رحلتي الي العالم

عبدالرحمن العلوي

 

     كان هناك رجل ابيض ذو عينين زرقاوين يتحدث في اولئك الناس المحتشدين بحراره و حماس فيما كان بعض الجالسين يغط في نوم عميق لا ادري لماذا هم نائمون رغم ان الرجل الخطيب كان يبذل جهداً‌ كبيراً في ان يعي الاخرون ما يقول. كان يقول و هو يضرب بكلتا يديه علي المنضده التي امامه: نحن ندافع عن حقوق الانسان، و لا نسمح لهذا الانسان ان يعيش مظلوماً، و لن نسمح لاحد ان ينتقص من حقوقه نحن في هذه الارض يتمتع عندنا الانسان بكافه الحقوق و علي رأسها الحريه

     و فيما اعددت نفسي لاداء المهمه الجديده، و انتشلت دماغي تماماً من بحر الهواجس و الافكار، قادتني قدماي نحو جهه مجهوله لا ادري ما هي القوه التي كانت تحركهما في ذلك الاتجاه، لكنني كنت ادرك ان هناك يداً خفيه تحركني، او هكذا كنت اتصور و اخذت اتمتم في نفسي تمتمه لا افهمها حتي أنا و لمحت من بعيد حياً او محله او ربما مدينه صغيره لا ادري كانت قابعه حلف عدد من المباني الشاهقه و اخذت عيناي ترقصان بين تلك المباني و ذلك الحي الذي كان يتصاعد منه دخان اسود ما هذا الدخان؟ و استمديت شيئاً من القوه من تلك اليد الخفيه، و انطلقت احث الخطي نحو ذلك الحي علي اقف من خلاله علي اخبار او معلومات جديده عن هذا العالم المغلف بالاسرار، او هكذا بالنسبه لي.

 

سر الحرمان

     اخذت ألج الي حي يخيم عليه الفقر و ينتشر في اجوائه الحرمان اين هو عن تلك المدينه الاولي التي شاهدتها اليس هذا و تلك مكانين من عالم واحد لماذا هذا التفاوت في نمط الحياه، لماذا ذلك الغني و هذا الفقر، و لماذا ذلك التحضر و هذا التخلف؟ اي عالم هذا؟ و قطعت علي نفسي مثل هذه التساؤلات كان علي ان لا اتعجل اصدار الاحكامفلا زالت مهمتي في بدايتها و لابد لي في الوقت الراهن علي الاقل من تسجيل الاحداث فقط و نقل الصوره كما هي.

     المأساه‌ تفوح هنا و الظليمه تعلن عن نفسها في كل زاويه و موضع شاهدت شيوخاً و اطفالاً يفترشون قارعه الطريق و قد تهرأت ثيابهم و اصفرت سحنات وجوههم، اقتربت من احدهم كان في العقد السادس من العمر. وقفت عند رجليه، اخذ قلبي يدق بعنف من اجله كان غائر العينين، مجعد الوجه و الجبين، ممتقع الوجه تماماً، و امتزج العرق المجتمع علي وجهه و جبينه بالغبار المتطاير كان يتكلم مع نفسه بكلمات خافته حزينه ادنيت اذني منه علي اسمع ما يقول الم به سعاد حاد كاد يقفز خلاله قلبه من صدره و بعد ان هدأت نوبه السعال عاد ليقول بنفس ذلك الصوت الخافت: »انهم يحترمون الكلاب اكثر منا و يقدسون القطط و يدافعون عن حقوق الحيوان اما نحن فليس هناك من يدافع عنا من يرفع صورته مطالباً يحقنا في الحياه انهم يحتسون الخمور علي اشلائنا و يرقصون عليها الا يحق لنا ان نعيش«و قطع عليه كلامه سعال جديد و داخلني شعور جديد شعور بالخوف لا ادري لماذا سرت في قلبي موجه خفيه من الخوف هل هو خوف علي مصير مجهول ينتظرني ام من انكشاف الحقائق المرعبه التي يضمها هذا العالم بين دفتيه لا ادري لم اكن اتصور قط ان اجد في يوم ما مخلوقاً يعاني من ظلم المخلوقات الاخري لماذا هذا الظلم؟ هل هناك مبررات له؟ الا يمكن للمخلوق الآخر ان يمد يد الرحمه لهذا المخلوق بدلاً من يد الشر و الارهاب و تعجبت ثانيه من نفسي و انا استخدم في كلامي مفردات لم اعرف لها من قبل اي معني بل و لم اتلفظها مطلقاً ربما في هذا العالم اجهزه خفيه او اي شيء آخر يزود من هم علي ظهره بهذه المفردات و ادركت ربما من خلال اللاشعور او الحدس القائم علي الدليل الموضوعي ان في المدينه الاولي من يقف خلف الظلم الذي يحيق بهذه المدينه و الا لما كان هذا التفاوت في الحياه و الاختلاف في ظروف المعيشه علي الاقل و ساورني شعور بضروره العوده الي تلك المدينه، و التنقيب فيها لعلي اجد مصر الظلم و اسجله للتاريخ و قبل ان انهي تجوالي في هذه المدينه الفقيره المحرومه و الاطلاع علي خفاياها ادرت ظهري لها علي امل ان اعود اليها ثانيه و انطلقت عبر الطريق الذي جئت منه و كنت خلال عمليه العوده افكر في الصور المزريه‌ التي شاهدتها و المناظر المثيره للالم و القرف في نفس الوقت و تمنيت من قلبي لو اني لم اقترف مثل هذا الخطأ التاريخي بالخروج من قريتي القريه الربيعيه التي لا تعرف الخريف، القريه الزاهيه التي تضحك للشمس و القمر، للسماء و النجوم.

