«الوحده» تلتقي الكاتب و الناقد مهدي نصيري

ازمه الادب الغربي المعاصر

حوار: سمير نيكروش

 

     شغل الادب الغربي المعاصر مساحه واسعه من اهتمامات شعوب العالم الثالث، و استطاع ان يترك تأثيره علي ثقافاتهم و اخلاقياتهم. و بهذا الصدد دار حوله جدل كبير و تعددت الآراء بشأنه. و في الحوار التالي القي الكاتب و الناقد مهدي تصيري الضوء علي اشكاليه الادب الغربي و بعدها الاخلاقي، نقرأ معاً:

 

     * هل كان للأدب علي طول التاريخ البشري دور في تقارب الشعوب و الاقوام المختلفه؟ و هل يمكن اعتباره «صانع التاريخ» او بتعبير اليوم «صانع المستقبل»؟.

     - ان للادب بمفهومه العام و الخاص (*) دورا واضحا و مؤثرا في التفاهم و التقارب بين الشعوب و الاقوام المختلفه. و بالاخص تلك المجموعه من الآثار الادبيه التي ركزت علي القواسم المشتركه في مجالات الفكر و العقيده و التوجهات الانسانيه و التي تضمنت مفاهيم و افكارا كان لها جاذبيه خاصه لعامه الناس نظرا لارتباطهم الفطري. فهناك الكثير من الآثار و المتون الادبيه الشرقيه القديمه قد احتل له مكانا في اوساط الشعوب الغربيه و ثقافاتهم، و كان مدعاه لابداع آثار جديده. و بالطبع ان عكس ذلك صحيح و صادق ايضا. فالادب بمفهومه العام يعتبر صانع المستقبل و التاريخ. و بمفهومه الخاص ايضا له دور يمكن لمسه و ادراكه في حياه و مستقبل البشريه الي جانب عوامل مهمه اُخر تشترك في هذا الدور و التحديد.

     * من خلال تقويمنا للقيم الادبيه و تأثيرها علي ثقافه الآخرين، في نظركم من هم اصحاب الادب المعاصر في العالم؟ الغرب؟ ام الشرق؟ ام العالم الثالث؟

     - في البدايه يجب التمييز بين (الواقع الموجود) و (الحقيقه التي يجب ان تكون)، فالواقع هو ان آثار الادب الغربي (الغرب الثقافي المتمثل بالليبراليه و الانسانيه «الاومانيسم» و النيهليسم) و بفضل الامكانيات الواسعه و القدرات استغلال و استعمار دول الآداب غير الاومانيستيه و تأثيراً فيها ايضا. اما المسافه بين الواقع و الحقيقه (تلك الجديره بالذكر) فانها شاسعه بشكل عجيب. فاذا كان تفسيرنا «للقيم الادبيه» مبنيا علي الاسس الإلهيه و الانسانيه (الانسان خليفه الله) فسيكون عندها نصيب الآداب الحاليه (اي غالبيه الآداب) الغربيه صفرا من الدرجات و هذا يعني انه هناك ازمه في الادب في العصر الحاضر و خصوصا في الغرب كما هي الحال في الثقافه و السياسه و الاقتصاد.

     * هل يمكن اعتبار جميع الادب الغربي باطل و فاسد؟ و بالتالي كيف يمكننا النظر الي الآثار الادبيه و الفنيه في الادب الغربي؟

     - اذا كان المقصود من الغرب، الموقع الجغرافي للغرب فمن غير المنطقي و الجائز ان نحكم ببطلان كل الآداب التي يكون موطنها الغرب، لان الموقع الجغرافي لا يستطيع ان يحكم بحقانيه اي اثر ادبي او ثقافي او بطلانه. اما اذا كان المقصود هو الثقافه الغربيه بمفهومها الخاص فالامر يختلف.

     فاذا كان «الغرب» عباره عن مجموعه من الثقافات التي اساسها و محورها الانسان عوضا عن الله سبحانه و تعالي فان جهود هذه الثقافه تصب و بكل قواها في تغذيه الروح الفجوريه للانسان و اشباعها لتحقيق ما تصبو اليه من عزل الفرد و المجتمع عن تزكيه النفس (و نفس و ما سواها * فألهمها فجورها و تقواها * قد افلح من زكاها * و قد خاب من دساها) فهنا علينا ان نضع علامه رفض قاطعه لجميع هذه الثقافات و الفنون و الآداب. و قد يتصور بعض ان غربا كهذا فرضيه غير موجوده، فنقول لهم ان التصور بحد ذاته غير صحيح، فنحن في عالم اليوم ان كان في الغرب او الشرق (الشرق الجغرافي) او في العالم الثالث نشاهد نماذج لهذا المفهوم الغربي و آثارها في كل مكان.

