من الأدب الفارسي

في حضره مولانا جلال الدين

محمد الخالدي

 

توطئه:

     بين الشعر و التوصف، كما هو معروف، أكثر من وشيجه حتي ليتعذّر الفصل بينهما لتلازمهما بل و تداخلها أحيانا. فعندما تضيق العباره بالصوفي علي حدّ تعبير محمد بن عبد الجبار النفري أو تغلب عليه الحال يستنجد بالشعر، أكثر الأشكال الأدبيه قدره علي التعبير عن مواجيده و توقه الجارف إلي معانقه المطلق، يلقيه وحيا أو ينشده لغيره من شعراء الحب العذري أو شعراء المجون. فكم من بيت أو أكثر لمجنون بني عامر أو لكثيّر عزّه ترّدد علي ألسنه كبار المتصوفه حتي كاد ينسب إليهم. و كم من شعر يتغني بالخمره لأبي نواس أو حسين الضحاك أو غيرهما من شعراء المجون روحنه أهل الذوق ليعبروا به عن حالات السكر الروحي التي كانت تنتابهم كلما اشتد بهم الوجد.

     كما يقترب الشعر في أرقي أشكاله من الحاله الصوفيه، بل يصبح في أحيان كثيره ضربا من الكشف و رغم هذه العلاقه المتينه بينه و بين التصوف، ظل الشعر ممارسه ثانويه بالنسبه إلي المتوصفه العرب فلم يولوه كبير عنايه، فكان تعاطيهم إياه ظرفيا تحكمه أحوالهم و شطحاتهم و إن ترك لنا بعضهم قصائد رائعه تعدّ من عيون الشعر العربي. لكن هناك استثناءات بالطبع كما في كل، لعلّ أهمّها عمر بن الفارض (1181 ـ 1235)، فهو الصوفي العربي الوحيد الذي عبر عن تجربته الروحيه شعرا بلغ به مستوي قلّ أن بلغه غيره من الشعراء، و هو أيضا الوحيد الذي يمكن وضعه في مصاف شعراء الفرس من حيث الأهميه: فعلي يديه بلغت القصيده الصوفيه قمه غنائيتها و منتهي جماليتها، و علي يديه لبست اللغه أبهي حللها و إن عاب عليه البعض إغراقه في البديع و المحسنات اللفظيه، لكنه نشأ في عصر كان شديد الولع بهذا الضرب من الفن.

     أما الاستثناء الأخر فهو الشيخ الاكبر محيي الدين بن عربي، فإلي جانب آثاره النثريه الضخمه التي ما انفكت الشغل الشاغل للباحثين و الدارسين في جميع أنحاء المعموره، ترك لنا صاحب الفتوحات المكيّه كمّا هائلا من الشعر ضمه «ديوانه»، غير أنّ ما يؤخذ علي هذا الشعر هو هذا التعقيد و الإيغال في الغموض فلا يدر «معناه إلاّ بالإشاره» كما يقول هو نفسه، و إن ضمّ بعض القصائد و الموشحات خاصه ذات الغنائيّه الرائقه و اللّغه العذبه. لكن ابن عربي ترك لنا إلي جانب ديوانه الكبير هذا رائعه شعريه هي ترجمان الأشواق، و هي من الشعر الخالص، كيف لا و قد استوحاها من امرأه من لحم و دم هي شمس النّظام التي هام بها أثناء مجاورته بمكه المكرمه، فجاءت قصائد هذا الديوان الصغير من حيث الحجم مفعمه بالصدق و الحراره و بغنائيه في منتهي الرّقه لا يمكن أن تصدر إلاّ عن عاشق و لهان. و رغم محاولته «شرحها» و إعطاءها بعدا رمزيا روحيّا، بعد الهجوم العنيف الذي تعرّض له من فقهاء حلب، فإن هذه القصائد ظلت تحتفظ بصدقها العفوي و نكهتها الأصليه، و ظل شرحه لها مجرّد محاوله مكشوفه للتنصل من غرضها الأول ألا و هو الحب.