 

البحث عن الامل

     جلب انتباهي من بعيد بستان او حديقه كبيره اسرعت نحوها فقيد شعرت بالاعياء و الجوع معاً لابد من الاستراحه و التقاط الانفاس كانت فيها انواع الزهور الحمراء و الصفراء و البيضاء الوانها شبيهه بالوان زهور قريتي شعرت بالفرح و اخذ قلبي يعزف ايقاع الشوق اذن في هذا العالم زهور ايضاً مثل زهور قريتي و اقتربت من زهره‌ كبيره حمراء‌ شبيهه بتلك الزهره التي كانت بالقرب من كوخي و التي كنت اشم رائحتها كل يوم و املأ صدري بعبيرها ادنيت انفي منها- كما افعل مع تلك الزهره- و استنشفتها بعمق و كانت خيبه املي كبيره جداً حينما لم اجد فيها اي عبير!! و صرخت بصوت مشوب بالالم و الحزن! انها زهره كاذبه لا معني للزهره اذا كانت بلا عبير الزهره زهره باريجها و عطرها انها زهره مزيفه و رفعت بصري الي السماء و تمتمت رباه! لماذا كل شيء مزيرف في هذا العالم؟ فهل هذا الزيف هو الذي يقف خلف مأساه ابناء تلك المدينه ام انه جزء من مأساه هذا العالم، و تقف خلفها عوامل  اخري اجهلها ثم خفضت طرحي حياءاً و تذكرت قول الشيخ الذي كان اول من التقيت به في هذا العالم، ذلك القول الذي كان يرن في اذني لفتره طويله لقد قال: لم يكن هذا النهر مالحاً من قبل و لم تكن هذه المآسي،‌ كل هذا الزيف، و كل هذه المظاهر التي تتحدث عن اللاعداله

     و اسندت ظهري الي جذع شجره كبيره لم اشاهد مثلها في قريتي و اغمضت عيني علي اختطف شيئاً من النوم بعد ان شعرت ان النعاس بات يثقل جفنيهما و لا ادري كم هي الفتره التي مضت و انا علي تلك الحاله لكنني عندما فتحت بصري شعرت انني في وضع جسمي و نفسي جيد و لابد لي من النهوض بحثاً عن شيء جديد استرعي انتباهي مبني ضخم بالقرب من تلك الحديقه، و شعرت بالدهشه تغمرني فأين كنت هن هذا المبني؟ لماذا لم ألمحه و انا ادخل الي الحديقه؟ هل كان الاعياء هو الذي حال دون رؤيتي له ام لجه التفكير، حيث يختلف عن باقي مباني هذه المدينه في كثير من الميزات و عقدت العزم علي الدخول اليه و تسجيل ما يجري في داخله اذا ما وجدت فيه ما يستحق التسجيل.

