الطفل في الشعر الفارسي

بقلم: ضياء الدين ترابي

تعريب: مقداد عبد الرحمن

 

اولى شعراء الفارسية اهتماماً بالغاً منذ القدم بالطفل، وحاجاته، ومشاعره الرقيقة، وتربيته، وكل ما يتعلق بهذا المخلوق الجميل. ولذلك من الصعب جداً ان

نستعرض هذا الموضوع الواسع في هذا المقال القصير، ونكتفي بالقاء لمحة عابرة على شعر بعض الشعراء في هذا المجال.

 

بروين اعتصامي

 

ربما لايوجد بين الشعراء من اهتم بالطفل في شعره كالشاعرة بروين اعتصامي، لاسيما على صعيد الاهتمام بدوره في المجتمع ومتطلباته النفسية والجسمية،

ولها قصائد خاصة بالاطفال ومنها: الفقيرة، وسيئة الحظ ، والروح والجسم، والمعاناة الاولى، وصاعقتنا ظلم الاغنياء ، والقلب الجريح، ودموع اليتيم ،

والطفل اليتيم وغيرها.

وتحدثت في «الفقيرة» عن طفلة صغيرة فقيرة حضرت في حفلة ضيافة:

دعيت طفلة صغيرة لحفلة ضيافة

فوجدت نفسها بين بعض الصغيرات

فعبست هذه بوجهها

وجرت تلك ثوبها

وأشارت احداهن الى رقعته

وضحكت الاخرى على ضيقه

وحينما لقيت تلك الطفلة الفقيرة مثل هذا السلوك، فتحت شفتيها متحدثة عن انها بلا أم ولا مال، معبرة عن لوعتها وحرمانها من الام:

متى رأيت قبلة أم ؟

فالدمع هو الذي يقبل وجهي

ما أسعد الطفل الذي لديه  الآم

وما احلى العين التي ترى وجه الآم

كانت امي جوهرة حياتي

فسرقها غراب الدهر مني

وتحدثت في «سيئة الحظ» عن زوجة الآب وطريقة تعاملها مع طفلة صغيرة، وتذمر تلك الطفة منها، وشكواها من الدهر الذي جعلها بدون ام:

كانت الطفلة الصغيرة تشكو:

القضاء جعلني من غير أم

فجاءت غيرها وجلست في البيت

ونهجت نهجاً  آخر وطريقة اخرى

ورمت حذائي الآحمر

وارتدت فساتين امي

وباعت معضدي وقلادتي الذهبية

واتخذت في مثنوي «الروح والجسم» من الطفل ذريعة للحديث عن الانسان وقيمته الروحية والجسمية،لاسيما حينما قالت في نهايته:

لو نظرنا بعين القلب ايها الصديق

لوجدنا انفسنا مثل ذلك الطفل

ثوبنا الملون : طمع وهوى

وكل مايحل بنا، من طمعنا

هوانا كثير وعقلنا قليل

عمرنا طويل، ولكننا اطفال

وتجلت روح « بروين » المرهفة في شعرها الأخر «القلب الجريح» وفي قالب قصة مؤلمة، تحدثت فيها عن طفل يتيم الاب والظروف التي يمر بها:

بكى طفل في حجر امه بمرارة

فقال ان اطفال الزقاق لايكترثون بي

طردني طفل منهم دون ذنب

وجرح كلامه ليس اقل من جرح المبضع

لماذا لايود الاطفال التحدث معي؟

اليس طفلاً ، من ليس له أب ؟!

وعبرت الشاعرة عن ردة فعل الام ازاء شكوى ولدها بالابيات التالية:

ضحكت وقالت: ذلك الذي سخر من فقدك

لاعلم له بقطرات دموعك المنسابة

لاتسأل عن حياة ابيك

فلم يكن يملك سوى الفأس والمنجل

إبتاع هذا الحصير القديم بألف عناء

ثوبه كان بدون غم تارة

وبدون بطانة تارة اخرى

تحمل الآذى الكثير ولم يعبأ به أحد

عاش مجهولا لآنه لم يملك أرضاً ومالاً وذهباً

وتنعكس في «الطفل اليتيم» روح الشاعرة المرهفة وعاطفتها البيضاء بشكل واضح جداً والتي صورت لنا فيها ما يختلج في ضمير الطفل وروحه:

