ازهار النرجس

راضيه تجار

تعريب: عبدالرحمن العلوي

 

     اماه، لقد ترعرعت في حجرك بمشقه، لم اكبر لوحدي، لم اكبر لمجرد اني كنت اقف الي جانب الفوانيس و عش الحمام و الماء‌ الرقراق، لم آنس بالكذب و السواد و الدرن. وقفت امامي كالمراه السحريه و انت ترددين: «اكبر .. اكبر بسرعه! فأبوك وحيد، انت الابن الوحيد للحاج نايب، آبوك يريد رجلاً!».

     تاجر السجاد الكبير.. اموال تكدس فوق اموال، لكن يدك ترتعش يا ابي، ترتعش من اجل الفلس!

     جدول ماء صغير، و باقه ازهار بنفسج كانت تحدق بوجهها المخملي و عينيها الثملتين الي الفقاعات المتدحرجه مثل كريات زجاجيه.

     أجلس عند الماء و أجس برودته بأطراف اصابعي.. اراهم من خلف اشجار البقس: انهم وقفوا في ذلك الجانب الاصفر من الحسن و الادراك ينظرون الي الداخل قبل الخارج، فهل انا مثلهم؟ اني اخاف منهم، اخاف منهم و احبهم.. كنت غالباً ما اخاف منهم في الايام الاولي، اما اليوم فغالباً ما احبهم. و رغم هذا اميل الي الهرب، لكني لازلت جالسا هنا مبحلقا بعيون البنفسج الثمله، فهل هناك طريق للهرب؟

     تقبل علي الممرضه و في يدها قدح.. و لابد ان تكون اقراص في قبضتها، اقراص صفراء و زرقاء، لايهم! فهم مكلفون بهزي، بتقليبي، بحفر حفيره ثم ملئها بالتراب من اجل ان ينتقض مني انسان جديد، انسان لا يبكيه ألم الصراع، و لا ترتعش اصابعه عبثاً، و لا يدخن و لا يفكر..

     اتناول الاقراص.. مر شهران و انا اقذفها في بلعومي. كنت اقاوم في الايام الاولي فكانوا يستنجدون بالعنف، و كنت اعتقد في تلك الايام انني علي صواب، لكنهم افهموني بشكل تدريجي و عن طريق الاقراص اني علي خطأ. كان يجب ان اقول اني علي خطأ من اجل ان يحرروني، فليس هناك شيء افضل من الحريه! فالتحرر مثل الهواء الذي لا يعرف المكث..

     و ذهبت الممرضه، لقد تأكدت اني قد ابتعلت الاقراص، كبلتني باغلال خفيه، و لا شأن لها بعد ذلك:

     - الا قد اصبحت انساناً صحيحاً!

     انها كلمات تقال لي كثيراً هذه الايام.

     لازال الماء يهمس، و ازهار البنفسج تتنفس ببطء و قد القي الغروب بجرانه علي اكتافها الرقيقه. و يأتي صوت الاذان، ينفطر قلبي، من الألم المنبعث من الف زاويه في نفسي.

     يجب ان انهض للوضوء.. لماذا ابكي؟ هل للغربه التي تطوقني؟ هل لان صدري يضيق؟ هل لان الماضي ينبع من اعماقي و يتحول الي فقاعات لا تلبث ان تنفجر؟

- فهل يمكن للرجل ان يبكي؟

يصيح ابي صارخاً:

- و هل يقاوم لك رجل؟!

      اكفكف دموعي.

- ابي، ان هذا السروال كثير الرقع، لا اريد ان ارتديه!

- ابي، لقد اريق ماء وجهي لكثره ما حملت كتبي في صره.

- ابي، اخجل ان اقدم الطعام لضيوفك.

     و يرتفع صراخه:

- متي تريد ان تصبح انساناً؟! متي تصبح رجلاً؟! متي تتخلي عن هذا النقيق؟! المتجر متجرك، السجاد المكدس سجادك، البستان بستانك، الاراضي اراضيك، كلها لك.. انها اموال و ثروه! يجب ان تكون كفوءاً كي تحتفظ بها، لا ان تنتهج الاسراف. عليك ان تدرك انك ابن «الحاج نايب»، عليك ان تعرف كيف تجعل الواحد اثنين!

- انني افهم يا ابي، و لكن..

- انا اريد رجلاً لا ورقه بنجر، يحمر وجهه لمجرد ان يتحدث الآخرون.

- ابتاه! ساعدني لا تستهزي بي.

- يحب ان تكون ذكياً، شاطراً و..

     و لكن سجاده امي مفروشه، تنبعث منها رائحه الياس، تبعث في النعاس. اقول: «اماه ان سرو الي مرقوع»، يحمر وجهها:

- سأشتري لك، اشتري القماش و اخيطه بيدي هاتين!