     و استمرارا لما ذكرناه فان ردنا علي الشطر الثاني من السؤال اصبح واضحا. فاذا كان المقصود من الغرب في العباره «الأثر الادبي و الفن الغربي» هو القسم الغربي جغرافيا. فنحن هنا مخيرين في انتخاب الآثار المطلوبه المفيده بدقه عاليه و الاستفاده من المعطيات الفكريه و الثقافيه للمبدعين و الادباء و الكتاب الغربيين الذين هم في تضاد فكري مع تلك الثقافه الغربيه التي ذكرناها سابقا.

     و الخلاصه لا يمكن اعتبار جميع الآداب و الآثار الادبيه و الفنيه لغرب العالم فاسده و باطله، كما لا يمكن ان نعتبر جميع آداب شرق العالم مرغوبه. و هذه المسأله تعني منطقيا انه ليس بالضروره اعتبار اي اثر ادبي و ثقافي لغرب العالم غير مقبول، و بالمقابل اعتبار اي اثر ادبي و ثقافي لشرق العالم مقبولا و صحيحا.

     و بالطبع اذا كان السؤال هو هل ان اغلب الآثار الادبيه التي ظهرت بعد عصر النهضه في اوروبا او غرب العالم جغرافيا تعتبر باطله فسيكون الجواب بنعم، لان سيطره الثقافه الغربيه علي ثقافه العالم الغربي (جغرافيا) و فكره اوضح من ان ينكر.

     * هل يمكن تقسيم الادب الغربي الي فروع؟ و هل يمكن اعطاء تقويمات مختلفه لكل منها؟

     - اتصور انني اجبت عن جزء من السؤال من قبل بشكل ما. و هو اننا لدينا معايير و موازين خاصه لاجل اختيار الآثار الادبيه و قبولها و بالتالي الحكم بشأنها. فنحن و من خلال توجهاتنا لثقافتنا لتعاليها و صلاحها و فلاحها و لهذا فعند التعامل مع الآثار الادبيه للآخرين لانصاب بالحيره و الضلال، بل نستطيع ان نحكم و نختار بشكل جيد، و لذلك فان من الممكن ان نحصل علي آثار جيده و سليمه و قابله للاستفاده، في آداب الغرب الجغرافي.

     * هل نجد في التاريخ الايراني المعاصر كتابا واحدا من الشعر او القصه او الروايه الطويله بقيت مصونه و محفوظه من نفوذ الادب الغربي. اساليبه المختلفه؟ اذا كان الجوانب بنعم فيرجي ذكر مثال علي ذلك، و ان كان العكس فهل من الممكن توضيح الاسباب؟

     - في البدايه يلزمنا ان نفرق بين قبول الأثر التكنيكي و الشكلي و قبول الاثر المضموني. و هذا يعني انه اذا كان هناك تكنيك و شكل مؤثر فان هذا الامر بحد ذاته لا يكون مذموما بل يمكن وصفه علي انه عمل مطلوب و مترابط و مفيد، فاذا كان في الغرب (ثقافه) هذا التكنيك و الشكل المذكور في خدمه أسوأ المضامين و الرسائل. فان جوده قبول الاثر المضموني او رداءته مرتبطان بمضمون المؤثر و حال الاختيار.

     و بالنظر الي هذه المقدمه فان الجواب يقينا في صالح الادب الايراني المعاصر و ادب الثوره الاسلاميه حيث اننا لم نشهد اي تذثير للادب الغربي علي آثارنا من حيث المحتوي و المضمون، بل نستطيع القول بانها استزاعت ان تواجهه بكل قاطعيه. فلو رجعنا الي الكثير من القصص و الروايات التي الفها كتّاب اسلامين بعد الثوره الاسلاميه و التي عكسوا خلالها المفاهيم الاسلاميه العاليه و كذلك الثوريه و الانسانيه (و من الممكن ان يكون هناك بعض الآثار التي تأثرت من حيث التكنيك و الشكل بالادب الغربي المعاصر). و لو امعنا النظر في الشعر الكلاسيكي المنظوم من قبل شعرائنا قبل الثوره الاسلاميه و بعدها لوجدنا له من حيث المضمون و التكنيك جذورا و اصاله في الشعر و الآداب الاسلاميه الايرانيه. و اذا اردنا ان نذكر آثار الشعراء و الكتّاب بشكل خاص فاننا نخشي ان نضيع حق احد، لذلك لا احبذ ان ادخل في هذا المضمار.

     * هل توجد عندنا هنا في الوقت الحاضر ادب معين تحت اسم «الآداب الاسلاميه» يستطيع ان يدعي لنفسه من حيث الاسلوب و المضمون الاستقلاليه التامه و يرتبط فقط بالاسلام و الثوره الاسلاميه؟ و اذا لم نجد مثل هذا الادب فما هو السبيل لايجاده؟

     - تعقيبا لما ذكرناه سابقا فان هذا النوع من الادب موجود. و علينا ان نبذل الجهود المستمره لتطويره بشكل اكثر من ما هو عليه الآن و هذا يتم من خلال حمايه هؤلاء الكتّاب، و بالاعتماد علي النفس، و تثبيت الجذور، و معالجه الذين نسوا ذاتهم، و الذين قد نجدهم مع الاسف في بعض الزوايا و الاطراف و بين الاصدقاء و انفسنا.