     و عدا هذين الاستثنائين ـ و أيّ استثنائين هما ـ فإننا لا نظفر في أدبنا العربي بشعراء صوفيّين كبار يمكن مقارنتهم بشعراء الفرس، في حين ترك لنا المتصوفه آثارا نثريه يصعب أن نجد نظيرا لها في الآداب الأخري من حيث تفردها و خرقها للسائد و المألوف كمواقف النفري و طواسين الحلاج و كتاب التوهم للحارث المحاسبي، و معراج بايزيد البسطامي و الإشارات الإلهيه لأبي حيّان التوحيدي و معاريج ابن عربي.

     و علي عكس المتصوفه العرب و نقصد هنا من كتبوا بالعربيه بغض النظر عن أصولهم العرقيه ـ صاغ الشعراء الفرس تجاربهم الروحيه شعرا، كما نظموا الملاحم و القصائد الطوال شعرا أيضا، مظهرين قدره فائقه علي السّرد و نسج الحكايات الغراميّه و القصص الرّمزيّه ذات البعد الأخلاقي أو السياسي أو الماورائي. فقد نظم الفردوسي (932 ـ 1020) الشاهناما أو كتاب الملوك في حوالي ستين ألف بيت، كما تنسب إليه قصه يوسف و زليخه و هي أيضا منظومه شعريه، و كتب فريد الدين العطار (1119 ـ 1230) منطق الطير و أسرار نامه و مصيبه نامه و قد اعتمد في أعماله هذه و في غيرها من آثاره الشعريه الأخري النفس الملحمي و القصصي مع كل ما يتطلبه هذا الفن من سرد و حوار و استطرادات و وصف.

     و ألّف سنائي (ت حوالي 1180)، بالإضافه إلي ديوانه الذي ضمّ ثلاثين ألف بيت، منظومه طويله هي «حديقه الحقيقه» أثارت حفيظه الفقهاء و استنكارهم لخروجها عن الدين إلي جانب سته مثنويات و كلها مطوّلات.

     أمّا نظامي (1140 ـ 1202)، و هو من أكثر الشعراء تأثيرا في تطور الأدب الفارسي فله خمس منظومات قصصيّه ذات نفس ملحمي سمّاها الكنوز و هي: مخزن الأسرار، خسرو و شيرين، ليلي و المجنون، اسكندر نامه و هفت بابكر.

     و لعبد الرحمان الجامي (1414 ـ 1492) مثنويات قصصيّه جمعت تحت عنوان «نجوم الدب الأكبر السبعه» بالإضافه إلي ثلاثه دواوين من الشعر الغنائي.

     و لا شكّ أن تحرّر الشعر الفارسي من القافيه الموحده هو الذي ساعد الشعراء علي نظم المطوّلات التي اعتمدوا فيها نظام المثنوي حيث يستقّل كل بيت بقافيه خاصه، علي عكس الشعر العربي الذي تقوم فيه القصيده علي وحده القافيه. و رغم هذا العائق، فإن شاعرا فذا كعمر بن الفارض استطاع أن ينظم قصيدته المعروفه بالتائيه الكبري أو نظم السلوك في أكثر من سبعمائه بيت و هي أطول قصيده في تاريخ الشعر العربي كله.

     و يذكّرنا أسلوب الشعراء الفرس في إيراد الحكايات الرمزيّه و النوادر و الحكم بأسلوب حكماء الشرق القدامي و خاصه الطاويّين منهم، و رغم هذا الشبه الواضح فإنّ أحدا لم ينتبه إليه ـ علي حدّ علمنا بما في ذلك الغربيون الذين درسوا آثار هؤلاء الشعراء.

     و كان من الطبيعي أن تحظي هذه الآثار الخالده باعجاب القرّاء في مشارق الأرض و مغاربها، فكثرت ترجماتها و شروحها إلي اللّغات الشرقيه كالعربيه و التركيه و الأرديه قبل أن يتلقّفها الغربيون فيما تلقّفوه من آثار صوفيه عربيه و يولوها العنايه التي نعرف.