     ترتعش يداها مع المسبحه مع التعب.

- و لمن يريد ابي ثروته؟ و لأي شيء؟

- كلها لك، انت وارثه الوحيد.

- انا؟ انا الذي سرواله مرقوع؟ انا الذي كتبه و دفاتره في صره؟ ترأر امي:

- انت ابن الحاج نايب بائع السجاد.

- اماه! انت تكذبين ايضا.. لقد خدعك.. انه اذبل وجهك الغض قبل اوانه، و عكر نظراتك الرقراقه، و غضن يديك البيضاوين. اماه لقد حطم روحك بين الغرف و الزوايا و الفناء الداخلي و الخارجي. اماه اين كتاب دعاؤك و مصحفك؟ اين مرآه الجيب و كيس الحرمل؟ اماه خذيني معك، مع الدخان الازرق المنبعث من حرملك. تعبت من النظرات المؤذيه، من الكذب، من كل هذا السواد!

     اماه، لقد ترعرعت في حجرك بمشقه، لم اكبر لوحدي، لم اكبر لمجرد اني كنت اقف الي جانب الفوانيس و عش الحمام و الماء الرقراق، لم آنس بالكذب و السواد و الدرن. وقفت امامي كالمرآه السحريه و انت ترددين: «اكبر.. اكبر بسرعه! فأبوك وحيد، انت الابن الوحيد للحاج نايب، ابوك يريد رجلاً!».

     تاجر السجاد الكبير.. اموال تكدس فوق اموال، لكن يدك ترتعش يا ابي، ترتعش من اجل الفلس!

     في نهايه الحديقه غرفه السيده «رقيه»، انها تنام و تجلس و تأكل علي الحصير، تبكي عليه و تناجي ربها.. ينشأ عليه حفيدها ايضا، رأيت قدم حفيدها حمراء قانيه، رأيتها تغسلها بالماء البارد.. تضعه علي الحصير و هو يبكي.. كان له سنان يتلألون كاللؤلؤ.. لم يكن للسيده رقيه لؤلؤ غيرهما.

     اهرول لاهثاً من هناك الي الغرفه الكبيره و احتضن السجاده.. تلك التي منقوش عليها صوره الظبي، الظبي الهارب في ميدان الصيد.

     احمل السجاده اليها، ترمقني بنظرات وجله و هي تقول «ابن الرجل الكريم!».

     كان نومي طوال الليل حالماً سعيداً: حفيد السيده رقيه يتدحرج علي السجاده الناعمه عارياً و يضحك مثل صوت الماء.. اسنانه تلمع طوال الليل كالنجوم.

     وقفت علي رأسي في الصباح كالمشنقه، استيقظت علي صراخك:

- تريد ان تحافظ علي اموالي بهذه الطريقه؟

     اريد ان اجيبك، لكن صوتي لم يخرج من حنجرتي. و أنحني تحت وابل السب، و تتمزق نفسي.. لماذا انا اخرس؟

     و تأتي الممرضه و تقف علي رأسي، و تضع نعلي عند قدمي، تريد ان تقول تفضل! اي ان التحليق قد انتهي، اي ان القفس جاهز.. لقد ابتلع الظلام ازهار البنفسج و جدول الماء و الفقاعات الصغيره الحره.

     اذهب مع الممرضه مرغماً، لأن اقل مقاومه مني تحمل معها عقوبه قاسيه.

     استلقي علي السرير، ادفن رأسي تحت البطانيه، و تغلق الممرضه الباب، حينئذ أري: شظايا النوم و اليقظه بقميص مخملي، صوت الساعه ذات الجرس، الكلب الرابض فوق المنصه و المبحلق في، الغل المعلق في رأس الصافره المعلقه في الهواء‌، الازهار البوقيه الزرقاء عديمه السويق، الذباب المقطوع الرجل و الجناح.. كان كل هؤلاء معي حتي الصباح، يروحون و يجيئون. و عندما يلامس وجه الشمس النافذه، انام و المهد يتأرجح صاعداً و هابطاً.

     ينطلق من الغرفه الكبيره دعاء يخرج من حناجر ابي و شله اصدقائه الذين جلسوا في صفوف منظمه. اقداح الشاي ذات الخصر الضامر و الشفه الذهبيه متناثره الي جانب الصحون البلوريه البراقه.. و ينبعث صوت همهمه النرجيله و يتطاير الرذاذ في الهواء.

     ابي! انت تبكي؟! ابتاه لازال هناك بصيص امل! فقلبك لم يسود تماماً! انت تدري ان السيده رقيه سيئه الحظ.. اذن لماذا سحبت السجاده من تحتها؟!

