و غربت الشمس و رحل الربيع

عبدالرحمن العلوي

 

     كان للربيع معنا موقف غير هذا .. كانت لنا معه قبل سنوات ذكريات حلوه .. حلوه و رائعه و نابضه بالجمال و الحب و الانتصار .. جاءنا  قبل سنوات في ايام الشتاء .. فحول ذلك الشتاء القارص القاسي الي ربيع مثله .. و تلك الايام البارده الي ايام دافئه كدفئه، و ازاح الغيوم عن الشمس التي اختفت لمده طويله .. فظهرت في احلي حله و في اجمل صوره و ابهي منظر .. نعم طل علينا الربيع آنذلك في الشتاء، فزرع الارض فرحا و حبورا، و عانق القلوب التي انهكها الشتاء، و اشاع الامل في النفوس التي كاد يملؤها الياس، و قرع اجراس الانتصار في كل بيت، و اسرج السرج في كل زقاق، و غرس في كل شارع شجره الحريه

     لم اصدق الخبر. كلا ... لا يمكن ان يكون صحيحا ... انه خبر زائف .. لا حقيقه له .. خبر ملفق .. كاذب .. لا اسمح له ان ينتقل من اذني الي راسي .. و كيف اسمح لمثل هذا الخبر الصاعق ان ياخذ له مكانا في ذهني؟ و ما اكثر الاخبار الكاذبه في ايامنا هذه! و ما اكثر الاشاعات التي تروج!

     لكن الخبر يبث من اذاعه ...

     كلا .. كلا .. لا تكمل العباره، انا لا ادري من اين يبث، و لا اريد ان اعرف من هي الاذاعه التي تبثه، المهم بالنسبه لي ان الخبر غير صحيح و انه مجرد كذبه .. لكنها كذبه غير عاديه .. من النوع الكبير .. كذبه يراد منها ... اوه .. لا ادري ماذا يراد منها، ‌هذا لا يعنيني .. الذي يعنيني بالدرجه الاولي و الاخيره ان لا اصدق ما يقال و ما يبث .. و كيف اصدق به و هو ... كفي لا تكمل هذه العباره ...

     لماذا تحاول ان تنهزم من الحقيقه؟

     ماذا؟ حقيقه؟ ايه حقيقه؟ لماذا هذا الكذب المركب؟ انا علي ثقه من امري .. انا علي يقين ان الخبر لا علاقه له بالحقيقه و لو من طرف بعيد .. كيف تحاول ان تغالطني؟ لماذا تتصيد بالماء العكر؟ لماذا تحاول ان تفرض علي اخبارا كاذبه؟‌ انت تدري جيدا ان الصدق و الكذب قد يقتربان احيانا من بعضهما بحث لا تكاد تميز بينهما ..

     و لكن هذا الخبر ليس فيه شبهه حتي تحاول ...

     احاول؟ ما هذه الخزعبلات .. انك تحاول ان تجعلني اصدق هذه الاخبار التي لا تمت الي الحقيقه بصله .. فانا علي يقين ان امرا مرعبا كهذا لم يحدث .. و ان مصيبه مهوله كهذه لم تقع .. تبا لي .. لماذا اتحدث بهذا الشكل و كان شيئا قد وقع بالفعل؟ آه .. ما هذا الهراء .. ان شيئا لم يقع .. و ان .. و ان ..

     لكن الاذاعه .. الاذاعه تذيع ..

     انها لا تذيع شيئا .. لا اعتقد ان هناك شيئا يذاع .. ابدا .. و ربما هذا الذي يذاع هو جزء من برنامج تمثيلي، ‌او برنامج خيالي ... او اي شئ آخر .. بل ليس هناك ما يدعو الي القلق او الاضطراب .. و هل يصدق الانسان بكل ما يسمعه؟ ابدا ..

     و لكنه خبر ليس من سنخ الاخبار التي لا تصدق!

     لا ادري لماذا تصر علي هذا الراي الاحمق؟ و لماذا تحاول ان تفتح له طريقا الي قلبي .. فانا لا اصدق مثل هذه الاخبار مهما كانت صادقه .. ابدا ليست صادقه .. اخبار ملفقه لا معني لها و لا وجود لها.