     و لهذا الاهتمام الفائق بالتصوف الإسلامي عموما ما يبرره، فالكتابات الصوفيه لا تخضع لزمان أو مكان بعينهما، بل تتمرّد عليهما و تتجاوزهما لتظل محافظه علي توهّجها و نضارتها البكر فلا تبلي و لا يصيبها الضمور. و لأنها تصدر عن تجربه روحيّه حقيقيّه، فإن أثرها في النفوس لا ينقص بمرور الزمن، بل يزداد بازدياد حاجه البشر إلي الزخم الروّحي. فلا غرابه إذن أن يسلخ المستشرق البريطاني نيكلسون ثلاثين عاما من عمره في دراسه و تحليل و ترجمه مثنوي جلال الدين الروّمي، و أن يوقف المستشرق الفرنسي ماسينيون حياته كلها تقريبا علي دراسه الحلاج و يؤلّف عنه موسوعته الشهيره «عذاب الحلاج»، و أن يحظي محيي الدين بن عربي بكل هذا الاهتمام من لدن الباحثين و الدارسين. و يمكن القول، بدون مبالغه، إنّ النّص الصوفي يحمل حداثته في ذاته و من هنا تخطيّه لحدود الزمان و المكان الذي أشرنا إليه.

 

مولانا بين رحله الشتاء و الصيف:

     و لعل جلال الدين الرومي هو أكثر هؤلاء الأعلام حظوه لدي الشرقيين و الغربيين علي حدّ سواء إذا ما استثنينا الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي. فهو، باتفاق الجميع، أكبر شاعر صوفي عرفته البشريه حتي اليوم. فما من شاعر غنّي المحبه و الجمال كما غنّاهما هو، و ما من شاعر غاص في أعماق النفس البشريّه كما فعل هو، و ما من شاعر ألهب قلوب العشاق كما ألهبها هو.

     و يعتبر مثنويّه، علي ضخامته ـ سته مجلدات ـ من أكثر الكتب رواجا و شهره حتي سمّي بـ«القرآن فارسي» لكثره تداوله و شرحه و حفظ الناس لأجزاء منه. و يعود سبب هذا الانتشار الواسع، في جزء كبير منه، إلي فرقه المولويه التي أسّسها مولانا جلال الدين الرومي و المنتشره في أرجاء واسعه من العالمين العربي و الإسلامي

     ولد جلال الدين عام 1207 في مدينه بلخ. و قد لقّب بالروّمي نسبه إلي أرض الروّم (بلاد الأناضول) حيث قضي معظم حياته. كان أبوه بهاء الدين ولد من كبار علماء الدين و كان يتمتّع بنفوذ معرفي و ديني واسع حتي أنّه لقب بسلطان العلماء و كان له موقف من المشتغلين بالفلسفه و علم الكلام من أبناء عصره، منهم فخر الدين الرازي. و قد تتلمذ بهاء الدين علي الصوفي الكبير نجم الدين كبري، موسس الطريقه الكبرويه تنبّأ بغزو المغول لمدينه بلخ فنصح أتباعه و مريديه بمغادرتها قبل فوات الأوان. و هكذا غادر بهاء الدين ولد موطنه صحبه أسرته. و حسب ما رواه مؤرّخو سيره مولانا جلال الدين، فإن قافلته كانت أشبه بقافله الملوك و الأمراء إذ ضمت حوالي ثلاثمائه جمل تحمل أثاثه و مؤونته و مكتبته الضخمه.

     كان جلال الدين آنذاك في الخامسه أو السادسه من عمره، أخذت الأسره تنتقل من مدينه إلي أخري، و في نيسابور التلقت بالشاعر الصوفي الكبير فريد الدين العطار. و تذكر الرّوايات أنه أخذ الطفل بين يديه و أهداه نسخه من منظومته «أسرار نامه»، متنبئا له ببلوغ أسمي المقالات الصوفيّه و بأنه «سوف يضرم النار قريبا في قلوب كل العشاق».

     و قد ظل جلال الدين طيله حياته يكن تقديرا خاصا لصاحب «منطق الطير»، الذي قال عنه: «لقد اجتاز مدن الحب السبع أمّا أنا فلّما أزل في منعطف أحد الشوارع».

