حوار الحضارات أم صراع الحضارات؟!

 

     إن التوجه العام الذي بدأ يلوح في الفكري و الثافي للامم و المجتمعات في مختلف انحاء العالم المعاصر، نحو المطارحات الفكريه و الثقافيه في إطار ما سمي مؤخراً بحور الحضارات، كانت له جذورُ و ارهاصاتُ أفرزته كمقوله دون أن نلحظ له حقيقه واقعيه، لا في النوايا و لا في الممارسات باستثناء طرف المنظومه الاسلاميه الرساليه، و علي رأسها القياده الاسلاميه و نظامها في ايران، حيث بقي الطرف الآخر التمثل بدول الاستكبار بزعامه اميركا و الصهيونيه، و من يدور في فلكهما من دول اوربا و العالم الثالث تحكم من سيطرتها الثقافيه و الاعلاميه و تنحو بالشعوب و الاُمم المحكومه لها نحو التعصب السلبي و النظره العنصريه المتشنجه، و لاتسمح بتكوّن أجواء الانفتاح السليم للتلاقح الثاقي و الحوار الصادق في أوساطها بل تسوقها من خلال تحديث خططها و برامجها المزدوجه بباطن الصراع و النفي للآخر و ظاهر الحوار البرّاق، نحو صوره جديده من صور صراع الحضارات بلباس الحوار الخادع.

     و لو استعرضنا سير الاحداث في الربع الأخير من القرن العشرين لاتضح لنا هذه الحقيقه.

     إن من أبرز تلك الأحداث المتواليه التي أفرزت اوضاعاً و اتجاهات جديده في التماسِّ و التزاحم (سلباً و ايجاباً) بين الحضارات المعاصره و كشفت عن النوايا و الحقائق الواقعيه لدي حمله ألويتها هي:

     اولاً: بروز مخطط استكباري منظم و شامل لقوي الصهيونيه العاميه النافذه في مركز القرار الاميركي و كثير من حكومات دول اوربا، بل و حكومات بعض الدول الاقليميه يهدف إلي تطويع و تطبيق دول منطقه الشرق الاوسط في علميه تثبيت إسرائيل و تقويتها كقاعده استراتيجيه في قلب العالم الاسلامي، و ذلك من خلال الشروع بما يسمي باتفاقيه السلام، و التي كانت أولي خطواتها المعلنه هي اتفاقيه كامب ديفيد بين اسرائيل و مصر في عهد أنور السادات.

     ثانياً: الانتصار العظيم للثوره الاسلاميه الرائده في ايران، و اعلان أول دوله حديثه تقوم علي أساس الاسلام المحمدي الأصيل.

     ثالثاً: صحوه الأمه الاسلاميه و حركتها نحو إبراز هويتها الاسلاميه و التحرر من الاستكبار في أشكاله الثقافيه و السياسيه و الاقتصاديه، و بروز حركات اسلاميه ثوريه علي سطح الميدان السياسي و الجهادي، كحزب الله في لبنان و حركه حماس في فلسطين و حركات اسلاميه في الجزائر و العراق و مصر و أمثالها.

     رابعاً: انفتاح العالم الإسلامي علي الاسلام بافقه الشامل و السعي للتعريف علي معالم اطروحته لبناء الانسان و المجتمع و الدوله.

     خامساً: التحرك الاستكباري المحموم اعلامياً و ثقافياً و اقتصادياً، و سياسياً و عسكرياً لاحتواء  الثوره الاسلاميه و آثارها الجذريه في العالم الاسلامي و خصوصاً في منطقة الشرق الأوسط.