     يا الهي لكنك تدرك في قراره نفسك ان الخبر صحيح .. صحيح؟! من قال انه صحيح .. بل و من قال انني في حاله يقظه؟ انني لست يقظا .. انني نائم .. نعم انني نائم .. و هذا الذي اسمعه هو جزء‌ من كابوس يجثم علي صدري انه كابوس مرعب و مخيف .. كابوس يحاول ان يسمعني اسوا الاخبار و آلمها و اقساها .. و الحمد الله ان ادركت انني في كابوس و ان الخبر كان فقره من فقراته المزوعه .. و لابد لي ان انتقض،‌ ان احرك جسمي كي اتخلص من هذا الكابوس الرهيب ...

     و لكن لماذا لا ينقطع هذه الكابوس؟ لماذ لازالت الاذاعه تصر علي بث هذا الخبر .. و لماذا هذه الصرخات و اصوات البكاء التي ترتطم بطبله اذني؟ فهل هي فقرات اخري من فقرات هذا الكابوس الاسود؟

     اوه .. انها ليست صرخات او اصوات بكاء .. انا لا اسمع شيئا من هذا القبيل .. انها اوهام و تخيلات من صنع ... لا ادري من صنع اي شيء ربما من صنع الشيطان .. او من صنع الارواح الشريره .. علي اي حال فهذا لا يهمني .. المهم بالنسبه لي ان لا اكترث لسماع هذه الوساوس .. بل و ان لا اصغ لها علي الاطلاق .. و لماذا اصغي لها و هي بعيده كل البعد عن الحقيقه ..

     لكنك لا تريد ان تعترف بالحقيقه .. لان الحقيقه مره بل و اشد مراره من العلقم!

     حقيقه؟ ايه حقيقه؟ قلت من قبل ان الحقيقه لم يعد لها وجود في عصرنا الراهن .. و لماذا تحاول ان تقدم لي مثل هذه الحقيقه المؤلمه .. ابدا ليست حقيقه .. انها افتراء .. و لماذا تحاول ان تقدم لي هذا الافتراء في لباس الحقيقه؟ انني لست ساذجا الي هذا الحد حتي اصدق،‌ و لست ساذجا الي هذا الحد حتي اصدق، و لست غبيا حتي استسلم لمثل هذه الاشاعات المغرضه التي تهدف .. لا ادري ماذا تهدف .. لا، بل ادري ماذا تهدف .. تهدف الي .. يا الهي ان راسي كاد ينفجر، و عيني تكاد تنفلق،‌ و قلبي يكاد يتشظي .. لا ادري لا ادري لماذا هذا الوضع القلق الذي اعيش فيه؟ و لماذا كل هذه الاضطرابات التي تعصف في دماغي؟ و لماذا .. و لماذا؟

     انك تستسلم للخبر شيئا فشيئا!

     استسلم؟! مستحيل .. ان مثلي لا يستسلم .. و مثلي لا ينهار امام صعق اخبار من صنع المخيلات و الاوهام .. انك لم تعرفني علي حقيقتي انني ليس ممن يصدق الحقائق بسهوله فكيف يصدق الاكاذيب .. فانا اعلم ان بين الكذب و الصدق مسافه اربعه اصابع! انا اعلم ان هناك من يحاول ان يخلط الصدق بالكذب.. و هناك من ينشرح صدره عندما يضحك علي الذقون و حينما يخدع الآخرين ...

     لكن هذه القضيه ليست ضحكا علي الذقون او خديعه، انها قضيه واقعيه.. وقعت بالفعل .. و ها انت تسمع و تري انعكاساتها!

     لا ادري .. لا ادري ماذا اقول .. ماذا اجيب .. ان الدنيا تدور بي و الارض تهتز تحت قدمي .. و الفضاء‌ يضيق حولي ... كلا .. كلا .. لا حقيقه لما اسمع .. لا حقيقه لهذه الاخبار .. من يقول ان هذه الاذاعه ليست اذاعه الاعداء .. ربما هي صوت اميركا او اذاعه الصهاينه .. لا اعتقد انها اذاعه طهران .. فالخبر اذا كاذب و مزور .. الاعداء‌ يعلمون ماذا يعني بث مثل هذه الاكاذيب، و يعلمون مدي تاثيرها علي الناس .. انهم يريدون ان يطعنونا بهذه الاخبار في صدورنا و ينالون من جبل صعودنا .. الخبر كاذب .. كاذب .. هل فهمت؟