     انني رأيت كيف يصاب الظبي بسهم و كيف يسبح بدمه! و رأيت كيف تهوي السيده رقيه الي الارض و لم تضحك بعد ذلك اليوم! رأيتها تفرش سجاده صلاتها و تنظر الي الله.

     لا زالت كلماتك تدق في رأسي..

     تخلد الي النوم بعد الظهر، و المروحه المعلقه في السقف تدور، صوتها يبعث الدوار في رأسي، السجاد مكدس: علي الارض، علي الجدار.. و قميصك الابيض ملتصق بجسمك.. و شعرك مبلل بالعرق. و المروحه اليدويه ساقطه علي بطنك تعلو و تهبط.

     امر عبر الطرق الضيقه بين ذلك السجاد المكوم و افكر.. يجب ان احسبه.. كان مرصوفاً كالكتب.. يجب ان افتحه، يجب ان اقرأه! جئت بي بالقوه، قلت لي: «ما فائده المدرسه؟ المستقبل ليس من نصيب الدارسين، بل من نصيب اصحاب الثروه!

     و تقطع امي شعر رأسها و تلطم وجهها و تقول:

- نايب خان! دعه بالله عليك. دع طفلنا يدرس، دعه يشق طريقه!

     تأخذني معك، تأخذني بالكلمات.. تستخدمني في الرابعه عشره من عمري، و تزج بي في سجن المتجر.

     امي تبكي.. اتظاهر اني لا اراها، انها تريد ان لا اراها. انها تطرز، و تطرز النجوم في الليل. اراها تبكي لكني لا اراها.

     حوادث حدثت و حوادث تحدث..

     أبتاه كيف سولت لك نفسك ان تحطم قلبها؟ و كيف استطعت ان تسرق منها هذا الامل و هذا الثقه بالنفس و حسن التبعل؟ انت تريد وارثاً جديداً غيري؟

     انام.. انام بحيث لا اقوي علي الاستيقاظ ثانيه. وضع ابي خطه.. فقد الأمل بي.. انه يريد ابنا آخر، شاطراً و ظالماً و...

- اريد ولداً رجلاً، انساناً ربيته انا!

     و تأتي امرأه، عيناها تشبهان عيني شبابك يا امي. انت تحاولين تبرير الامر لي: - لا فرق هناك! انها مثلي، لكنها اكثر حيويه و نضاره، انها امك ايضاً، ستأتي لك بأخ يكون عضداً و ساعداً. و يداخلني الاضطراب و يستولي علي الاشمئزاز: امي؟! اجنبيه؟ امرأه شابه لا ادري لماذا هي في بيتنا؟ لماذا تنام في سريرك يا امي؟

     لماذا ترتدي ملابسك؟ لماذا تجالسنا علي المائده؟ لماذا يدعونها «السيده الصغيره»؟ و انا.. لماذا لا اطيق النظر في عينيها؟ لماذا؟

- اماه دعيني اسكن في نهايه الحديقه، في غرفه الاقطان.

- هناك؟! هل جننت يا ولد؟ مع الاقطان؟

     اماه كل شيء مليء بالقطن مثل السحاب، الورد، الريح..

     كم سنه مرت؟ كم سنه وضعت قدمها علي ظهري؟ امي تطرز القماش بظهر محدوب.. عندما تعرز الابره فانها تخيط بها شظايا روحها، الروح التي تشظت علي يديك يا ابي. اين انت هذه الليله و اين نحن؟

     ابتاه! كيف سمحت لك نفسك ان تحطمها؟ كنت انا ذريعتك؟

     و انطلق نحو غرفه الاقطان.. الاقطان لينه و عطوفه كالحاضنه، كالام. القي برأسي علي اكتافها و ابكي! كالسحاب، كالحنان، كالمهد الكبير، بحجم الغرفه، بحجم تحطمي! بحجم وحدتي.

     يتأرجح المهد الي الاعلي و الاسفل و يجرني نحو السحاب.

     و تقف الممرضه علي رأسي ثامنه حامله الاقراص. تنحني و تسأل:

«هذيان؟».

- آه، لا!

     اذا اقول «نعم» الا تأخذيني الي ذلك الطابق بيد و رجل مكبلتين؟

- تبكين؟

- انا.. ؟ انا..؟ ابكي..؟

     و أخرج من الردهه، اكاد اختنق حينها.

     ليتني اختفي خلف اشجار البقس حتي تخرج كافه الممرضات و حينئذ استلقي علي الارض الخضراء و ابكي علي كتف القمر.

- دع الكتاب جانباً هنا الي جانبي و تعلم، ان قلبي ينفطر حينما اري ابناء الآخرين.

- ابتاه الم اقل لك اني اشعر بالحياه حينما اغمر رأسي بين صفحات الكتاب.. الي من بعتني منذ خمس سنوات؟ ابتاه انني اضيع عندما اضع الكتاب علي الارض، اضيع في متجرك، في حديقتك، في ارضك، بين ركام وثائقك و سنداتك.

