أمجاد
ابن بطوطة
عبد
الرحمن
العلوي
في كل مرة
كنا نجتمع
فيها معا،
كان يطرح علي
سؤالا او
سؤالين.. ولا
أتذكر في يوم
ما انه قد
اقتنع
باجابتي او
عبر عن
اتفاقه مع
وجهة نظري،
بل طالما كان
يعبر عن رفضه
لها او
استنكارها
احيانا او
التعليق
عليها
بكلمات
ساخرة. وفي كل مرة
اعاهد نفسي
على ألا
اجيبه على أي
سؤال يثيره،
الا انني
اتنصل سريعا
عن تعهدي
بمجرد ان
يطرح سؤاله
علي في المرة
اللاحقة.
ولربما الذي
يدفعني
للاجابة هو
علاقتي
الحميمة به
من جهة،
والفائدة
التي اجنيها
من بعض
ملاحظاته
رغم ماتمتاز
به من روح
تهكمية من
جهة اخرى. ولم تكن
الاسئلة
التي يثيرها
من نمط
الاسئلة
التي طالما
تتكرر على
افواه
الناس،
وانما تأخذ
في كثير من
الاحيان
طابعا
فلسفيا او
عرفانيا،
وفي بعض
الاحيان
طابعا رمزيا
غير مفهوم .
والواقع اني
كنت اتردد
كثيرا قبل ان
اجيب على أي
سؤال ، واعرض
سؤاله على
ذهني كثيرا
واقلب جميع
جوانبه قبل
ان ابدأ
بالاجابة
عليه. ولا
أكتم اني كنت
اجد صعوبة
بالغة في
الاجابة على
معظم اسئلته
لاسيما مع
علمي بتعنته
وعدم
اقتناعه
بالاجابة. وكنت في
احيان كثيرة
اعتذر اليه
عن الاجابة
على اسئلته
الا انه كان
يصر على
الاجابة
ويقول: «انا
اريد اجابة
حتى وان كانت
خاطئة»! فكنت
اضحك واقول
له: «اذن انت
لا تبحث عن
الحقيقة
وانما تريد
مجرد ان
اثرثر امامك
بعض الثرثرة!
فكان يضحك هو
الاخر ويقول:
«خذ الحكمة
ولو من مثرثر»! واجتمعنا
في يوم ما على
مصطبة في
حديقة عامة..
تبادلنا في
بادىء الامر
بعض الكلمات
وتجاذبنا
اطراف
الحديث.. ثم
غمرنا سكون
عميق مثل كل
مرة.. وهو
السكون الذي
طالما كان
يسبق عاصفة
السؤال.. كنت امتع
نظري خلال
تلك الفترة
بالنظر الى
زهرة اقحوان
قريبة وقد
عانقتها
نحلة صغيرة
وهي تحرك
خرطومها
فيهتز جسمها
مع تلك
الحركة دون
ان تبدي زهرة
الاقحوان
اية مقاومة... كنت ارى في
ذلك المنظر
حالة مثالية
من التعايش
بين الاحياء
، فهذه تتلقح
وتلك تاخذ
الرحيق..
وكلاهما
يشعر
بالنشوة
والانتعاش..
حياة مسالمة..
فيها اخذ
وعطاء .. بدون
صراع ولا
فوضى .. وخاليه
من الحقد
والحسد ..
وطافحة
بالرضا
والقناعة. وكم تمنيت
ان نعيش نحن
ابناء آدم
مثل هذه
الحياة.. لو
يعايش بعضنا
بعضا،
وينتفع
احدنا
بالاخر،
ويفيد كل منا
الأخر.. يقدم
كل منا لغيره
مايستطيع،
وياخذ كل منا
من غيره ماهو
بحاجة اليه..