     و كان أبرزها فرض الحصار السياسي و الاقتصادي علي الجمهوريه الاسلاميه في ايران، و دفع النظام العراقي لشن حرب عدوانيه شامله عليه دامت حوالي ثماني سنوات؛ و كذلك إسناد و تبني حركات المنافقين المسلحه داخل الجمهوريه الاسلاميه في ايران لشن حملات التصفيه الجسديه لقاده الثوره و رجالها المخلصين، و العمل علي إسقاط نظامها الاسلامي. و تعبئه دول المنطقه و خصوصاً دول الجوار علي الحذر من ايران الاسلام و تصويرها بأنها تنتهج سياسه تهديدٍ خطرهٍ للأمن و السلام في المنطقه و العالم الاسلامي، و دفع وسائل اعلامها لاختلاق أجواء سوء الظن و التهمه للنظام الاسلامي في مختلف جوانب التماس و التعامل.

     سادساً: انهيار المعسكر الشرقي بقياده الاتحاد السوفياتي و تفكك جمهورياته و استقلالها، قيام مجموعه دول ذات الغالبيه الاسلاميه في آسيا الوسطي، و انتهاء عصر الحرب البارده بين المعسكرين الشرقي و الغربي.

     سابعاً: بسبب الاثار التي تمخضت في  المنطقه و العالم المذكوره أعلاه بدأ العمل علي وضع و تنفيذ المخطط الاستكباري بقياده أميركا و حلفائها و الأوربيين لإعاده توضيب أساليب و أنظمه السيطره و إحكامها علي مناطق العالم الاسلامي (منطقه الشرق الاوسط، منطقه آسيا الوسطي، منطقه جنوب شرق آسيا، مناطق شمال و جنوب افريقيا الخ)، و قد بدأ تنفيذ هذا المخطط الكبير في إطار الخطوات التاليه:

     الخطوه الاُولي: تهيئه الأجواء السياسيه و الأرضيه العلميه لقيام حرب إقليميه ثانيه بين العراق و بعض الدول العربيه المطله علي الخليج الفارسي، و ذلك بعد الحرب العدوانيه للعراق علي ايران، و قد سميت بحرب الخليج الثانيه، و كان من أبرز أهدافها:

     1. خلق الأرضيه النفسيه و الاعلاميه إقليمياً و إيجاد الغطاء القانوني دولياً لعسكره القوات الاميركيه و قوات حلفائها في منطقه الشرق الأوسط، و خصوصاً في الدول العربيه المطلّه علي الخليج الفارسي. و ذلك من خلال اختلاق بؤره خطر دائمه تمثلت بالنظام العراقي الذي احتل الكويت و ضمّها إليه بالقوه، و التلويح المستمر بضرب دول الخليج العربيه الاُخري، و ما اعقبها من مسرحيات تحرير الكويت؛ و إيجاد خطوط عرض محرّمه  علي الطيران العراقي في شماله و جنوبه؛ و إزاله الأسلحه العراقية المدمّره؛ و النفظ مقابل الغذاء و الدواء؛ و صلاحيات لجان التفتيش التابعه للأمم المتحده   و غير ذلك.

     و لعل من أبرز الأسباب التي ألجأت أميركا و حلفائها لاختيار النظام العراقي الحاكم كبؤره خطر جديده في المنطقه هي:

     أ ـ ثبات النظام الاسلامي في ايران و نجاح سياسته الخارجيه و خصوصاً في المجال الاقليمي من تخفيف حده التوتر في المنطقه، و مد جسور التفاهم و حسن النيه مع دول المنطقة مما جعل المقوله الأميركيه بالخطر الاسلامي الايراني الذي يهدد دول المنطقه، يفقد مصداقيه السياسيه و الاعلاميه.

     ب ـ تراكم كمًّ هائل من الأسلحه الاستراتيجيه المدمّره في خزانات الأسلحه العراقيه و هو خطر بحد ذاته، قد يخلّ بحسابات الاستكبار في المنطقه لو فقدت السيطره عليها بسبب أو آخر. الأمر الذي اقتضي دفع النظام العراقي لارتكاب حماقه عسكريه تكون عاملاً مباشراً في جانب، و غير مباشر في جوانب أخري لتحقيق أهداف المخطط الاميركي في المنطقة.

