شكراً لكم.. انا آكل هذا التبن و لا اشرب هذا الماء.. اهتموا انتم بحالكم؛ و أنا سأبقي في هذه الزوايه».

     كانت الحمير منشغله بالاكل، تتنقل من معلق الي آخر، يداعب احدهم الآخر؛ و تتراكض و تحدث ضجه و تثير غباراً. و كانت الظبيه تتفر خائفه من زاويه الي اخري، مارقه من بين اقدامهم.. و كادت تختنق من الخوف و الاذي و الغبار و الهواء الفاسد و رائحه الحظيره.

     الحمير ايضاً كانت احياناً تنظر اليها و يغمر بعضها لبعض و تقهقه، و كانت تغمغم فيما بينها: «انظروا الي هذا الظبيه، انها كائن عجيب.. كأن سيقانها قضب البردي، دقيقه طويله.. انظروا الي قرنها، الي عينيها؛ ليس فيها ما يشبه الانسان. لا تأكل شيئاً، و لا تنطق، تهرب منا و تخشانا. تتصور اننا كائنات مفترسه» و تستغرق في الضحك.

     قال احد الحمير، و كان نجيباً:

     - «انها ليست من جنسنا، و هي هنا تشعر بالغربه؛ و لكونها طفله و ضعيفه فربما تخاف منا. علينا ان لا نؤذيها. علي ايه حال هي ضيفتنا، و ينبغي ان نكون هادئين و ان لا نعمل عملاً يخيفها اكثر». فاقتنع الجميع و هدأ..

     ثم التفت الحمار النجيب الي الظبيه و قال:

     - «تعالي ايتها الطفله العزيزه.. تعالي عندي؛ كلي من معلفي. انظري: انه تبن جيد، اصفر مثل الزعفران. كثير كأوراق الشجر. حلو كقشره البطيخ، لا تخافي. ليس لاحد شأن بك. تعالي و تناولي طعامك».

     قالت الظبيه:

     - «اشكرك علي لطفك. و لكن انا لا آكل التبن.. انا لست طفله. انا ظريفه بطبيعتي، و انا كامله النمو، و لو لم اكن ظبيه لكنت ابدو في نظركم امرأه عجوزاً».

     ضحك الحمير جميعاً، ثم قال احدهم:

     - «حسناً، انت لست طفله، انك امرأه عجوز.. ايتها العجوز تعالي و كلي التبن» و ضحكك الجميع.

     قالت الظبيه:

     - «لا اريد شيئاً. التبن جيد بالنسبه لكم، لانكم اعتدتم عليه. اسناي لا تقضم التبن. ارجوكم ان تتركوني لحالي».

     قال احد الحمير:

     - «آها، فهمت. هذه العجوز ليست لها اسنان، مسكينه. حسناً، ماذا كنت تأكلين اذن في البراري؟ هل كنت تأكلين هواء؟ ام ان احداً كان يعد لك الحساء؟» و ضحك الجميع.

     قالت الظبيه:

     - «ارجوكم ان لا تشاكسوني. انكم لا تعلمون انني اختنق.. ان مكاني ليس في حظيره الحمير.. لا اقصد التوهين، و لكن الحمار حمار، و الظبيه ظبيه. كل واحد منا مخلوق بصوره ما. انني اعيش في الوديان و البراري و آكل الحشائش و الاعشاب. فهذا ليس ذنبي».

     قال احد الحمير:

     - «به، به. انظروا كيف تستغل تسامحنا فتتحدث بمثل هذا الكلمات: انها تختنق.. و ديان و براري و حشائش و اعشاب.. الظبيه ليست كالحمار.. التعيسه البائسه لا ترتضي كل هذا التبن و تطالبنا باعشاب خضراء.. اصلاً ما الذي يميزك عن الحمير؟ اتركوها تموت من الجوع».

     قالت الظبيه:

     - «هذا ما اطلبه اليكم. اتركوني و شأني. لا تحرقوا قلبي اكثر مما أنا فيه».

     كان الألم و الحزن يعتصران قلب الظبيه، و لا تدري ماذا تفعل. اغرورقت عيناها بالدموع، و هي تغمغم مع نفسها: «ليت الصياد القي بي في الجب و لم يرسلني الي هذه الحظيره. فهناك افضل لي من العيش بين هؤلاء الذين لا يفهمون منطقي و من غير جنسي».