     نهضت من مكاني مسرعاً و اقتربت من ذلك المبني، اخذت اتطلع اليه و علامات الاستفهام ترتسم علي لساني كان قلبي يدق بعنف حتي اني كنت اسمع دقاته لا ادري لماذا فهل هو الخوف ام القلق ام الشوق لمعرفه المجهول كانت هناك بوابه ‌كبيره يقف عندها عدد من الرجال المدججين بالسلاح لماذا هؤلاء الرجال و لماذا تلك الاسلحه؟! و ترددت كثيراً في الدخول قبل ان القي نظره استخفاف ممزوجه بالرثاء علي اولئك المسلحين فلربما فرضت عليهم الظروف- كما فرضت علي- انتخاب مثل هذه المهنه المزعجه كانوا يقفون كالتماثيل بلا حراك و لولا بريق عيونهم و حركه احداقهم لما تصورت ان فيهم حياه

 

الادعاءات

     و دلفت الي داخل ذلك المبني فدخلت الي قاعه كبيره كانت تتدلي من سقفها فوانيس جميله تبعث انواراً باهره، و فيما كنت منبهراً بتلك الانوار و الزخارف التي تزين القاعه ترامت الي اذني اصوات و نحنات فعلمت ان فيها احداً و هبطت ببصري الي الارض و اذا بي اشاهد عدداً كبيراً من المناضد المتراصه و قد قبع خلفها اناس كثيرون تبدو عليهم الاناقه، لكنهم لم يكونوا من عرق واحد، هكذا بدا لي، فقد كان فيهم الابيض و الاسمر و الاصفر لا ادري كيف زجت بهم الظروف في مكان واحد، و من اين قادتهم الاقدار الي هذه القاعه؟ امعنت النظر فلمحت منضده كبيره في صدر القاعه، و كان هناك رجل ابيض ذو عينين زرقاوين يتحدث في اولئك الناس المحتشدين بحراره و حماس فيما كان بعض الجالسين يغط في نوم عميق لا ادري لماذا هم نائمون رغم ان الرجل الخطيب كان يبذل جهداً كبيراً في ان يعي الاخرون ما يقول. كان يقول و هو يضرب بكلتا يديه علي المنضده التي امامه: نحن ندافع عن حقوق الانسان، و لا نسمح لهذا الانسان ان يعي مظلوماً، و لن نسمح لاحد ان ينتقص من حقوقه نحن في هذه الارض يتمتع عندنا الانسان بكافه الحقوق و علي رأسها الحريه

     ربما كنت قد وصلت متأخراً اذ سرعان ما انتهي ذلك الرجل من حديثه و صفق له كل من كان في تلك القاعه حتي نائمون و استولت علي حيره شديده، اذ ان ذلك الرجل كان يتحدث عن اشياء لم اشاهدها ان لم تكن علي العكس مما شاهدته فقيد شاهدت مايدل علي ضياع حقوق الانسان و سحقها في مدينه قريبه من هذه المدينه بل حتي هذه المدينه نفسها كان كل شيء فيها مزيفاً نعم مظاهرها جميله لكنها بدون بواطن، او ان بواطنها تافهه لا معني لها و انحيت باللائمه علي نفسي لاني سارعت ثانيه الي اصدار الحكم و اعطاء الرأي قبل الوقوف بشكل نهائي علي حقيقه ما يجري.

     لمحت ذلك الرجل ذا الحقيبه السوداء يخرج مسرعاً من القاعه، فقررت ان اتبعه، رأيته يزج بنفسه في عربه رماديه انيقه كانت تنتظره عند باب القاعه، صعدت الي جانبه في المعقد الخلفي، خلع نظارته عن عينيه، و اخذ يمسح العرق المتصبب من جبينه بمنديل ابيض، ثم اخرج سيجاره طويله و بدأ يدخن باضطراب و ينفث الدخان من فمه بعصبيه واضحه، ثم يتابع بعينيه حلقات الدخان التي تتبدد شيئاً فشيئاً. لا ادري ما هي فائده هذه السجائر و ذلك الدخان المتصاعد منها.. لكنني كدت اختنق بدخانها حتي تصاعد مني سعال حاد خشيت ان يخرج بي عن حالتي اللامسموعه.. و ترجل بعد مده من الزمن من تلك السياره عند مدخل مبني عجيب آخر، ثم اجتاز و انا اتابعه ممراً طويلاً، خرج من بي عده علي غرفه في وسط الممر.. كانت غرفه فارهه و جميله، فرشت ارضها ببساط مزركش و فيها منضده كبيره خلفها كرسي وثير كبير، و هناك بعض الكراسي الاخري المبعثره هنا و هناك.. و في داخلها كثير من الاشياء الاخري لا اعرف اسماءها و لاعمالها... جلس ذلك الرجل خلف تلك المنضده الكبيره التي تبعثرت عليها الاوراق و الملفات و بعض الكراريس و الكتيبات.