     * بعض الكتّاب و المفكرين الاسلاميين يعتقدون انه اذا تم تدوين حياه الرسول (ص) او الائمه الاطهار (ع) او الشخصيات الاسلاميه في قالب روائي «مثل كتاب الرسول لمؤلفه زين العابدين رهنما» فانهم يكونون قد خطو بذلك خطوه اساسيه لبناء نوع من الآداب الاسلاميه في العالم؟.

     - ان هذا الطرح في الواقع ينفي حقيقه وجود «الآداب الاسلاميه»؟ اذ هل ان كل هذه الآثار الجيده و القويه و القيمه في الادب المعاصر غير قابله للرؤيا و الدلاله، و هل ان آثار حافظ و سعدي و مولانا و النظامي و صائب و بيدل و لافردوسي و لا يمكن وضعها في صف «الآداب الاسلاميه»؟ و هل ان هذه الآثار فقدت دورها و خاصيتها؟ فبأي مصباح قمنا بالبحث و استطعنا فقط ان نحصل علي كتاب «الرسول» لزين العابدين رهنما! فالآداب الاسلاميه ظهرت و تأسست بظهور الاسلام في الجزيره العربيه، و استطاعت ان تقدم للبشريه اقوي و اندر الآثار. و السؤال يبقي حول كيفيه العمل لطرح الآداب الاسلاميه النرغوب فيها بما يتناسب و مقتضيات العصر الحاضر.

     * هل من الممكن عزل اسلوب الادب الغربي و تكنيكه عن مضمونه و بالتالي الاستفاده منه بصفه ادوات في خدمه الافكار و العقائد و القضايا الاسلاميه؟ او هل ان (الاسلوب و المضمون الغربي) يكمل احمدهما الآخر؟.

     - من خلال معيار الحق و الباطل فان اي ارتباط بين التكنيك و المضمون في الادب الغربي (الثقافي) غير موجود. و هذا لا يعني انه عند بطلان المضمون يكون هناك الزام ببطلان التكنيك ايضا و بالتالي عدم الاستفاده منه.

     * ما هو مدي تأثير الأدب الاشتراكي للدول الشرقيه علي الادب العالمي (و من ضمنها ايران)؟ و هل استفيد من هذا الادب كنموذج؟

     في المجموع يمكننا القول انها لم تكن دون تأثير، فآثار الادباء من امثال مكسيم غوركي و داستافسكي تعتبر من الاعمال الادبيه التي لها مكانتها الخاصه في بلدان العالم و من جملتها ايران، و بالتالي فان هذه الاعمال لها الارجحيه و الافضليه علي الكثير من الآثار الادبيه الغربيه. و يمكن اعتبار الكثير منها من الآثار المفيده و البناءه.

     و حتي في الميدان الادبي الشرقي غير الاشتراكي يستبعد بالمقابل ان يوجد كاتب او فنان لا يكون بحاجه الي مطالعه آثار العملاق تولستوي المتضمنه للعناصر المذهبيه و الشعبيه و المعنويه القويه.

     فيقينا ان عدم مطالعه كتاب «ما هو الفن» لتولستوي و مراجعه من قبل اي كاتب او فنان ملتزم اليوم في وسط هذا الضجيج الادبي. يعتبر في الواقع حرمانا لنفسه من هذا الكنز الساطع و الكبير.

 

الهامش

     (*) الآداب بمعناها و مفهومها العام تشمل جميع الآثار البشريه المتوبه و المقروءه و التي تكون علي شكل لغه و بقالب كلامي. و في هذا المجال فان الفقه و الفلسفه و العرفان و الكلام و الشعر و القصه و الاخلاق تكون ضمن مجموعه الآداب. و يقال ان الآداب بمعناها العام تكون مرادفه لمصطلح «الثقافه».

     و الآداب بمعناها و مفهومها الخاص تشمل الآثار المكتوبه و المقروءه بشكل فصيح و بديع و مقبول و تتصف بالظرافه و الدقه، و افضل الحقائق المقبوله و المؤثره بشكل خاص و عجيب في القارئ او المخاطب. و الناس عاده يرون ان هذه الآثار جديره بالنقل و الاحتفاظ و يفرقون بينها و بين الآثار و الأحاديث العاديه. فالشعر و القصه و المتون و النثر الادبي تعتبر من فروع الآداب بمعناها و مفهومها الخاص.

 

الوحده العدد 168