بدون من ولا
أذى ولا تكبر.. كم تمنيت ان
يأنس احدنا
بالاخر ،
ويحب كل منا
الأخر،
ويحترم
بعضنا البعض
الأخر،
فنرسم في
سلوكنا
وتصرفاتنا
واخلاقنا
صورة
الانسان
الحقيقي.. ولكن الذي
يحز في الصدر
اننا تعلمنا
كيف نطير في
السماء
كالطيور
وكيف نسبح في
البحر
كالاسماك،
لكننا لم
نتعلم كيف
نسير على
الارض
كالبشر! وانتشلتني
من غمرة
تفكيري ضربة
من يد صديقي
على ساعدي.
أدرت اليه
بصري ونظرت
في وجهه نظرة
متفحصة وأنا
اقول: - لابد وأن
هناك سؤالا؟! ابتسم وقال: - ومن ادراك
ان لدي
سؤالا؟ قرصت اذنه
وقلت له وأنا
اضحك: - وهل يحتاج
هذا الامر
الى دليل؟ ظهرت
امارات الجد
على محياه،
مثلما هو في
كل مرة حينما
يريد ان يطرح
سؤالا، ثم
تنهد ، وفتح
فمه ليتحدث ،
لكنه سرعان
ما أغلقه دون
ان يقول شيئا. اندهشت من
تصرفه هذا
دون ان اعلق
عليه.. وغمرنا
السكون
ثانية،
وادرت وجهي
نحو زهرة
الاقحوان
فوجدت ان
النحلة قد
ذهبت.. ادركت
انها قد حملت
مايكفيها من
الرحيق
فطارت بدون
ان تثير اية
زوبعة او
ضوضاء قانعة
بما حصلت
عليه لتمارس
دورا آخر
داخل الخلية
التي
تنتظرها.. ما
اروع النحلة! انها تؤدي
وظيفتها
بدون ان
تنتظر من
الاخرين
مدحا او
تصفيقا،
ودون ان
تتبجح
بعملها او
تتحدث عنه في
المنابر
العامة
والخاصة... تمنيت لو
يكون كل واحد
منا نحلة..
يؤدي عمله
بحذافيره
دون كلل او
كسل، ولا
ضجيج ولاضوضاء
، ودون ان
يتوقع من
الاخرين
اطراء .. لآننا
لوفعلنا ذلك
لكنا أسعد
مخلوقات
الكون... وقطع علي
تفكيري صوت
صديقي.. كان
صوته جافا،
محملا بنبرة
الغيض.. نظرت اليه
وانا احاول
ان ابتسم.. ثم
قلت له
متسائلا: - ماذا بك؟ ضحك بعصبية
وهو يقول: - ماذا بي أم
ماذا بك؟ اصطنعت
العصبية
وقلت له: - ليس بي شيء. فأجابني
وهو يدير
ظهره لي: - وأنا ليس بي
شيء ايضا. وماهي الا
ثوان حتى
انفجر ضاحكا
، فانفجرت
ضاحكا ايضا
واخذ كل منا
ينظر في وجه
الأخر دون ان
يستطيع
الامساك
بزمام ضحكته
المنفلتة ،
ودون ان يعرف
سبب هذا
الضحك. وما ان
انتهت
ضحكتنا
الطويلة ،
قال وقد حاول
ان يستعيد
الجد: اذن وقد
عادت المياه
الى مجاريها
الطبيعية
لابد لي من
طرح السؤال
التالي عليك.. قاطعته ولا
زالت كلماتي
ممتزجة
بايقاع ضاحك: - اية مياه؟
وأية مجار؟ وضع كفه
امام فمي وهو
يقول: - لا تخرق
القاعدة!
فالسؤال لي
وليس لك. اجبته وأنا
اصطنع الجد: - لاجواب
عندي في هذا
اليوم. أمسك
بمعصمي واخذ
يضغط عليه
وهو يقول: - ليس
بمقدورك ذلك
فانت تعلم
الثمن. وكنت اعلم
انه لن يرفع
يده عن معصمي
وان لم أجب
على سؤاله ،
بل وقد يكسره
لانه معروف
بقوته
واصراره... وهكذا رفعت
يدي الاخرى
معلنا
الاستسلام. فرفع يده عن
معصمي وهو
يقول: - اذن ساطرح
سؤالي عليك! وصمت قليلا
وحاول ان
يرسم علائم
الاهتمام،
ثم قال: - ماهي احلى
امنية في
حياتك؟! وفوجئت
بسؤاله، انه
سؤال يختلف
عن اسئلته
السابقة.. ولم
ياخذ طابعا
فلسفيا او
عرفانيا..