كسر طفل جرةً فبكى

وقال: أخشى العودة الى البيت

ماذا أصنع لو سألني الاستاذ عن الجرة؟

انها جرته وليست جرتي

كسرت الجر ةُ الكسيرةُ قلبي

والآيام لا تعمل سوى الكسر

ماذا افعل لو طلب الاستاذ غرامةً

فالخجل ليس أقل من الموت

وتستمر في هذه اللغة الشعرية المؤثرة الى ان أخذت تحدث الطفل عن حياته:

الاطفال يأكلون البسكويت

وأنا لا املك الخبز اليابس

ثوبي لايشتريه أحد بقرش واحد

وتستمر بروين في تصوير خلجات صدر هذا اليتيم تصويرا رائعا وموثرا، الا اننا نكتفي بهذا المقدار منه، ولو لم يكن لبروين سوى هذه القصيدة في الطفل

لعُدت في طليعة شعراء الفارسية الذين اولوا الطفل كل هذا الاهتمام، فكيف ولديها العديد من القصائد في هذا المضمار، ومنها القصيدة التالية:

وضع الاستاذ لوحة على رأسي حينما قال

ليس هناك طفل غبي مثلك

غير اني قرأت وكتبتُ كل سطر

ولكن لا حظ لي في القراءة والكتابة

ان حظي عاثر

وليس التقصير من «حطي» ولا «كلمن»

رماني الدهر بجميع أحجاره

ولم يبق في جعبته حجر

ماذا أصنع ودار الزمان مدمرة

ولا يأمن قلبٌ من جفائها

 

جلال الدين البلخي

 

في مثنويات جلال الدين البلخي الشهير بالمولوي ، والرومي ، العديد من القصص الشعرية التي تتحدث عن الاطفال. ومنها تلك القصة التي أشار فيها هذا

الشاعر العارف الكبير الى اولئك الاطفال الصغار الذين كان يؤذيهم المعلم بطريقة تدريسه الصعبة واسلوبه القاسي، فاقترح عليهم أحدهم طريقة للتخلص

من ذلك المعلم. فعملوا بها مما ادى الى مرض ذلك المعلم وانقطاعه عن حلقة الدرس:

جاء التلميذ وسلم على المعلم وقال:

خيرا! لماذا وجهك شاحب أصفر؟

قال: لا أعاني من شيء

اذهب واجلس يا كثير اللغو

غير ان غبار الوهم حط على قلبه

دخل تلميذ آخر فكرر كلام صاحبه

فازداد وهم المعلم وشكه

وهكذا ، حتى بلغ الوهم ذروته

وداخله العجب من حاله

وهكذا ، تتحدث هذه القصة عن دخول ثلاثين طفلا صغيرا على المعلم واحدا بعد الأخر وكل واحد منهم يسأله عن الشحوب الظاهر في وجهه والذي

لاوجود له في الواقع، وانما هو اسلوب ارادوا به التخلص منه. لذلك اخذ الوهم يستولي على المعلم حتى تيقن بأنه مريض حقا، فشعر بالاعياء والاضطراب،

وانقطع عن التدريس ، فنجح الاطفال في خطتهم ومن الجدير بالذكر ان مولانا لم يكن هدفه من استعراض مثل هذه القصص هو السرد القصصي، وانما

يحاول من خلالها إعداد ذهن القارىء وترويضه من أجل ان يقول بعد ذلك كلمته التي يريد قولها. كما هو الحال في قصة ابناء «عزير» فانهم حينما افتقدوا

ابيهم أخذوا يبحثون عنه الى ان شاخوا وطعنوا في ا لسن، وحينما وجدوه في آخر المطاف لم يعرفوه لآنه لازال شاباً، عدا واحداً منهم:

كان كأبناء «عُزير»

حينما كانوا يبحثون عن ابيهم في الطريق

فشاخوا وهم يبحثون عنه

بينما أبقاه الله شاباً

فالتقوا به فجأة فلم يعرفوه

فسألوه عن ابيهم

وقالوا ان احداً أخبرنا انه سيصل اليوم

قال نعم سيأتي خلفي

فاستبشروا بالخبر

غير ان هذا الحدث قد اتخذه المولوي مقدمة جذابة للدخول الى صلب الموضوع، فقال بعد ذلك:

هذا الحديث لاينتهي فارجع

حتى يرجع موسى من البحر

قيل هذا بما يلائم عقل العوام

بينما أخفي الباقي من الكلام

ذَهَبُ عقلك قليلٌ ايها المتهم

كيف أضرب النقود؟

 

سعدي الشيرازي

 

يعد الشيخ مصلح الدين سعدي الشيرازي أحد اعظم الشعراء الايرانيين، وقد عاش في القرن السابع الهجري، واولى في شعره اهتماما خاصا بالطفل وتعليمه

وتربيته، يمكن ملاحظته في ديوانه المعروف بـ«بوستان»، فضلا عن تعبيره عن هذا الاهتمام في كتابه المعروف بـ«غلستان».