     لم تمكث الأسره طويلا في نيسابور، فقصدت بغداد و منها إلي مكه ثمّ إلي لارندا (قرمان الآن) حيث أقامت سبع سنوات. و خلال استقرار العائله في هذه المدينه قام جلال الدين بعدّه زيارات لكل من حلب و دمشق. و كان قد التقي، في إحدي زياراته السابقه لحلب صحبه والده بالشيخ الأكبر فصاح هذا الأخير عند رؤيته: «سبحان الله محيط يمشي خلف بحيره».

     بعد هذه الرحله الطويله استقّر المقام ببهاء ولد و عائلته في قونيا حيث وافاه الأجل.

     لقد تزامن هذا الانتقال الدائم الذي قطع الشاعر خلاله مسافات طويله سواء صحبه أسرته أو بمفرده مع تكوينه الأوّل علي يدي والده ثمّ أصدقاء هذا الأخير فيما بعد، فكانت رحله علي مستووين: جغرافي و روحي. و هذا السفر يكاد يكون سمه يشترك فيها معظم المتصوفه و أهل الذوق في المراحل الأولي من حياتهم لأنّه عاده ما يكون موازيا لرحله أخري أكثر طولا و أبعد غورا هي البحث عن الحقيقه أو عن شيخ يأخذ بيد السالك و يوجّهه الوجهه الصحيحه ..

     بعد مرحله التكوين و اكتسابه معارف عصره و تفوقه فيها تولي جلال الدين التدريس في مدينه قونيا حيث تزوّج من فتاه جميله ذات حسب و نسب و قد حظي بعطف سلطانها السلجوقي، فطاب له العيش في هذه المدينه الخصبه ذات الجمال الأخاذ حتي أن العرب أطلقوا عليها اسم «أم البلاد» لما امتازت به من رغد العيش و طيب المناخ.

     و بفضل ما كان يتمتّع به من علم غزير و من قدره علي التأثير، تحلّق حوله عدد كبير من الطلاب و محبي العلم. و كان حتي ذلك التاريخ لم يؤثر عليه اهتمام واضح بالتصوف أو نظمه للشعر و لعله أخفي ذلك لسبب من الأسباب أو للحفاظ علي صورته كفقيه و رجل دين يلتزم بحرفيه النص لا يحيد عنه.

 

و اشتعلت نيران الحبّ:

     في عام 1247 التقي مولانا، و كان في الأربعين من عمره بشخص غريب الأطوار يدعي شمس التبريزي، و هو درويش رحاله لا يقّر له قرار فقلب حياته رأسا علي عقب و تحوّل الفقيه الورع و رجل الدين المتّزن إلي شاعر و صوفي لا يكاد يفيق من شده وجده. لقد أضرم هذا الدرويش في قلب مولانا من الحرائق ما لا طاقه له به فانفجر فيه ينبوع الشعر و أدرك فجأه أنّه اهتدي إلي الطريق الذي خلق من أجله، و أن لقاءه بشمس تبريز كما كان يسميه لم يكن من باب الصدفه و إنّما كان أمرا مقدرا. و قد وصف لقاءه بهذا الدرويش الجوال و ما أحدثه فيه من تحول عميق فقال:

     عندما اشتعلت نيران الحب في صدري

     أحرق لهيبها كل ما في قلبي

     فازدريت العقل الدقيق و المدرسه و الكتاب

     و عملت علي اكتساب صناعه الشعر، و تعلمت النّظم

     لقد وجد مولانا في شمس التبريزي الإنسان الكامل الذي بلغ أسمي المقامات العرفانيّه فيما وجد شمس في مولانا الإنسان الوحيد القادر علي استيعاب و إدراك ما وصل إليه من كشوفات و مراق كان ينوء بأسرارها وحده إلي أن قادته إلي قونيا.

