الشاعر قيصر امين بور

 

بين زنزانة الالم ونافذة الامل

 

عبد الرحمن العلوي

 

الشاعر قيصر امين بور شاعر معاصر يتميز برهافة الحس وعمق الفكرة وجزالة اللفظ. ويعد ممن يشار اليهم بالبنان من بين شعراء الفارسية في هذا اليوم.

ويطغى على شعره في معظم الاحيان طابع الرمز واللجوء الى لغة الاستعارة بدلا من لغة الصراحة، ربما  ان اسلوب المجاز يمنح المرء قابلية اكبر للتحدث بحرية ودون ان يشعر بالحرج ، او لان اللغة الرمزية تقدح القريحة وتشحذ الشاعرية وتفتح امام الشاعر ابوابا تعجز اللغة الواقعية عن فتحها.

والطابع الاخر الذي يمكن ان نقول بانه يطبع معظم قصائد الشاعر قيصر امين بور ، هو طابع الالم. فنجد شعره يزخر بالالم ويقطر حزنا ويفوح لوعة. وليس المه - كما يبدو - من نوع الالم الذي يعاني منه الناس، او يتحدث عنه الاخرون، انه الم من نوع آخر ، قد لايستطيع حتى الشاعر نفسه ان يعبر عنه في بعض الاحيان، بل ويعتبره جزءا منه وممثلا له في احيان اخرى.

نراه يقدم لنا صورة غير واضحة عن آلامة لكنها مثيرة في ذات الوقت:

آلامي ليست ثوبا

كي اخلعها

ليست قصيدة

كي اصبها في قالب الكلام

ليست صرخة

كي اطلقها من ناي الروح

آلامي ليست مما يقال

آلامي كامنة

آلامي وان كانت ليس مثل آلام اهل الزمان

الا انها آلام اهل الزمان

اذن فهو يعتبر آلامه آلام الاخرين الذين يعيشون في عصره، رغم انها ليست مثل آلامهم! اي انه يريد ان يقول لنا ان الاخرين لا يعرفون حتى آلامهم ولا يشعرون بها او انهم يشعرون بالام غير آلالام التي كان لابد لهم ان يشعروا بها. بكلمة يريد الافصاح عن الحقيقة التالية وهي انه يدرك الالام الحقيقية للناس ويعاني من هذه الالام حتى وان لم يتحسسها الناس انفسهم.

الالم ليس امرا عابرا في حياته، وليس موجة مثل اية موجة اخرى ترتفع ثم تهبط ، انه جاثم على صدره، وملتصق بعينيه، ومنغمر في اعماق قلبه، لذلك يقول:

تقلب يد الالم

دفتري

وينطق الالم

شعري الجديد

اذن فعن اي شيء اتحدث؟!

فحينما يقلب الالم دفتره الذي ربما يريد به دفتر حياته، وحينما ينطلق شعره من الالم نفسه، اليس من حقه ان يتساءل بحيرة:

اذن فعن اي شيء اتحدث؟

من حقه ان يقف مبهوتا وعاجزا عن الحديث ، فالكلام الصادر من الالم لايقوى على وصف الالم، وظلام الغرفة المنبعث من الليل هل بامكانه ان يصف الليل؟!

الالم في حقيقة الامر شعور ووجدان وضمير.. لذلك ليس بامكان المتألم من هذا النوع ان يعبر عنه بالكلمات نثرا او شعرا ، سيما اذا كان هذا المتألم شاعرا مثل قيصر امين بور ذا روح مرهفة وطبيعة حساسة ومعايشة صادقة للواقع . لذلك نراه يعتبر الالم اسما ثانيا له بل نفسه:

الالم ليس كلاما

الالم، اسمي الاخر

فكيف انادي نفسه؟

اذن فهو الم متحرك على مسرح الحياة، وحينما يصبح هو الالم، ويصبح الالم هو، فهل بامكانه ان يصف هذا الالم او يشير اليه او يحدد ملامحه؟

ونراه في بعض الاحيان يحاول بطريقة واخرى تجسيد بعض هذا الالم الكبير في بعض الصور والمشاهد، وبامكاننا ان نقف من خلالها على جزء من بواعث ذلك الالم:

منذ مدة وانا اشعر

وكاني اكثر رمادية من السنتين المنصرمتين

اشعر بان الوقت متاخر الى حد ما

لم يعد بامكاني ان اولد وانا ابن العشرين متى شئت

يبدو ان فرصة دموع الحادثة قد انتهت

لم يعد بامكاننا ان نفعل مالم يستطع الاخرون فعله

الوقت طويل للحديث اشعر وكان اسمي اعوج قليلا

وكذلك اسم اسرتي امضائي الجديد

 لم يعد مثل امضاء ايام الصيف ليتني

 اجد ذلك الزقاق ثانية

ليتني

 اجد ذلك الزقاق ثانية

 ذلك الزقاق الذي فقدت فيه يوما اسمي فجأة

وضاعت فيه خاطراتي

نستشف من هذه الابيات الرمزية انه يبحث عن ذاته في خضم الالم، ولربما لا يريد بها ذاته بالذات ، بل يريد بها ذات الانسان الذي يعيش في عالم يفرض عليه كل شيء ويحاول ان يصبغه بصبغته منتزعا منه ارادته ومحطما اختياره.

ومن الطبيعي ان تختفي البسمة من بين الشفاه في ظل هذا الجو الذي ينبعث فيه الالم من كل شيء:

منذ زمن طويل

وانا ادخر ابتسامتي النحيفة في القلب ليوم الحاجة

ولكن لايوجد في صفحات التقويم

يوم باسم يوم الحاجة

ذلك اليوم مهما كان

هو شبيه بالامس

شبيه بالغد

يوم مثل هذه الايام

لكن من يعلم؟

ربما يكون هذا اليوم، يوم الحاجة ايضا!