 

الخيبه

     ضغط علي زر الي جانبه فدخل عليه فوراً رجل و سيم ذو زيّ يجلب النظر، فامره ان يأتيه بشيء ما، خرج الرجل مسرعاً ثم عاد و في يده طبق فيه زجاجه خضراء مع قدح، فاخذ يملأ القدح من الزجاجه، ثم يرتشفه و هو يدموم ببعض الكلمات غير المفهومه.. نظر الي ساعته، ثم امسك بسماعه احد الهواتف التي كانت مرتصفه علي المنضده، فتحدث مع شخص ما.. داخل عليه بعد دقائق رجل ذوكرش ممتد الي الامام و عينين جاحظتين و في يده حقيبه سوداء كبيره كان يحملها بصعوبه.. و لا ادري لماذا يحمل هؤلاء الحقائب و ماذا في داخلها.. ربما هناك سر لا اعرفه.. القي ذلك الرجل البدين التحيه ثم تهالك علي كرسي اما المنضده.. قدم له الرجل الاول قدحاً من تلك الزجاجه فاتي عليه في جرعه واحده، ثم تنحنح و قال و هو يحك رأسه بسبابته: كان خطابك رائعاً هذا اليوم يا سيدي! كان مثيراً و مهماً لاسيما علي صعيد حقوق الانسان. فابتسم الرجل الاول بغرور، ثم تحولت ابتسامته الي ضحكه عنيفه اخذ يهتز معها، ثم قال: نعم يا عزيزي.. انت تعلم كم نحرص علي الانسان و حقوقه و كم نسعي كي ينال هذه الحقوق، فسنظل نطالب بها حتي يعلم العالم باسره اننا من رواد الدعاه اليها و المطالبين بها..

     فضحك الرجل البدين هو الآخر ثم قال: انت محق في رايك يا سيدي، فاذا لم نطالب بها نحن فمن الذي يطالب بها؟!

     و اخذ الاثنان يقهقهان بصوت عال و يحتسيان من ذلك السائل و يدخنان السجائر الطويله.. و انا اكاد اتحطم من ذلك الوضع.. تري ما هي حقيقه هذين الشخصين؟ و ماذا يريدان ان يصنعا بالعالم؟ و ما هي حقيقه تلك الحقوق التي يسخران منها؟

     اهكذا هو العالم الموجه بيد هؤلاء؟ اهكذا هي الحقوق و القيم تتحول الي ماده للتندر، و وسيله للخداع و التضليل؟ لا ادري كيف اصدر حكمي و ان اصبحت علي قناعه تكاد تكون تامه في ان هناك من يعمل علي افراغ القيم من محتواها، و ابتلاع العالم باساليب لا اعتقد انها تخفي علي الواعين من ابنائه.

     كان يدور حوار بين الاثنين و انا اطرح مثل هذه التساؤلات واصل الي مايشبه التقييم، و طرق سمعي صوت الرجل الثاني و هو يعقول بحماس: لقد دمرناهم يا سيدي.. انت تعلم بان ليس هناك من يقوي علي معارضتا، و ليس بامكان اي صوت في العالم ان يرتفع فوق صوتنا.. العالم باسره في قبضتنا..

     و قبل ان يتم كلامه، نهض الرجل الاول و ربت بيده علي كتفه و قال له و قد انشرحت اساريره: نعم، يجب ان نحيا نحن و ان مات الناس جميعاً.. اليس البقاء للاقوي.. و لسنا مقصرين ابداً لو سحقت اقدامنا القويه اجساد الضعفاء.. فلابد بعجلتنا ان تنطلق و تدوس علي كل شيء يقف بوجهها.. التاريخ لا يرحم الضعفاء و لا يقدّر سوي الاقوياء.. لغه القوه هي اللغه المنطقيه الوحيده التي يفهمها الآخرون.. و لا معني لكل لغه اخري.. كما ان القيم و المفاهيم لا يكون لها معني الا في ظل القوه، بل ان القوه هي التي تضخ فيها المعني الذي يريده الاقوياء، و لهذا اتخذنا من هذه المفاهيم و القيم وسيله للحفاظ علي مصالحنا.

     و لم اطق سماع المزيد من هذه الكلمات، فهرولت خارج تلك الغرفه و انا اشعر بدوار عجيب في رأسي و اضطراب في قلبي.. كبوت مرتين او ثلاث و كدت ارتطم بالارض من هول الصدمه.. اهذا هو العالم الذي تركت قريتي الوديعه الآمنه من اجله؟

     و فيما كنت استلقي علي الارض، بات شعور قوي بالعوده الي قريتي يضغط علي ضميري.. الا انني ارجأت اتخاذ مثل هذا القرار الي وقت آخر و ريثما يتسني لي دراسه الامر بدقه و مسؤوليه.

 

الوحده العدد 228