     عندما رأي الحمار النجيب دموع الظبيه، رق قلبه و اقترب منها و قال:

     -«انظري عزيزتي؛ لا تبكي. البكاء لا يجدي نفعاً. كذلك الامتعاض و الغضب و التسليم للاحزان ليس من ورائه فائده ايضاً. لقد قالوا قديماً: اضحك للدنيا تضحك لك. فأنت تريننا نضحك و نلهو، لانه ما في اليد حيله. نحن مثلك ايضاً قلوبنا داميه من هذه الحياه، و لكن ما العمل؟ الآن و قد حصل لك ما حصل، و جاءوا بك الي هذه الخطيره، حاولي ان تخففي من حزنك، تكلمي و اضحكي و امرحي كما يفعل الآخرون. تقولين الخطيره سيئه، و لكن عليك ان تكيفي نفسك كما فعلنا نحن.. نحن ايضاً نتمني كثيراً ان نعيش في المراعي و نأكل الحشائش و العشب الاخضر، و لكن ليس امامنا سبيل آخر فلا يعني هذا ان نقتل انفسنا.. صدقيني ان هذا التبن احياناً يكون الذ و اطيب.. انت ايضاً لو تأكلين التبن تكبرين و تصبحين مثلنا حيوانات مهمه. و اذا كنت تأكلين العشب فقط فسأجمع لك الحشائش من ثنايا التبن و اقدمه لك».

     لما رأت اظبيه انهم لا يدركون كلامها، غضب و لم ترد عليهم.. و في هذه الاثناء صرخ حمار في احدي زوايا الخطيره:

     - «آهاي.. لقد وجدت عشبه خضراء.. ايها الاصحاب، اذا ما عثر احدكم علي عشب اخضر فليضعه جانباً للظبيه.. انتم الذين ترديدون ان تفعلوا ثواباً، اعطوا العشب الاخضر للظبيه، لقد آلمني بكاؤها. لا تدعوا هذه المسكينه تبكي. فالله لا يرضا بذلك».

     فقالت الظبيه:

     - «لا حاجه لأن تتألموا لحالي: تألمكم ايضاً حمق و غباء‌. انا لا استبعطي منكم حتي تتصدقوا علي في سبيل الله. انتم الذين لا تستطيعون فهمي، لانني ظبيه و انتم حمير».

     التفتت اليها الحمير و قالت:

     - «ماذا بعد؟ يالك من حيوان احمق؛ نحن نحسن معاملتك و نحسن اليك؛ و انت تسخرين منا هكذا!»

     قال احد الحمير:

     - «يوسوس لي الشيطان ان اتقدم و ارفسها رفسه في رأسها».

     و قال آخر:

     - «تريد عشباً أخضر، و غير مستعده لقبول منه احد».

     قال ثالث:

     - «الآن ستنال جزاءها». ثم تقدم نحو الظبيه و رفسها برجله.. و تقدم آخر و عضها. فسقطت الظبيه من الخوف و الالم و فقدت وعيها.

     قال الحمار النجيب:

     - «لقد أسأتم التصرف. ليس لها ذنب. العالم مليء بانواع الحيوانات، و هذه واحده منها.. هناك الكثير ممن يختلف عنا في معيشته و طريقه تفكيره. ليس بالضروره ان يكون الجميع مثلنا، و يفكرون كما نفكر. نحن نستعطيع ان نأكل التبن و الشعير، الا ان الظبيه لا تأكله.. لا يعتبر هذا ذنباً، و لا يستحق الرفس و الغص.. لقد اسأتم التصرف بإيذائها».

     قالت الحمير:‍

     - «الذنب ذنبك اولاً و آخراً، لأنك عاملتها منذ البدايه بدلال ورق قلبك لبكائها. و الا فان جوعها كان سيضطرها الي ان تأكل هذا التبن و تتذوقه ايضاً».

     عندما طلع الفجر و حان وقت الشروق، جاء الحمار الي الحظيره ليأخذ الحمير الي العمل، فرأي الظبيه مرميه في احدي الزوايا تشهق انفاسها.. حمل الظبيه و اخذها الي منزل الصياد و قال له:

     - «اسمع يا اخي، انا ليس عندي مكان آخر اضع فيه الظبيه غير الحظيره، و قد وضعتها فيها ليله امس. و اتضح ان الحمير لا تقدر ان تنسجم مع هذه الظبيه؛ لقد رفستها و كادت ان تقضي عليها، و ان قلبي يتحرق لحالها.. خذها و فكر في حل لها. و متي ما توافرت لديك الخمسه دنانير اعدها إلي».

     اخذ الصياد الظبيه و احتفظ بها بعض الوقت الي ان تحسن حالها. بعدها اخذها الي حديقه الحيوانات و باعها بخمسين ديناراً، و سدد دينه الي الحمار ايضاً.

     حملت الظبيه الي قفص الغزلان. و لأن الفرحه غمرتها و راحت تقهقه و تضحك من كل قلبها، لامتها الغزلان و قالت:

     - «يا لها من ظبيه عديمه الاحساس. كيف يكون الفرد سعيداً و هو في هذا السجن؟ من اين جئت».

     قالت الظبيه:

     - «جئت من جهنم.. أنا سعيده لأنني ابناء جنسي، و كل واحد منا يفهم لغه الآخر.. انني لم أر اسوأ من ذلك، و ان هذا المكان مقارنه بحظيره الحمير بالنسبه لي جنه.. ان العيش مع غير ابناء جنسك و غير المؤهلين اسوأ من جهنم».