     آه .. يا ليت الخبر كاذبا .. و يا ليته يبث من اذاعات الاعداء‌ .. الا انه يبث من اذاعه طهران، و هذا المذيع الذي يقرا الخبر بصوت باك انت تعرفه جيدا .. انه مذيع اذاعه طهران .. و هل هناك حقيقه اجلي من هذه؟

     الهي ماذا افعل؟ هل اصدق هذا الخبر؟ هل اصدق انه يبث من اذاعه طهران؟ و هل اصدق هذه الاصوات الناحبه و هذا البكاء ‌المتعالي؟ هل اصدق ان .. ان .. الهي ان لساني لا يجرؤ علي تلفظ باقي الكلمات. ان ضغلا شديدا يكاد يقتلع قلبي من صدري و يقذف به في الفضاء المجهول .. ان تيارا عاصفا من الالم اخذ يعصف براسي و يمزق تلافيف دماغي و يحولها الي حبات كحبات المسبحه .. لماذا هذه الحشرجه التي اخذت تمسك علي نفسي؟ لماذا هذا الاسوداد الذي راح يضرب لونه علي الكون؟ لماذا هذا الهلع الذي يجلدني بسياطه؟ لماذا هذا الخوف الكبير الذي يستولي علي؟ لماذا اخذت الدنيا تضيق خناقها علي؟ لماذا تحولات الي غرفه شبيهه بتلك الزنزانه التي امضيت فيها سنواتا من عمري؟‌ لماذا اشعر ‌بضيق مؤلم في صدري؟ اين هو الهواء؟ اين هي الشمس؟ لماذا اختفت خلف سحب داكنه سوداء؟ لماذا لا اراها؟ هل غادرت الارض الي الابد؟ لماذا تبدو هذه الاشجار صفراء باهته؟ و لماذا نكست هاماتها و اعلنت الحداد؟ الحداد علي من؟ اين هو اخضرارها؟ اين هي ضحكاتها و ابتساماتها؟ لماذا هذا النشيج؟ من يبكيها؟ من انتزع نضارتها؟ من حولها الي اشباح؟

     اين الربيع؟ و هل يمكن ان يكون ربيع هذا العام قصيرا؟ لماذا لملم اذياله التي كان قد نشرها علي الارض .. علي الطبيعه .. علي الاشجار و الزهور .. علي العشب و الصبير .. علي الطيور و الفراشات .. علي الافنان و الاعشاش .. لماذا غادرنا في الليل دون كلمه وداع واحده .. و تركنا في صيف جاف و قيظ مكفهر لا يطاق؟

     كان للربيع معنا موقف غير هذا .. كانت لنا معه قبل سنوات ذكريات حلوه .. حلوه و رائعه و نابضه بالجمال و الحب و الانتصار .. جاءنا قبل سنوات في ايام الشتاء .. فحول ذلك الشتاء القارص القاسي الي ربيع مثله .. و تلك الايام البارده الي ايام دافئه كدفئه، و ازاح الغيوم عن الشمس التي اختفت لمده طويله .. فظهرت في احلي حله و في اجمل صوره و ابهي منظر .. لقد اسفرت عن وجه ذهبي ساحر و انفرجت شفتاها عن ابتسامه مضيئه عذبه .. نعم طل علينا الربيع آنذاك في الشتاء، فزرع الارض فرحا و حبورا،‌ و عانق القلوب التي انهكها الشتاء، و اشاع الامل في النفوس التي كاد يملؤها الياس، و فرع اجراس الانتصار في كل بيت، و اسرج السرج في كل زقاق، ‌و غرس في كل شارع شجره الحريه ..

     اما اليوم .. فلا ادري لماذا ادر الربيع ظهره لنا، و لماذا غادرنا بهذه السرعه و اطفا كافه المصابيح التي كانت تضيء‌ الدنيا؟ فهل غادرنا الربيع حقا ام اني وقعت ضحيه لسلسله من الاوهام و التصورات الباطله؟

     الهي .. لمذا لا اسمع خرير هذا النهر الذي كان يحمل معه صوت الخلود و ينشد في كل يوم انشوده الورع و الزهد و التقوي .. لماذا هذا التوقف المفاجيء؟ اين تلك الالحان العذبه التي كان يعزفها؟ اين ذلك الهتاف الرباني الذي كان ينطلق من حنجرته المقدسه؟ فهل حدث شيء‌ ما؟ و هل كان وراء هذا الصمت الرهيب واقعه عظيمه؟

     يا ليتني لم افتح المذياع .. بل و ليتني مت قبل هذا .. فهل علي ان لا اصدق الخبر؟ و هل اتجاهله؟ و هل اظل اتصور انني اسمع و اشاهد احداث كابوس رهيب؟ و هل سيغير تجاهلي و تصوري من الحقيقه شيئا؟ هل ... هل ... انني لا اقوي علي تحمل الاعتراف بالواقع .. لا اجرؤ علي تصديق الحدث المؤلم المدمر؟

     اذن فانت قد اذعنت آخر الامر؟!