فضلا عن كونه
سؤالا شخصيا. أخذت انظر
اليه
باندهاش، ثم
قلت له: - انه سؤال
يذكرني بأول
موضوع
انشائي في
الصف الثالث
المتوسط.
فقال: - وماذا اجبت
عليه حينذاك
، حينما
لازلت طفلا
لم تعرف من
الحياة الا
القليل؟ تنهدت
قليلا وأنا
اعيد شريط
الذكريات ،
سنوات طويلة
الى الوراء ،
ثم قلت فيما
يشبه
الغمغمة: - لازلت
اتذكر
بالضبط
ماكتبت
حينذاك ...
كتبت ان أحلى
امنياتي أن
اصبح معلما! رمقني
بنظرة قاسية
وقال: - معلم؟!
وماذا يجني
المعلم؟ لا
يجني سوى
الاعياء
والالم
والمرض ..
المعلم أشقى
مخلوق في
الارض..يحترق
دون آن يذرف
الاخرون من
اجله دمعة
واحدة! كم انت
احمق يارجل! صمت قليلا ،
ثم قال: - دعنا من
امنيتك
القديمة
الحمقاء ..
واخبرني
ماهي
الامنية
التي تتمنى
ان تتحقق لك
في هذا
اليوم، بعد
هذه التجربة
الطويلة
نسبيا؟ ابتسمت
قليلا وأنا
اقول له: - لماذا هذا
السؤال
الغريب؟ وضع كفه
امام فمي
وقال: - عليك ان
تجيب ولا
تسأل! وجدت نفسي
مرغما على
الاجابة
لذلك اخذت
افكر في
ماينبغي ان
تكون عليه
اجابتي،
وضرورة ان
تعبر تعبيرا
حقيقيا عن
اعظم
امنياتي،
لذلك اطرقت
راسي بعض
الشيء، ثم
قلت له: - ان اعظم ما
اتمناه في
حياتي ان ارى
العالم وقد
خيم عليه
السلام
والآمن ، فلا
حروب، ولا
صراعات، ولا
ظلم ، ولا
استغلال،
ولا
استعباد،
ولا عنصرية،
ولا دول عظمى
ودول صغرى،
ولا بلدان
غنية وبلدان
فقيرة، ولا
عالم اول
وثان وثالث ،
ولا مواطن من
الدرجة
الاولى
والثانية،
ولا ابن
البلد
ولاجىء، ولا....
قاطعني بحدة
وهو يقول: - هذه أمنية
لا تتحقق قط!
كفاك الحديث
عن
المستحيلات
والرؤى
والخيالات!
تحدث عن
الامنيات
التي يمكن
تحقيقها على
الآرض لا في
السماء! وشعرت
بخيبة امل
كبيرة.. نظرت
اليه شزرا،
ماكان
المفروض به
ان يقاطعني..