     ج ـ أيجاد حاله من التكافؤ و الموازنه السلبيه في حكايه الخطر المزعوم بين النظام العراقي و الجمهوريه الاسلاميه في ايران بهدف تضخيم دعوي الخطر و من ثم تطبيق ما تسميه اميركا بسياسه الاحتواء المزدوج لكلا النظامين؛ للحفاظ علي أمن المنطقه و التوازن الإقليمي فيها.

     2. إحكام اميركا و حلفائها السيطره المباشره علي منابع البترول في المنطقه العربيه المطلّه علي حوض الخليج الفارسي، باعتبارها جزءاً من الدائره الاستراتيجيه للأمن القومي الاميركي ـ حسب المبدأ المعروف بمبدأ كارتر ـ من خلال التواجد العسكري الواسع في إطار عقد معاهدات و تحالفات عسكريه مع الدول العربيه في المنطقه.

     3. العمل من خلال أجهزه الاستخبارات التي ترافق عاده القوات العسكريه المتواجده في المنطقه علي إحكام الوضع الأمني فيها، و امتلاك قدره أكبر في حياكه المؤامرات و توفير عوامل تنفيذ المخططات الاستكباريه بدقه و اقتدار.

     4. إيجاد حاله من العداء السافر و الاختلاف الحادّ بين دول المنطقه التي انقسمت إلي مؤيد للنظام العراقي أو مشارك له في غزوه للكويت بشكل أو بآخر، و معارض له أو مشارك لردعه عسكرياً، الأمر الذي شتت أوصال الدول العربيه، و أفقدها إجماعها و لو شكلياً في القضايا المصيريه و خصوصاً قضيه فلسطين و القدس الشريف.

     5. من خلال دخول منظمه التحرير الفلسطينيه كطرف مساند، و مشارك أحياناً للعراق في عدوانه علي الكويت، فقد الفلسطينيون وجودهم المعنوي و السياسي بل و حتي السكاني في الكثير من الدول العربيه، و خصوصاً الدول المطلّه منها علي حوض الخليج الفارسي، كما قطعت هذه الدول مساعداتها الماليه للفلسطينيين و منظماتهم الرسميه؛ و ذلك تهيأت الأرضيه المناسبه للدخول في مفاوضات سلام بين دويله إسرائيل المدعومه استكبارياً و منظمه التحرير الفلسطينيه المجرده من الإسناد و الدعم و بالشروط و الاقتدار الاسرائيلي.

     الخطوه الثانيه: إعاده بناء مشروع يسمي بالسلام مع الكيان الصهيوني الغاصب و تقديم أطروحه جديده تأخذ بنظر الاعتبار المستجدات الحاصله في الواقع الاقليمي و العالمي، و شامله تستوعب جميع الفعاليات السياسيه و الاقتصاديه للبلاد العربيه، أنظمه و منظمات عربيه و فلسطينيه، بهدف تكريس الوجود الإسرائيلي، و تمكينه من الهيمنه علي دول منطقه الشرق الأوسط، و الاستحواذ علي مقدراتها و ثرواتها الغنيّه، و احتواء و إجهاض محاولات أسلمه القضيه الفلسطينيه، و القضاء علي محاور و قوي الحركه الشعبيه لتحرير فلسطين علي أساس مقوله الجهاد باعتباره أصلاً من اصول التشريع الاسلامي في التعامل مع الكافر الحربي الغاصب لأرض المسلمين و رقابهم.

     الخطوه الثالثه: عقد اتفاقيات عسكريه و أمنيه جديده بين أميركا و اوربا من جهه، و مع العديد من دول المنطقه الاسلاميه في شمال افريقيا و الشرق الأوسط و بعض دول شبه القاره الهنديه، و آسيا الوسطي و غيرها من جهه أخري، و ذلك بهدف مواجهه ما يسمونه بالاصوليه الاسلاميه و تطلعاتها لإقامه الحكومه الاسلاميه علي هدي و نهج الثوره الاسلاميه في ايران.