ومما جاء في مقطوعة من مقاطع ديوانه «بوستان»:

انهال العجوز ضرباً لابنه بالعصا

فقال يا أبي لاتضربني فأنا بريء

بمقدوري أن ابكي اليك من جور الناس

ولكن ما حيلتي حينما تظلمني أنت؟

ياصاحب العقل اصرخ الى القاضي

لا أن تصرخ منه

ولم تغب عن بال سعدي شؤون الطفل الدينية والتربوية لذلك نراه يتحدث عن صيام الطفل كالتالي:

سمعتُ بصيام صبي

ولم يحن وقت افطاره الا بعد مشقة بالغة

قبل الآب عينيه والآم رأسه

ونثرا فوق رأسه اللوز والذهب

ولم يتجاهل حتى موقف بعض الأباء من الطفل وشعورهم بالعجز عن توفير لقمة العيش له. نجد هذه الفكرة مرسومة في المقطوعة التالية:

نبتت أسنان الطفل

فغرق ابوه في لجة الفكر

فقال: من اين آتي له بالخبز

وليس من المر وءة ان اتركه

أفضى هذا المسكين بما لديه الى زوجته

فانظر كيف أجابته برجولة:

لا تخدع بأظاليل الشيطان

فالذي يعطي السن يعطي الخبز

 

الفردوسي

 

يُعد الحكيم ابو القاسم الفردوسي اعظم شاعر ملحمي ايراني، وقد أشار على امتداد ملحمته «الشاهنامة» لفترة الطفولة لبعض ابطال هذه الملحمة، لاسيما

في قصته «رستم وسياوش» فكان «رستم» في الشاهنامة بطلا عظيما لا نظير له، قارع العديد من أعداء ايران والطامعين فيها بل وقاتل حتى الشياطين

والغيلان، وطالما كان يهب لنجدة الناس في كل مكان.

اذن فهو موجود اسطوري ولابد ان يكون مولده اسطوريا ايضا. ولذلك فقد اوصت العنقاء ان يخرج من بطن امه في ولادة قيصرية:

هات خنجراً حاداً

وآت برجل بصير شجاع

فانظره كيف يسحر هذا البصير

ذلك الصندوق لاستخراج الآسد

ليشق بطن السرو الآهيف

دون ان يبعث الآلم

ويستخرج منه الشبل

فتغرق خاصرة القمر الدم

ثم خط موضع الشق

واطرد عن قلبك الخوف والحزن

وبهذه الطريقة وُلد «رستم» واحتفلوا بمولده:

اقاموا حفلا في الرياض

من كابل والى زابل

وامتلآ السهل بالراح والناي

وازدان كل مكان بالحفلات

وفي كابل ابتهج مهراب

وأعطى للدرويش دينارا كبشارة

وأشرف «زال» على تربية ابنه الذي ولد بهذه الطريقة حتى تحول الى بطل أسطوري وذاع صيته في ايران والعالم: وحينما ولد لكياووس الكياني ابنه

«سياوش»، انطلق رستم نحو أبيه ، وحينما وقعت عينه على ابنه تفجر الحب في قلبه فاقترح على أبيه ان يودعه عنده لتربيته:

هذا الطفل الشبل

أريد ان اربيه أنا

فأنت غير قادر على تربيته

وليس في العالم مرب افضل مني

ففكر الامبراطور كاووس كثيراً وأنعم النظر في ذلك بالاقتراح، ثم وافق عليه في نهاية المطاف:

اودع قلبه وعينه عند رستم

فحمله معه الى زابل

فعلمه الرماية والفروسية

وكل ما يحتاج وما يجب ان يعرف

كالقضاء والحكم وادارة البلاد

بل حتى الخطابة وقيادة الجيش

وعلمه جميع انواع الفنون

وعانى كثيرا حتى ترعرع