     و تروي كل المصادر التي تضمنت سيره الشاعر الصوفي الكبير أن مولانا أخذ الدرويش الجوّال إلي داره و بقيا منفردين في خلوه لمده أربعين يوما، يتناجيان و يتبادلان الأسرار. لم يدر أحد ما دار بينهما بالضبط لكن المؤرّخين و تلاميذ جلال الدين الروّمي يتّفقون علي أن هذا الأخير قد حقق الكمال الصوفي علي يدي شمس التبريزي بعد أن لقّنه، أثناء خلوتهما، من المعارف و الأسرار ما جعله أهلا لذلك.

     و قد استحوذ هذا الدرويش علي الشاعر و أثّر فيه تأثيرا غيّر مجري حياته تماما فانصرف عن تلاميذه و الوعظ في المساجد ليتفرّغ للتأمل الصوفي و كتابه الشعر و إنشاده.

     لم يتحمل طلبه مولانا أن يروا أستاذهم و هو منصاع كل ذلك الانصياع لهذا الغريب فأضمروا له العداء و بدأوا يضايقونه فسافر خفيه إلي دمشق. فحزن جلال الدين الرومي لفراق صديقه حزنا شديدا، و لما ساءت حاله ذهب ابنه الأكبر سلطان ولد إلي دمشق و عاد بشمس. لكن حنق الطلاب عليه اشتد أكثر من ذي قبل فاختفي من جديد إلي غير رجعه هذه المره. و تذهب أكثر الروايات إلي أن تلاميذ مولانا و مريديه هم الذين قتلوه بتحريض من ابنه الثاني علي. و قد عبّر مولانا عن فجيعته بأستاذه و شيخه في أكثر من قصيده تنضح ألماً و لوعه:

من ذا الذي قال إن شمس الروّح الخالده قد ماتت

و من الذي تجرّا علي القول بأن شمس الأمل قد ولّت

إن هذا ليس إلا عدوّا للشمس وقف تحت سقف

و عصّب كلتا عينيه ثم صاح: ها هي الشمس تموت

     لقد مرّ شمس التبريزي مرور النيزك في حياه مولانا ثم اختفي فجأه تاركا في قلبه حرقه لا تنطفيء كان من نتيجتها ديوان شعر كامل تجلّت فيه عبقريته الشعريه كأحسن ما يكون التجلي هو ديوان شمس التبريزي الذي كتبه تخليداّ لذكري صديقه و موجّهه الروحي. و تنضوي قصائد هذا الديوان تحت ما يسمي بالغزل الصوفي و هو فنّ قائم بذاته برع فيه الشعراء الفرس إلي جانب براعتهم في فنّ آخر هو الرباعيات فتاره يناجي الشاعر محبوبه:

أيّها الحبيب إني أر طربّا في الكونين بدونك     

لقد رأيت كثيرا من العجائب و لكني لم أر عجبا مثلك

إن الاحتراق بالنار يصيب الكافر

و لم أر محروما من نارك سوي أبي لهب

     و تاره أخري يتّحد مع المحبوب و يصّور لنا ذلك بلغه المحب الذي توحد بمحبوبه حدّ الفناء:

ما أسعد تلك اللّحظه حين نجلس في الإيوان أنا و أنت

نبدو نقشين و صورتين لكننا روح واحده أنا و أنت

لأن لون البستان وشدو الطيور يهبنا ماء الحياه

في تلك اللحظه التي تذهب فيها إلي البستان أنا و أنت

و تقبل نجوم الفلك رانيه إلينا بأبصارها

فيجلو القمر نفسه لتلك الأفلاك أنا و أنت

أنا و أنت بدون أنا و أنت نبلغ بالذوق غايه الاتحاد

فنسعد و نستريح من خرافات الفرقه إليّ أنا و أنت

و سيأكل الحسد قلوب طيور الفلك ذات الألوان البارهه

حينما تشاهدنا نضحك جذلين علي تلك الصوره أنا و أنت

     و رغم كل هذه الأهميه التي احتلها في حياه مولانا، فإن كتب التراجم لا تكاد تقدّم لنا شيئا يذكر عن شمس التبريزي. و الأرجح أنه كان ينتمي إلي الملاماتيه و هي فرقه صوفيه يظهر أفرادها عكس ما يبطنون كأن يأتوا أفعالا مشينه لتأليب العامه ضدّهم، و قد كان التبريزي لا يؤدّي الفرائض و لا يتورع عن شرب الخمر و شتم الناس في الساحات العامه، و هذه كلها ممارسات عرف بها الملاماتيه.

