في مواجهة الادب المستورد والهابط

لابد من ادب اسلامي هادف

 

 

زكية حسين

 

تواجه الامة الاسلامية في العصر الحالي، غزوا ثقافيا شرسا ، يهدف الى استمرار التلسط والهيمنة الاستعمارية عليها، وربطها بالفكر الغربي ومنعها من التحرر والتقدم.

وكان الآدب ومايزال من أهم المجالات التي خصصت لهذا الغزو، وقد تكفل الادباء المقلدون الذين تربوا على موائد الثقافة الغربية، بهذه المهمة الخطيرة واصبحوا نجوما روادا في عصر التبعية والتقليد، وذلك بتحقيق اهداف الغرب الاستعماري .

فقد سعوا الى عرض النموذج الغربي الادبي للجماهير باعتباره النموذج الامثل تحت شعارات التمدن والتحديث والتجديد والمعاصرة ، بينما كانت تلك الاسماء غطاء للتغرب والتبعية، التي كانت السمة الغالبة لمعظم الانتاج الادبي خلال قرن كامل من الزمان.

وفي مواجهة هذا  الكم من الآدب المتغرب والمنفصل عن طموحات الامة الاسلامية التي تجاهد من أجل التحرر والتقدم ، برزت دعوة جادة ومخلصة الى التمسك بالهوية الثقافية والمشاركة الواعية في صنع الحضارة العالمية من موضع المستقبل المتحرر المدرك للتمايز الحضاري والانساني.

وقد ادرك اصحاب هذه الدعوة ان الاسلام هو هوية هذه الامة وذاتها والاساس الذي قامت عليه حضارتها الاولى ، ومن ثم لابد من ان تعيد تشكيل مستقبلها على هداه، والا فالبديل الوحيد هو الانسحاق في احضان الغرب والانكسار النفسي والحضاري امام تقدمه المادي، واستمرار سيطرته العسكرية والثقافية.

ومن هنا، فقد رفض اصحاب هذه الدعوة، البديل الهش المتمثل في التقليد الاعمى للنموذج الحضاري الغربي في مجال الآدب، وطرحوا ضرورة انتاج أدب اسلامي ينبثق من التصور الاسلامي الشامل للكون والحياة.

ان الادب كسائر الفنون تعبير مستوح عن قيم حية، تختلف من نفس الى نفس، ومن بيئة الى بيئة ، ومن عصر الى عصر، ولكنها في كل حال تنبثق من تصور معين للحياة، والارتباطات فيما بين الانسان والكون، وبين الانسان واخيه الانسان.

ومن العبث محاولات تحرير الآدب أو الفنون عامة من القيم التي يسعى للتعبير عنها مباشرة او في الحس الانساني والا فلن نجد بين ايدينا سوى عبارات خاوية وصماء.

وللاسلام تصور معين للحياة، تنبثق منه قيم خاصة لها، فمن الطبيعي اذن أن يكون التعبير عن هذه القيم ووقعها في الانسان نفسه ذا لون خاص.

وأهم خاصية للاسلام ، انه عقيدة فاعلة تملآ فراغ النفس والحياة، وتستغل الطاقة البشرية في الشعور والوجدان والحركة ، فلا تبقي فيها فراغا للقلق والحيرة، ولا للتأمل الضائع الفاقد للهدف السامي.

وقد جاء الاسلام لتطوير الحياة وترقيتها، لا للرضا بالواقع ولا مجرد تسجيل مافيها من نزعات وقيود على المدى البعيد، مهمة الاسلام دائما دفع الحياة الى التجدد والتطور والرقي، ودفع الطاقات البشرية الى الانطلاق والسمو.

ومن ثم، فالادب المنبثق من التصور الاسلامي للحياة، يدرك ان البشرية قوة، ومهمته رفع البشرية وتطويرها وترقيتها لا تبرير ضعفها او تزيينه . ولايملآ هذا الآدب فراغ الانسان باللذائذ الحسية، انما يملآ فراغ حياته ومشاعره فالاهداف البشرية التي تطور الحياة في ضمير الفرد وواقع المجتمع.