     لم اقل لك ذلك، لم تكن لي الجرأه، و انما كنت انظر اليك فقط، لكنك كنت تصرخ:

- يا مرأه، هذا الذي ربيتيه! انظريه انه كالعنز!

     و تتألم امي و تغرورق عيناها بالدموع:

- لا تقل مثل هذا بالله عليك، انه لم يرتكب ذنباً.

     السجاد جدران، و الجدران احجار، و الطيقان قصيره.. يحتبس نفسي، هل هي رائحه عرق ام نفتالين؟

     اين انا؟ و تأتي ممرضتي خلفي حامله الاقراص. تسألني شيئاً، اريد ان اجيبها، الا ان لساني ثقيل، يندفع الدم الي وجهي و ينعقد لساني.

     تناولني ممرضتي قدح ماء مع عده اقراص، اضغط عليه بأصابعي.. يجب ان انطق و الا اختنقت، و اسكب عبره صدري في كفي، اضغط علي القدح.. تصرخ الممرضه، ينبجس الدم من يدي، اخفي وجهي بيدي.

     يسحبوني الي الطابق السفلي.. قالت الممرضه انه اراد ان يهجم علي بشظايا القدح! انا؟ و هل امتلك مثل هذه الجرأه؟

     عينا الممرضه مثل عينيها، مثل عيني تلك المرأه التي حلت محل امي، تلك التي ادخلت الألم الي قلب امي.

     ابتاه! لقد كسرت قلبي، القلب الذي كان بامكانك ان تبقيه سالماً.

     و جاء ابي لعيادتي.. امر الطبيب بفك يدي، جاء ابي بالتفاح و اليوسفي، و معه زوجته الشابه حامله باقه نرجس، ازهارها مثل عيون امي المغرورقه بالدموع.

- ابتاه ماذا فعلت بسجادك؟

     اضحك بخبث.

- لماذا احرقته؟ فهل رأيت مني سواءاً؟

     ابتاه! احترق متجرك؟ مثل ازهار الكوكب؟ مثل قلب امي؟ اين بعثت امي؟ لقد ذهبت مثل حمامه تجر ذيلها الجريح، ذهبت و قد تركت كل شيء: عزتها، شبابها، ابنها، حنانها!

     السجاد متكوم بعضه فوق بعض، الزبائن يأتون و يذهبون، الاموال فوق الاموال، اجراس الهاتف تقرع، طار صيتك حتي خارج الحدود، انجبت لك السيده الصغيره ولداً. اخرجتني الي متجرك و انا في العام الرابع عشر، الي من بعتني! امي غير موجوده، مكانها فارغ مثل حرقه العين!

     ابتاه، انظرني جيداً ولو مره واحده! انت تنظرني كالعمله.. تزن دموعي بالنقود.. و قلبي الكسير ايضاً.

- لقد اعطيتها صكاً ابيض كنت موقعاً عليه. قلت لها اكتبي فيه ما تريدون، الا انها مزقته امام عيني.. دعها تذهب و لتضرب رأسها بحجر.. ماذا تريد؟ كان كل شيء لديها، فلماذا ذهبت؟!

- نعم كل شيء، لكنك لم تكن لها! و لم اكن انا ايضاً.

     و تبكي ازهار النرجس مثل عيون امي، مثل ياس امي، لونها الزعفراني يؤذيني، تنظرني السيده الصغيره.. انها انجبت ولدا، لكنه لم ينم علي الحصير مثل حفيد السيده رقيه، نام علي السجاده ذات الظبي المدمي.

- يا ولد، لماذا احرقت السجاد؟

     تمسح عينيك بمنديلك.

     اذن فانت تعرف كيف تبكي! فلا زالت هناك عين في هذه الصخره السوداء.

     تقشر لي التفاح.

     اضغط علي يدك كالعبره التي تضغط علي حنجرتي. السيده الصغيره تحدق في. عيناها مترعتان بالخوف. كان بودي لو اخنقها حتي تمتلي عيناها بالدموع، مثل امي، مثل ازهار النرجس.

     انت تضرخ: ممرضه! ممرضه!

     تتصور ان نوبه جنون قد احتدمت في رأسي، ترتجف من الهلع. اضحك فانا مسرور لتلك الرجفه.. تأتي الممرضه و تنتزع معصمك من يدي.. تنسحب الي الخلف.

     لن تأتي بعد الآن، اعلم انك لن تأتي.. سالقي التفاحه التي قشرتها الي في سله القمامه.

     يحقنوني بحقنه ما..

اغبياء يتصورون اني مجنون.. و لا يعلمون اني اعقل منهم جميعاً.