|
قلب
كبير علياء
الانصاري
كانوا ستة،
وسابعهم
فؤاد. هكذا بدأت
سنية
الخادمة
حديثها ونحن
جلوس في
حديقة
المنزل عصر
يوم ربيعي
جميل،
وتابعت وهي
تضع صينية
الشاي على
الطاولة:
جيراننا
لزمن طويل ،
منذ كنا
صغارا كنا
معا، السيد
فؤاد رجل
محترم، وذو
قلب كبير،
ولكن صولات
الدهر
لاترحم. قالت لها
امي وهي تضع
كتابها
جانبا
وتتناول كوب
الشاي: اجلسي
يا سنية
واخبريني
بقصة هذا الـ(فؤاد)
الذي ما
فتئتي من
الصباح
تذكرينه. جلست سنية
وهي تقول:
والله حرام
يا سيدتي ما
حل به، لو
ترينه لتصدع
قلبك له...
انما اذكره
امامك لعلمي
بانك سيدة
ذات قلب رؤوف
ويد كريمة. نظرت اليها
امي وقالت
مداعبة:
تعرفين كيف
تصلين الى
مرامك؟ سنية بحماس:
اسمعي قصته
واحكمي
بنفسك. قلت لها
وانا اقضم
قطعة من
البسكويت:
اسرعي
بحديثك ، لدي
موعد بعد نصف
ساعة. قالت
باستنكار:
تستطيعين
الانصراف
ياست مها،
انما عنيت
والدتك
بالحديث. ضحكت امي
وقالت: تكلمي
يا سنية. شرعت سنية
تسرد علينا
قصة فؤاد:
توفي السيد
عبد الرحمن
والد فؤاد ،
تاركا سبعة
اولاد
اكبرهم
فؤادا الذي
يبلغ من
العمر
الثامنة عشر
عاما، في نفس
العام الذي
كان من
المقرر ان
يدخل فؤاد
الجامعة،
ترك السيد
فؤاد دراسته
وجلس في دكان
ابيه يدير
شؤونه، منذ
ذلك الحين
اتخذ على
نفسه عهدا ان
لايتزوج حتى
يكمل اخوته
دراستهم
ويصبح كل
واحد منهم
قادرا على
ادارة شؤون
حياته،
وكلما
استنكرت
نسوة الحارة
عزوف فؤاد عن
الزواج وهو
الشاب
الجميل،
الملتزم ،
الطيب ،
تجيبهن امه
قائلة: لقد
اتخذ على
نفسه عهدا ان
لا يتزوج حتى
ترسو سفن
اخوته الى بر
الامام. ومرت
السنين،
وكبر الصغير
، وشاخ
الكبير،
اخذت الحرب
اخويه فاضل
وفريد وهما
في مقتبل
العمر،
وتوفيت امه
على اثر ذلك.
تزوجت اخته
فاطمة
وسافرت الى
اوروبا مع
زوجها، وبعد
عام بعثت
وراء اختها
فاهمة لتكمل
دراستها
وقيل انها
تزوجت هناك،
ولم يبق معه
سوى فضيلة
وفاخر،
فضيلة الان
طبيبة كبيرة
تقضي معظم
وقتها في
عيادتها
ومستشفاها،
لا تجد متسعا
من الوقت
لتسأل عن
اخيها،
وفاخر ضابط
في الطيران
الحربي، لا
وقت لديه
ليسأل عن
اخيه. صمتت سنية،
فقلت مستغلة
سكوتها الذي
يندر: مسكين
هذا الرجل. اسرعت سنية
الى القول: بل
هو ضحية،
ضحية للجفاء
وعدم الوفاء
، لقد اشتد
مرض السكر
بالمسكين،
وضرب في
الأونة
الاخيرة على
عينية، لقد
اصابهما
العمى ، لقد
فقد بصره منذ
ستة اشهر. انحدرت
دمعة على
وجنتي امي،
فقلت متأثرة:
من معه؟ من
يقضي شؤونه؟ سنية وهي
تمسح دموعا
متطايرة:
مازال
الجيران
يذكرون
احسانه
اليهم، فقد
كان دكانه
مفتوحا لهم
في كل وقت كما
قلبه، كان
كريما،
رؤوفا
بالجميع،
يحترم
الكبير،
ويعطف على
الصغير،
يساعد
المحتاج ،
ويعود
المريض،
لذلك لم
يتركه اهل
حارته كما
فعل اخوته،
يعطفون
عليه، تغسل
له ام احمد
ثيابه،
واذهب بين
حين وآخر
لتنظيف
بيته، ولكنه
يأبى ان
نطهي له شيئا
، يقول علي :
ان آكل مما
تصنعه يدي.