وليست وظيفة الادب الاسلامي ، تزوير الشخصية الانسانية او الواقع وابراز الحياة البشرية في صورة مثالية لاوجود لها، انما هو الصدق في تصوير القدرات الكامنة او الظاهرة في الانسان، والصدق كذلك في تصوير أهداف الحياة اللائقة بالبشر.

الادب في التصور الاسلامي. أدب موجه بحكم ان الاسلام حركة تصوير مستمرة للحياة، فهو لايرضى بالواقع ولا يبرره لمجرد انه واقع، فمهمة الادب الرئيسية، هي تغيير هذا الواقع وتحسينه، وايجاد الصور الرائعة في الحياة، ويعمل على تكريم الانسان ورفعه عن درك الخضوع للحاجة والضرورة، واطلاق انسانيته المبدعة من الانحصار في الطعام والشراب وحاجات الجسد على كل حال.

واما الآدب الرخيص فهو يدغدغ الغرائز ، ويثير كوامن الجنس ويعري الانسان من ثوب الانسانية، فيرده حيوانا هائجا مشغولا بملذات الجسد، هو الصدى المباشر لمحاولة الاستعمار صرف الامة الاسلامية عن اخلاقها وتقاليدها وشغلها عن كفاحها المقدس ضد الظلم والطغيان.

بينما الادب الحقيقي هو الذي يتعايش مع مشاكل المجتمع وهو الصدى المباشر ليقظة الجماهير الاسلامية ضد الاستعمار الغربي واعوانه، من فقر وجهل ومرض وخرافة وجمود.

ان الاسلام خليق بان يتردد له صدى في عالم الآدب، وأن يجد له استجابة معبرة في نفوس الادباء لصلاحيته الكاملة للتأثير، ولخلوه من نقاط الضعف والمثالية المجردة والواقعية الهابطة.

 

الادب المقبول والادب المرفوض

 

يعرف رجال الآدب والمتخصصون، الادب بكل اجناسه، بأنه لغة العاطفة، بينما المنطق والعلوم الرياضية والطبيعية والفلسفة انما هي لغة العقل ، ولذا فأن الادب، مجاله العواطف والضمائر ، كما يدعى الادب بفن التلاعب بالعواطف.

ومن هنا، كان للآدب رسالته الاجتماعية التي لاتنمو الا في وسط اجتماعي، حيث يحيها التجمع ويبث فيها روح الخصب والنماء.

اذن فلا حياة بدون ادب ولا أدب اذا انعدمت الحياة، لآنه رغبة تخالط النفس البشرية وتمتزج بها كحاجة تلامس اغوارها لتفصح عن مكنوناتها، وتعرب عما تجيش به عواطفها من شكوى وحنان وكتاب ومديح ورثاء وحماسة وفخر وعظات وحكم ودعابة، ومن ثم كان لاداة التعبير هذه، تأثير بالغ الاهمية على القلوب ايجابا وسلبا.

فحيثما سما الآدب ، كان فنا صادقا في توجيه المجتمع نحو الخير والحق والجمال، وقد تنعكس الصورة وتنقلب حين يصبح الادب تعبيرا عن عواطف مريضة وامزجة منحرفة، عندئذ سيثير في المتلقي ميلا للرذيلة ، وحبا لمقارفة الانحراف  وارتكاب الموبقات.

لذلك كان للقرآن الكريم موقف من الشعر، صريح وواضح، حيث اصدر حكمه، ولكنه لم يعمم بل استثنى ، لينبه الى حقيقتين:

الاولى: ان القرآن يعتمد على فن القول البليغ كوسيلة نبيلة في هداية العقول وتوجيه القلوب الى الايمان الذي يصدقه العمل ويؤكده التطبيق كحركة فاعلة خالية من شوائب الفساد، بعيدة عن مواقع الزيف والخداع.

اما الحقيقة الاخرى : فأن القرآن تجنب أن يذم الشعراء لكونهم بلغاء ادباء يجيدون فن القول وبراعة الابداع، ولكنه ذمهم وانكر على من آثر الهيام في اودية الضلال، كالكذب والنفاق والغزل الداعر.