     و قد ازدادت فعّاليه أميركا و حركتها المحمومه في توسيع و تأكيد إبرام هذه الاتفاقيات بعد الانتصار الذي حققه الاسلاميون في الانتخابات الجزائريه، و خوضهم جهاداً مريراً ضد الحكومه العلمانيه في الجزائر لإقرار حقهم في إقامه الحكومه الاسلاميه، و كذلك نجاح المسلمين الأفغان في طرد الاستعمار الروسي من بلادهم و إسقاط النظام الماركسي في أفغانستان و إعلانهم قيام نظام اسلامي بديل عنه، و من ثم انتصار السودانيين و إعلانهم إقامه الحكومه الاسلاميه في بلادهم. و كذلك اتساع و تصعيد حركه المطالبه بتطبيق الشريعه الاسلاميه و إقامه الحكومه الاسلاميه في الكثير من بلدان العالم الاسلامي كمصر و العراق و الأردن و دول الحجاز و تركيا و بعض دول شبه القاره الهنديه و آسيا الوسطي و جنوب شرق آسيا.

     كما إن لبروز و اتساع حركات حزب الله الشعبيه في العالم الاسلامي كالتي في لبنان و فلسطين أثراً أساسياً في أحكام و سرعه عقد هذه الاتفاقيات؛ لما تشكله هذه الحركات الاسلاميه الثوريه من عقبه كؤوده أمام المخططات الاستكبار و الصهيونيه في العالم الاسلامي و تهديد كبير لمصالحهم الاستراتيجيه في المنطقه الاسلاميه.

     الخطوه الرابعه: مواجهه المد الاسلامي العالمي بهدف تحجيم و شلّ فاعليته الثقافيه و الحركيه كاطروحه و رساله للحياه أخذت الانسانيه في الانفتاح عليها في أنحاء العالم المختلفه ـ بعد انتصار الثوره الاسلاميه في ايران ـ و محاوله التعرف علي معالمها الفكريه و الثقافيه خصوصا بعد بروز حركه واعيه و هادفه في أوساط المسلمين الأوربيين و المهاجرين في الغرب، تنامي الحس الاسلامي في بلدان المسلمين، و توق شعوب آسيا الوسطي لابراز هويتها الاسلاميه الأصليه بعد انهيار الاتحاد السوفياتي و سقوط الشيوعيه فيه.

     و قد اخذت هذه المواجهه مسارات مختلفه كان من أبرزها شن حمله ثقافيه و إعلاميه مبرمجه لإسقاط هيبه الاسلام و الاستخاف بمقدساته و شعاراته المتميزه؛ لعزل المسلمين اجتماعياً و سياسياً، و محاصرتهم بألوان التهم و الافتراءات، و كذلك العمل علي إيجاد جو من الإرهاب الأمني، و خلق حاله سلبيه حذره لدي المجتمعات الغربيه من المسلمين و مراكزهم الدينيه و نشاطاتهم الاسلاميه للحد من حيويتها و خنق حركتها، خصوصاً بعد بروز ظاهره الاقبال علي الاسلام و اعتناقه في أوساط المجتمعات الاوربيه. و من مسارات المواجهه للمد الاسلامي أيضاً التحرك الميداني الواسع علي كافه الأصعده و الأبعاد؛ لاحتواء شعوب و دول آسيا الوسطي التي استقلت حديثاً بعد انهيار منظومه الاتحاد السوفياتي؛ و ذلك لعزلها عن باقي الشعوب و الدول الاسلاميه، و الحد من درجه تأثرها بالصحوه الاسلاميه و حركتها الثوريه الهادفه لنشر ثقافه الاسلام، و الدعوه إلي إيجاد دعائم تطبيقها و إرسائه في بلدانهم. و في هذا السبيل اندفعت دوائر الاستكبار لدعم و تشجيع الحركات القوميه و العنصريه، و اختلاق صور من الصراع العرقي و الطائفي فيما بين بعض دولها و البعض الآخر، و دفع و دعم الأحزاب و الجماعات العلمانيه المواليه لها للامساك بزمام السلطات و إداره دفه الحكومات في بلدانهم، و عزل القوي و الجماعات الاسلاميه الناميه فيها و منعها من أداء أي دور حركي أو نفوذ سياسي في مواقع السلطه و أوساط القرار.