ارجوك يا
سيدتي ان
تتحدثي مع
سيدي ليجد له
عملا ما، اي
شيء يحفظ
له ماء وجهه،
لقد باع
دكانه قبل
عامين ليؤمن
نفقات دواء
وعلاج مرضه،
واظن بانه قد
انفق كل ما
ادخره من
مال، لقد
اجتمع
البارحة
رجال الحارة
ليجمعوا له
بعضا من
النقود ،
ولكن لا اظن
بانه
سيأخذها
منهم.. قلت وانا لا
أكاد اصدق
بان هناك على
وجه الارض
قلوبا قاسية
كقلوب هؤلاء
الاخوة:
واخته
الطيبة؟
واخوه
الضابط؟
اختاه في
اوروبا؟ هل
يعقل ان
يتركوه؟ قالت سنية
بوهن: انهم لا
يعلمون
بحاله؟ انهم
لايسألون
حتى يعلموا. قلت بحماس:
حاولي ان
تحصلي على
عناوينهم،
اكتب انا
اليهم، اذهب
الى هذه
الطبيبة
واتحدث معها. هزت سنية
رأسها قائلة:
ولكن السيد
فؤاد لا
يوافق، يقول:
دعوهم
وشأنهم، لقد
تعبوا في
حياتهم
كثيرا،
لاقوا من
الفقر
والحرمان
الشيء
الكثير،
الأن بدأت
حياتهم،
الأن فتحت
لهم الدنيا
كنوزها ،
ليعيشوا
براحة ، لا
تثقلوا
عليهم
باخباري،
ولا تزعجوهم
بطلباتي،
انا اعرف
جيدا كيف
اتكفل أمري ،
لا أريد منهم
شيئا. قلت: ما أكبر
قلبه. قالت
والدتي
بتأثر: بل
قولي ما أشد
ألمه ولوعته
لجفاء اخوته... سنية وقد
بدأت
بالبكاء: آه
يا سيدتي
مايؤلمني هو
عزوفه عن
الزواج، لو
كان قد تزوج
لكان ابنه
الأن في
مقتبل
العمر، بعد
كل كدحه
ونضاله سنين
عمره، ها هو
وحيد ، مريض
يقضي بقيه
عمره في
الظلام. *
*
* انتظرنا
مجيء سنية
هذا الصباح
بلهفة وشوق... قلت مخاطبة
امي: دعيني
انا اخبرها
بالامر. ابتسمت
والدتي
الطيبة
وقالت: حسنا. وعندما
وصلت سنية
استقبلتها
بمرح وانا
اقول: ابشري
يا سنية، لقد
تحدثنا ليلة
امس مع ابي ،
سنأتي
بالسيد فؤاد
الى هنا، الى
بيتنا،
سنسكنه في
بيت الحديقة
مع العم
اسماعيل
البستاني،
سيتعاون معه
في الاشراف
على الحديقة
وتنسيقها،
لقد تقرر ان
يصحبك العم
اسماعيل
اليوم اليه
ليتحدث معه
بهذا الشان،
ما رأيك بهذا
الخبر؟ اطرقت سنية
ارضا،
فتبادلت
وامي
النظرات
الحائرة ،
وتساءلت امي:
ماذا هناك يا
سنية؟ ألم
يفرحك
الخبر؟ رفعت سنية
رأسها عن وجه
مبلل
بالدمع،
فقلت لها
وقلبي
ينبأني بخطب
عظيم: ماذا
هناك يا
سنية؟ شهقت سنية
وقالت بلوعة:
خرج السيد
فؤاد ليلة
البارحة
ليشتري
دواء، طلب
منه صبيح
البقال ان
يصحب معه احد
اولاده،
ولكنه رفض
وقال له بان
عليه ان
يعتاد على
قضاء حوائجه
بمفرده، لقد
اشترى دواءه
وقفل راجعا،
يبدو انه بحث
عمن يمسك
بيده ليعبر
الشارع فلم
يجد احدا، لم
يجد احدا
يمسك بيده
ليعبر الى
الضفة
الاخرى ، لا
احد ، لا احد
يا سيدتي آه...
عبر بمفرده... اختنقت
سنية
بعبرتها،
وفهمنا كل
شيء... مضى على
الحادثة ما
يقارب
العام، وما
زال شبح
السيد فؤاد
الذي لم اره
يرافقني في
كل اوقاتي... كيف يمكن
لهذا القلب
الكبير ان
ينتهي على
قارعة
الطريق بهذه
السهولة؟ كيف يمكن
لهذا القلب
المضحي ان
يخف وجيبه
وحيدا ، بصمت
وهدوء... اين
هي القلوب
التي ضحى
لاجلها؟ كيف يمكن
للانسان ان
ينسى
بسهولة، ان
يتنكر
للمعروف
بسهولة، وان
لا يكون وفيا
بسهولة؟ يا ترى
بماذا كان
يفكر السيد
فؤاد وهو
يعبر الشارع
وحيدا؟ يا ترى كيف
توقف وجيب
هذا القلب
الكبير ؟ |