واذا كانت بلاغة القول تحمل في طياتها نور الهداية فأن للغواية، مكانا قد تمتد اطرافه لاستهداء من انحرفت بهم سبل الحياة وسحرهم بريق الاغواء.

«والشعراء يتبعهم الغاوون... ألم ترأنهم في كل واد يهيمون... وأنهم يقولون مالايفعلون... إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات» الشعراء 224/226/227.

وعليه ندرك ان القول قد يبلغ قمة البلاغة في التعبير عن أسمى معاني الخير والحق، لكنه بانفصاله عن الحركة الفاعلة النزيهة، يكون عقيما غير منتج، وزيفا خاليا من نور الحقيقة.

فالادب الراقي لم يرفضه القرآن بل حث عليه، لانه يثير فيناشعورا اخلاقيا، كالاعجاب بالبطولة مثلا، واحتمال الألام في سبيل اعمال جليلة ، لانه يبعث على تربية الذوق، لتزداد الحياة قوة وبهجة.

أما الادب الذي ينضح لذة حسية وانحرافا مشينا فهو ادب مرفوض، لاينبغي ان ينال أي تقدير او احترام، بل يجب اهماله لخطورته على مسيرة الامة.

ان براعة الآديب، تجعله يستطيع التأثير في القارىء من خلال وصفه للمواقف والمشاعر والحوادث، فقارىء القصة مثلا يندمج مع اشخاصها ويتفاعل مع مواقفها، فإن كانوا في مواقف رفيعة، تمنى لو كان مكان احدهم، وان كانوا عكس ذلك ، ازدراهم ومقتهم كثيرا.

ومقياس هذا التأثير يعود الى شخصية الاديب من حيث تشبعه بروح الاخلاق الكريمة التي تعكس صدق براعته التي تنبع من صلته بخالقه، تلك الصلة التي تضفي على نتاجه الآدبي، سموا خلقيا فتبث في نفوس قرائه حبا للقيم والمواقف الانسانية النبيلة.

لآن الاديب ، هو ذلك الانسان المرهف الحس والمعبر عن مشاعر الجماهير، المتمسك بمبادىء خلقية ترسم له الطريق، ليضع هدفا ساميا يحققه في نهج الآلم والعناء.

فكلما فقدت الاصالة، هبط الآدب ، وبهبوطه واغراقه في مستنقع الابتذال ، يقع الانفصام والانحطاط. وعندما يخلو الادب من عنصر التوجيه الهادف الى الحق والخير والجمال، يصبح فن التلاعب بعواطف الجماهير، ديدن المنحرفين والغاوين.

 

الادب.. مسؤولية كبرى

 

تقول الدكتورة «مكارم الديري» وهي استاذة الآدب والنقد بجامعة الازهر ، وواحدة من  رموز الآدب النسائي الاسلامي: لقد حاول بعض النقاد، صياغة أدب اسلامي ولكن تناثرت كتاباتهم بين الدوريات والكتب النقدية، وهذا يجعلني اقول: ان الادب الاسلامي لايزال في مجال التكوين، وليس هناك أدب اسلامي بالكم الذي يمكن إحصاؤه ودراسته بحجم الادب العلماني.

والادب الاسلامي ليس من المفروض ان يتحدث عن الاسلام فقط، ولكن يجب ان يلتزم بالقيم والاخلاق، ولايسلط الضوء على الانحراف والانحلال الخلقي، كما يجب عليه ان يرتقي بالمشاعر ويحارب الرذيلة، ويصورها في صورة هزيلة ضعيفة ذات آثار خطيرة على قيم المجتمع.

وتعتقد الدكتورة الديري بأن الادب لا جنس له، فالآدب تعبير جميل عن الكون والحياة، والنفس والمشاعر والاحاسيس ، والتجارب الخاصة التي يمر بها رجل او أمراة على السواء ، والتعبير عن قضايا المجتمع من خلال رؤية معينة للآديب أو الاديبة لا علاقة له بجنسه.