 

نهر من الشعر:

     و إذا كان شمس التبريزي قد ألهم مولانا ديوانا كاملا، فإنه كان أيضا وراء نظم «المثنوي»، أعظم آثار الشعر علي الإطلاق و لكن بصوره غير مباشره هذه المرّه. فقد حث أحد المريدين أستاذه علي نظم عمل ملحمي طويل ينسيه ما تركه فيه فراق شمس من حزن ولوعه فما كان منه إلاّ أن استجاب لنصيحته. و هكذا بدأ هذا النهر الهادر بالتدفق فكان الشاعر يدخل فيما يشبه الغيبوبه و يشرع في إملاء ما تجود به قريحته علي إيقاع بعض الآلات الموسيقيّه و من حوله مريدوه يسجلون ما يقوله. و كان إذا اشتد به الوجد يقوم من مكانه و يطفق يدور حول أحد الأعمده و الشعر ينثال من فمه انثيالا إلي أن يسقط علي الأرض و قد أنهكه التعب، و ظل علي تلك الحال سنوات طويله كانت حصيلتها سته مجلدات ضخام تضم سته و عشرين ألف بيت من الشعر. و قد جاء في المقدّمه التي وضعها المؤلّف بالعربيه: «هذا كتاب المثنوي و هو أصول أصول أصول الدين في كشف أسرار الوصول و اليقين، و هو فقه الله الأكبر و شرع الله الأزهر و برهان الله الأظهر، مثل نوره كمشكاه فيها مصباح يشرق إشراقا أنور من الإصباح و هو جنان الجنان ذو العيون و الأغصان، الأبرار فيه يأكلون و يشربون و الأحرار ففيه يفرحون و يطربون، و هو كنيل مصر شراب للصابرين و حسره علي آل فرعون و الكافرين».

     و يقوم المثنوي علي مجموعه ضخمه من القصص يرويها الشاعر بأسلوب رمزي، مستشهدا بالقرآن الكريم و بالأحاديث النبويّه و الحكم و الأمثال القديمه. و رغم أن أصول الكثير من هذه القصص معروفه و سبق لشعراء أو حكماء آخرين تناولها إلاّ أنها هنا تبدو و كأنها تروي لأوّل مرّه لما أضفاه عليها جلال الدين الروّمي أخّاذه. كما تجلّت في هذا المؤلف الضخم ثقافه الشاعر الواسعه و قدرته علي توظيف مصادر هذه الثقافه بكل عناصرها الإسلاميه منها و الوافده علي حدّ سواء. ولئن طغي الطابع الفلسفي و التعليمي علي بعض القصص إلاّ أن ذلك لم ينقص شيئا من شاعريتها و توهّج لغتها، و هذه ميزه أخري ينفرد بها شعراء الفرس.

     و من أهمّ المواضيع التي عالجها المثنوي قضيّه الإنسان و أصله الإلاهي و حنينه الدائم إلي هذا الأصل، تماما مثلما يحنّ الناي إلي غصن الشجره التي قطع منها. و قد افتتح الشاعر عمله الملحمي بحديثه عن الناي و نغماته الحزينه، و هي هنا كنايه عن الروّح في حنينها إلي أصلها:

استمع للناي كيف يقصّ حكايته      فهو يشكو آلام الفراق قائلا:

إنني منذ قطعت من منبت الغاب      و الناس، رجالا و نساء يبكون لبكائي

إني أنشد صدرا مزّقه الفراق حتي      أشرح له ألم الاشتياق

فكل إنسان أقام بعيدا عن أصله      يظل يبحث عن زمان و صله

لقد أصبحت أنوح في كل مجتمع و ناد      و صرت قرينا للبائسين و السعداء

و قد ظن كل إنسان أنه أصبح رفيقا      و لكنّ أحدا لم ينقّب عمّا كمن في باطني من أسرار