ولكنها ليست
المرة
الاولى،
فهذا ديدنه
في معظم
الاوقات،
سيما اذا
كانت
الاجابة
لاتنسجم
كثيرا مع
ذوقه او
طريقة
تفكيره. لذلك صمت
على مضض
واخذت ابحث
عن امنية
اخرى. وحينما طال
صمتي، هز
كتفي وهو
يقول: - ماهذا
الصمت؟! نحن
بانتظار
خروج
الجوهرة من
فمك. رمقته بألم
وقلت: - وهل تسمح
طريقتك هذه
للجواهر
بالخروج؟! فرد علي وهو
يحاول ان
يبدد
ابتسامة
كادت تظهر
بين شفتيه: - انني لا
اريد جوهرة
نادرة! أخرج
لي جوهرة
عادية! وكزته
على ظهره
وأنا اقول: - انما سميت
الجوهرة
جوهرة لآنها
نادرة. قال وهو
يتحسس موضع
الضربة: - دعنا من
التفلسف
رجاء. قلت له بعد
صمت قصير: - اذا كان
الامر كذلك
فأمنيتي هي
ان انتقل من
بلد لأخر
بدون جواز
سفر، ولا
روتين، ولا
مضايقات،
ولا ا
اتهامات،
وان اقيم في
كل بلد من
بلدان
العالم ما
يحلو لي أن
اقيم، ولا
أن.... قاطعني هذه
المرة بحدة
اكبر وقال: - تريد أن
تعيد امجاد
ابن بطوطة! ثم اضاف بعد
ذلك قائلا: - هذه
الامنية اخت
تلك! صمت قليلا،
ثم قال وهو
يهز يده
بسخرية: - ماهذه
الامنيات
التي هي من
نسج الخيال
لا من نسج
الواقع؟! هل جننت؟
كيف بامكانك
ان تطوف
العالم كله
دون ان يقول
لك احد «على
عينك حاجب»! قلت له
بمرارة: ـ انها
أمنية ! مجرد
أمنية! نهض من على
المصطبة
بعصبية، ثم
ألقى نظرة
فيها نوع من
الرثاء وقال: - ينبغي ان
تكون قابلة
للتحقق لا
امنية حمقاء
ومستحيلة! نهضت من على
المصطبة
وأمسكت
بتلابيبه
وأنا اقول: - وهل تظنني
انسانا
احمق؟ فك يدي عن
خناقه وهو
يقول: - لست احمق،
بل امنيتك
حمقاء. قلت له وانا
اجلس ثانية: - ليست حمقاء
، بل انت
لاتفهمها. جلس الى
جانبي، وهو
يقول: - دعنا من هذا
كله، وتحدث
عن امنية
حقيقية
قابلة
للتحقق،
دفعته من
صدره برفق
وأنا اقول: - ارجوك ،
دعني وشأني ،
فقد تنازلت
عن امنياتي
جميعا، ولا
اريد ان
اتحدث عن اية
امنية. ضحك بسخرية
وقال: - انت تعلم
بأن طلبك هذا
مستحيل، مثل
امنياتك..
فلابد ان
اسمع منك
امنية
معقولة. اسندت رأسي
الى مسند
المصطبة ،
واخذت ابحث
عن أمنية
اخرى علي
اتخلص بها من
هذه الورطة.
ثم قلت له آخر
المطاف: - أتمنى ان
يكون العالم
الاسلامي
وطنا لي
بالمعنى
الحقيقي، اي
ان أعتبر في
اي بلد من
بلدانه
مواطنا لا
اجنبيا، ولا
فرق بيني
وبين
المولودين
فيه ، فيحق لي
ان اعمل،
واشتري،
وأبيع،
واتحدث،
وامارس جميع
ما يحق
للمحسوبين
على ذلك
البلد من
ممارسات. صمت قليلا،
ثم قلت له: - اعتقد انها
امنية غير
عسيرة، وحق
طبيعي من
حقوق اي مسلم...
اليست بلاد
الاسلام
واحدة؟! قام وقد
لاحت علائم
الغضب على
وجهه، واخذ
الحنق ينبعث
من عينيه، ثم
صرخ: - هذه امنية
لا تتحقق
ايضا؟ ثم اقترب
مني واخذ يهز
كتفي بكلتا
يديه: - هل جننت ؟!
انت تريد ان
تكون تركيا
بلدك،
والصومال
بلدك ،
واندونيسيا
بلدك و....؟! غص بريقه،
واخذ يسعل
سعالا حادا ،
ثم تركني
وانصرف وأنا
مندهش من
موقفه،
لآنها المرة
الاولى التي
ينفصل فيها
عني بهذه
الطريقة.
وبقيت
ملتصقا
بالمصطبة
وأنا ابحث في
ذهني عن
أمنية سهلة
المنال،
|