وحينما تختفي الابتسامة او تخزن ليوم الحاجة ـ على حد تعبير الشاعر - لابد وان تمتزج بالجرح المنبعث منه الالم، بل وتتحول نفسها الى جرح ايضا، وهذا ما عبر عنه الشاعر بالصورة التالية:

ابتسامتنا تحولت الى جرح

وجروحنا بلغت العظام

وقبلاتنا تآكلت

اخفينا قبلاتنا العظامية

بين طيات الجرح

منذ مئات السنين

ونحن نرقد الجروح الجافة المتصدعة

في باطن طيات الملح

والكسبة الرسميون الدوارون

ابتسامتهم المثلجة

على موائدهم للفرجة

اذن فالجروح التي يحملها الشاعر في قلبه ليست جروح اليوم او الامس انها جروح مئات السنين، اي انها جروح البشرية التي ادمت قلوبها الوان الاضطهاد والتفرقة والعنصرية وشتى اشكال الاجحاف واضاعة الحق.

ونظرا لمعايشة الشاعر للالم والذي هو في الواقع تعبير عن معايشة العالم للالم في ظل الاوضاع غير المطلوبة، فقد تحول هذا الالم لديه الى حالة عادية، بل تآلف معه حتى لم يعد يراه غريبا عليه، ولم ير في سلوكه المتالم ما يدعو لتعجب الاخرين ودهشتهم:

سلوكي طبيعي

ولكن لا ادري لماذا

كل من يراني من اصدقائي ومعارفي

في هذه الايام، يهتف من بعيد:

يبدو ان لك حالا اخرى لكنني

مثل باقي ايامي

ساكت وهادىء

بعناويني البسيطة

وبنفس السلوك المعتاد

اشعر في هذه الايام

اني ابكم قليلا احيانا

ورأسي يدور بي قليلا احيانا

اشعر اني احب هذه الايام اكثر

قليلا من الايام السابقة

لا اخفي عليك

اني اغني مع الاحجار احيانا

واعرف قدر هذه اللحظات جيدا

 منذ الليلة الماضية ارى لاول مره

ان اسمي الصغير ليس كبيرا ولا مهيبا كثيرا

في هذه الايام

لم اعد اعرف شعرات رأسي البيضاء

قد احتفل على مدى يوم كامل احيانا

تكريما للحظات صغيرة

اموت في اليوم الواحد مائة مرة.

وفي غمرة هذا الالم الذي لم تخبو في نفسه جذوة الامل، ولم ينطفىء مصباح التطلع الى ذلك اليوم الذي يخرج فيه من يجتث جذور هذه الالام من صدره، ويزرع بدلا منها البسمة الرائعة التي انتزعت من الشفاه منذ مئات السنين:

هذه الايام حينما تمر، اشعر

 كل يوم ان شخصا في الهواء يصرخ

اشعر ان احدا يناديني

من عمق الطرق المضببة

نغمة صوته المعروفة

مثل عبور النور

مثل صوت مجيء النهار

ذلك اليوم الذي لابد منه، حينما يأتي

سيمتلك العابرون المحدودون

لحظة يرفعوا رؤوسهم

ويشاهدوا الشمس في السماء

ذلك اليوم سيتوقف هذا القطار القديم

لحظة واحدة في السرير الموازي للتكرار

كي تشاهد العيون المتعبة الناعسة

خلف النافذة

صورة السحب في الاطار

وصورة الغابة المقلوبة في الماء

في ذلك اليوم

يبدأ تحليق الايدي الحميمة

بحثا عن الحبيب

سيكون يوم تحليق جديد

يوم فتح جميع الرسائل

اليوم الذي نوقع فيه على اجنحة الحمام

بدلا عن الرسالة والختم والطابع

صناديق البريد في ذلك اليوم:

اوكار الحمام

وينطلق شاعرنا بعد ذلك للتحدث عن ذلك اليوم ايضا بلهجة تنم عن حرقة التشوق وعظمة اللهفة، لانه يوم تنتظره ملايين العيون والقلوب، ولانه يوم تبزغ شمس الامل، تلك الشمس التي بشر بها الانبياء جميعا، ووعد القرآن ببزوغها في يوم ما كي يضاء بها كل قلب وتزغرد حين رؤيتها العذارى:

يوم تقصر فيه يد الالتماس

ويكون فيه الالتماس ذنبا

يوم لا تنام فيه فطرة الله فوق الجرائد

او تحت اقدام السائرين في الارصفة

وهو يوم سيكتبون فيه على الابواب

بخط بسيط:

يمنع دخول ذوي الرقاب العوجاء

ولن تركع الركب المتعبة المغرورة

سوى امام الحب

يوم تكثر فيه الابتسامة

الابتسامة الكريمة

التي لا تضايقها العيون

اليوم الذي لايضطر فيه الشعراء

لبيع ابتسامتهم في غرف القوافي الضيقة

ولا يتم فيه التزايد على قيمة الاحساس

كما هو الحال في اللباس

وتحلق فيه الفراشات المجففة

من بين اوراق كتاب الشعر

ويتثاءب النوم في افواه البنادق

وتلتف خيوط العنكبوت

حول احذية الجنود القديمة

ولاحق فيه للمرأة

كي تكذب على العيون

ولا حق للجدار

كي ينمو بدون نافذة

وتشرق في الشمس

من جيوب اطفال المدرسة

انه يوم بستان الابجدية الاخضر

اليوم الذي لاتصب فيه السماء

في حسرة النجمة

ولا يحتاج الى الاستعارة

ايها اليوم المشمس

انا بانتظار قدومك كل يوم

ولكن اخبرني:

هل أنا واقع في عصر ظهورك؟