إن صوت الناي هذا نار لا هواء فلا كان      من لم تضطرم في قلبه مثل هذه النار

و هذه النار اللتي حلت في الناي هي نار العشق

     و الحديث عن الناي يحيلنا مباشره إلي الحديث عن الموسيقي التي شغف بها مولانا، و من هنا حضورها الطاغي في شعره، فقد كان يحسن العزف علي أكثر من آله موسيقيه، كما كان يستعين بها و هو يلقي قصائده علي مريديه أثناء مجالس السماع. فلا غرو إذن أن تكتسي الموسيقي كل تلك الأهميّه في تجربته الروحيه، و لا غرابه أن يشبّهها بصرير باب الجنّه و هو يفتح علي مصراعيه.

 

المولويه: رمزيّه الرقص و السماع

     لم يكن جلال الدين الرومي هو أوّل من أدخل السماع إلي حلقات الذكر، و لكنه كان الأكثر احتفاء به، أمّا أوّل من نظم حلقات المولويه في صورتها التي تعرف بها الآن فهو ابنه سلطان ولد، فأصبحت قونيا في عهده مركزا يضم التكيه (الزاويه) الأم بعد إنشاء عدد من التكايا في المدن الأخري.

     و كان المولويه يحظي بشرف تقليد السلطان سيفه عند جلوسه علي العرش، و هذا دليل علي المكانه المرموقه التي كانت تحتلها هذه الطريقه لدي الأوساط الحاكمه و عليه القوم، حتي أن كثيرين من الأمراء و السلاطين قد انتسبوا إليها. و ظلت الموليه محل إجلال و تقدير طيله العهد العثماني إلي أن ألغاها كمال أتاتورك عام 1926 و أغلق جميع التكايا في تركيا، عندها تحوّلت تكيه حلب إلي مركز تنضوي تحت لوائه كل التكايا الأخري.

     و تقوم المولويه علي عناصر ثلاثه أساسيه هي الموسيقي و الرّقص و إنشاد الشعر و تحديدا شعر مؤسّسها مولانا جلال الدين، و قد تعدّي تأثير هذه الطريقه حدود الحلقات الصوفيّه ليشمل فنونا أخري كالأدب و الرّسم و الخط، يشهد علي ذلك كثره الشعراء الفرس و الأتراك ممّن حذوا حذو مولانا في غزلياته و ما تحتويه المكتبات و المتاحف و منها متحف قونيا ـ من كنوز و مخطوطات نادره من بينها المخطوط الأوّل للمثنوي ذي المنمتمات الرّائعه و المزيّن بالذهب.

     و حلقات السماع، بما فيها من رقص، هي تجربه كونيه، و طريقه للوصول إلي الحقيقه أي الله. و هو ما عبّر عنه جلال الدين الرومي نفسه عندما قال: «هناك طرق عديده تؤدّي إلي الله و قد اخترت طريق الرقّص و الموسيقي». و من أقواله الأخري المأثوره عن الموسيقي قوله: «في توقيعات الموسيقي يحتبئ سرّ لو كشفت عنه لتزعزع العالم»، و يضيف متحدثّا عن الرّبابه: «إنّها ليست سوي وتر يابس و خشب يابس و جلد يابس لكن منها يخرج صوت المحبوب».

     و ترمز الرّقصه الدائريّه التي يؤديها الدراويش ـ من هنا تسميتهم بالدراويش الدوّارين ـ إلي دوره المجرات في الفضاء الشاسع، و إلي كل ما يتحرك في الطبيعه من كائنات. أما حفل السماع فيجري علي النحو التالي، يدخل الرّاقصون إلي الحلبه مرتدين ثنايا بيضاء هي رمز للكفن و قد تجلببوا بمعطف أسود يمثل القبر و علي رؤوسهم قلنسوه طويله من اللّبد هي صوره لشاهده القبر. ثم يدخل بعدهم الشيخ الذي يمثّل الوسيط بين الأرض و السماء، فيحييّ و يجلس علي السجاده الحمراء التي يذكّرنا ل