فالاديب يجب ان يعرف جيدا انه لايعيش بمعزل عن المجتمع ولا يكتب لنفسه فقط ، ولكنه يعيش في مجتمع يؤثر ويتأثر به، لذلك فأن حرية الابداع يجب أن يكون لها حدود معينة لايتجاوزها الاديب.

 ولو كان الادب الذي يقدمه الاديب المسلم للمجتمع غير هادف، فعلى الاقل نطلب منه الا يكون له اثر سلبي على المجتمع، فكل كلمة يكتبها الاديب مسؤولية كبيرة، لآنه لايكتب لنفسه فقط وانما يكتب لمجتمعه، هذا المجتمع يتكون من افراد واهم مرحلة يجب الاهتمام بها هي مرحلة المراهقة ، فالشاب او الفتاة، ياخذ كلمات الآديب ، كمسلمات لا تحتاج الى مجرد التفكير فيها حتى لو كانت خاطئة ، ويحتج بها كمبرر لافعال خاطئة يرتكبها.

لذلك ينبغي على الكاتب او الاديب المسلم ألا يكتب كلمة واحدة قبل أن يفكر فيها جيدا ، وأن يحرص حرصا شديدا على عدم التجريح وتناول الاعراض، واذا كان يعبر عن قصة او قضية فعليه ان يعبر عنها بصدق وجدية، وألا يجنح الى الامور التي تدفع الى الانحلال واثارة الغرائز أمر ضروري حتى يستطيع الآديب أن يصل برسالته الى قلوب قرائه ويؤثر ايجابيا على سلوكهم.

وبعض الادباء لايهمهم سوى الايداع والخروج بقضايا ادبية لا وجود لها، مثل: الحداثة وحرية كثيرة لاتعبر عن ذات المجتمع وليس لها فائدة او اهمية، بالاضافة الى الانشغال بافكار واراء غربية لاتتناسب مع مجتمعنا الاسلامي، وما تزال قضايا المجتمع ومشاكله كما هي، بل زاد عليها الضعف والخنوع.

 

لا للآدب المكشوف

 

وهناك رأي يطالب بضرورة الحرية المطلقة وعدم التقيد بالاخلاق، وهم دعاة «الادب المكشوف» ويرون ان من حق الآديب ان يكون حرا في تثوير هذه الطبيعةولاشك ان الكتابة المكشوفة في الادب المعاصر هي امر متصل الى حد كبير بنظرية الفن للفن وان من حق الكاتب ان يصور الغرائز والعواطف على نحو حر  كل الحرية دون أن يتقيد بأي قيد.

وقد سقطت هذه النظرية في البيئات التي ظهرت فيها، ولم يتحقق لها الاستمرار او البقاء ، فقد كان الآدب له الغلبة دائما في هدفه وهو التسامي بالنفس الانسانية ودفعها الى الامام، وافساح الطريق امامها للقوة والايجابية والسعادة والكمال.

بقي ان نعلم ان جوانب الانحراف ليست الا صورا ضئيلة في حياة المجتمع، واعتقد ان رسم هذه الصورة على النحو المكشوف الصارخ هو تجاوز على الحق والصدق ، وهو يعطي صورة توحي بغير الواقع، ولذلك فهي تنزع عن الكاتب اولى صفات الحرية وهي الامانة والاخلاص.

والمعلوم ان كتاب الجنس هم في الاغلب منحرفون ، وهم بكتاباتهم هذه لايمثلون المجتمع وانما يمثلون الاهواء النفسية التي تتضارب في اعماقهم، وربما صحبها انحراف يوقع الى اثارة هذا الفن واذاعته على انه صورة واقعية للحياة.

 

 المصادر

1 - نحو أدب اسلامي عالمي جديد - الدكتور سليمان صالح.

2 - منهج الادب - سيد قطب.

3 - حوار هادف مع استاذ الاجيال الدكتور مصطفى الشكعة.

5 - منزلة الادب في الحياة - احمد جهان - صحيفة الدعوة الاسلامية - العدد (611).