     ها .. يبدو ان علي الاذعان .. و لكن كيف اذعن؟‌ كيف اصدق؟ و كيف احاول اقناع نفسي لحقيقه ما وقع .. انني لا اتحمل الصدمه .. انها عنيفه .. قاسيه .. شديده الوقع .. ثم كيف ساتصور حياه بدونه .. بدون قلبه النابض بالحب و الرحمه .. بدون طلعته البهيه التي يشع منها النور .. نور الايما و الاخلاص و الصدق .. بدون عينيه اللتين تفيضان حنانا و شجاعه و اباء‌ .. بدون كلماته الهادئه الحازمه التي تشيع السكينه في قلوب الموالين و الرعب في قلوب المعادين .. بدون يديه القويتين اللتين .. يحتضن بهما الامه و يخنق بهما انفاس الطواغيت .. بدون انفاسه المقدسه التي تعبق خيرا و رحمه و بركه؟

     كيف تريدني ان اصدق الخبر و انا اري فيه الامل الذي يدغدغ قلوب المحرومين، و الحلم الاخضر الذي يداعب اجفان المقهورين و المضطهدين في كل مكان،‌ و الشمس التي بزغت هي سماء المستضعفين بعد قرون من الظلام الدامس و العتمه الخانقه،‌ و الشجره الخضراء الوارفه التي نبتت في صحراء الحائرين الذين يبحثون عن ظل يتفياون به و عن واحه يسكنون اليها، و الصوت المدوي الذي ايقظ النائمين من سبات الغفله و الجهل و الخنوع،‌ و الزلزال العنيف الذي اماد الارض تحت اقدام الطغاه و المحتلين و الفراعنه،‌ و الشبح المرعب الذي طارد ظلمه الشعوب و قتله الفضيله و جزاري الحريه، و السيف المشهور في وجوه المستبدين الذين لا يفكرون الا في مصالحهم .. اهدافهم  الشريره .. كروشهم المترهله .. نزاواتهم الطائشه .. لياليهم الحمراء .. قصورهم التي لا تحصي .. بساتينهم و حدائقهم الغناء‌ .. ثرواتهم و كنوزهم .. جواريهم و عبيدهم .. و الذين حولوا بلدانهم الي سجون و زنزانات .. مشانق و مقاصل .. محاكم و دوائر امن .. و ملاوها بالرعب .. بالارهاب .. بالقتل .. بالجور .. بالاعتقال العشوائي .. بالتعذيب .. بالتجويع .. بالحروب .. بالازمات .. بالاضطرابات .. بكم الافواه .. ؟

     كيف اصدق انه قد سافر سفرته الطويله التي لا يرجع منها؟ كيف استسلم لهذا الخبر الصاعق المذهل؟ لا اكاد اصدق ان اذاعه طهران ستعلن في يوم ما عن خبر قاتل كهذا! و هل بامكاني ان اقول انه قد مات .. تبا لي كيف جرات آخر المطاف علي تلفظ هذه الكلمه؟ و كيف سولت لي نفسي اطلاق هذه اللفظه؟!

     لكنه لم يمت .. انه حي فلماذا هذا الانهيار؟ نعم انه لم .. انه حي .. فعظيم كالخميني لا يموت .. العظماء لا يموتون .. اولياء الله احيا‌ء عند الله و احياء في ضمائر الامم .. انه حي فينا .. بل انه اكثر حياه منا نحن الاحياء الخاملون الذين لا نحرك ساكنا و لا نترك علي هذه الحياه اي بصمات .. انه حي بروحه الذائبه في حب الله و بفكره النقي، و نهجه القويم، و خطاه السليمه الرصينه،‌ و مواقفه الحازمه الواضحه، و ذهنيته الاسلاميه الواسعه التي لم تؤطرها حدود الارض و القوميه و العصبيات الجاهليه.

 

الوحده ـ‌ العدد 215