     إن هذه المستجدات العالميه أفرزت واقعاً جديداً علي صعيد نظام العلاقات الدوليه و علي صعيد توازن القوي العالميه الكبري من جهه و علي صعيد تطلعات الشعوب و الاُمم و فاعليه الحركات الرساليه الرائده في أوسطها من جهه أخري. و كان من لوازم هذا الواقع الجديد إبراز مقولات و دعوات من شأنها أن تعيد بل تكرس نفوذ القوي الاستكباريه، و تضمن المزيد من مصالحها الاستراتيجيه، كما تمكنها من احتواء تطلعات الشعوب و الامم التي استنقذتها حركه الصحوه الاسلاميه أو التحرريه، و تدمير رغبتها الشديده في الاستقلال و ابراز هويتها و بناء ذاتها. و من أبرز تلك المقولات المطروحه الدعوه المعسوله للحوار بين الحضارات، و لكن بطريقتها الاستكباريه، أي أن يكون طرفها الأول حمله حضاره من موقع الاستكبار، و طرفها الثاني حمله حضاره من موقع الاستضعاف.

     و نحن هنا في الوقت الذي نعتبر فيه الحوار بين الحضارات أصلاً أولياً و منهجاً مبدئياً أرشد إليه القرآن الكريم و اعتمده الاسلام في الدعوه إليه نرفض ـ كما يرفض العقل السليم و الوجدان الصادق ـ أن يكون الحوار من موقع التحميل و الاستكبار، بل لابد من توفر شروطه الموضوعيه و الانسانيه و السياسيه بعيداً عن منطق القهر و الاستضعاف، لذا نجد أن الواقع العالمي اليوم قد تبلورت فيه ـ في إطار مقوله الحوار بين الحضارات ـ الحقائق التاليه:

     أولاً: بروز إراده حقيقيه صادقه نحو الحوار السليم بين الحضارات العالميه المختلفه تقوده المنظومه الاسلاميه و في مقدمتها القياده الراشده للمسلين المتمثله بآيه الله العظمي السيد الخامنئي (دام ظله)، و معه تيار العلماء الواعين و المفكرين الرساليين و التي عملت علي تجنيد كل القوي الواقعه تحت نفوذها و علي رأسها قوي الجمهوريه الاسلاميه في ايران لخوض غمار حوار هادف بين الاطروحه الاسلاميه بكل أبعادها الحضاريه و بين الحضارات الاخري المطروحه في عالم اليوم.

     ثانياُ: إن أغلب الشعوب و الامم علي اختلاف انتماءاتها الثقافيه و الحضاريه أخذت تشرئبّ نحو مزيد من الانفتاح للتعريب علي الآخر ـ فكراً و منهجاً و نظاماً ـ يدفعها في ذلك شعورها بالإحباط و اليأس مما هي عليه من ضياع و تناقض و فساد، إضافه إلي حبها للإطلاع و معرفه حقيقه الحضارات الاخري التي تلوّح للبشريه بالخلاص و السعاده.

     ثالثاً: إن العقبه الكؤود أمام حركه الشعوب و الامم، باتجاه الحوار و التفاعل الفكري و الثقافي بروح البحث عن الحقيقه و الوصول إلي الحق و الصواب، هي قوي الاستكبار المتحكمه بمقدرات أكثر شعوب العالم و اممه، و في مقدمتها اميركا و صنيعتها إسرائيل و من ورائها قوي الصهيونيه العالميه و أدواتها النافذه في عمق الأجهزه الحاكمه في اوربا و بعض دول العالم الثالث. و ما لم تتحرر هذه الشعوب و الامم بشكل أو بآخر من ربقه هذه القوي المستكبره، و تخرج من أسر عبوديتها إلي الوصول جوهر و حقيقه الحضارات الاخري و من ثم معرفه الحق و الصواب من بين ذلك.

     أما الدجل الذي تمارسه هذه القوي الاستكباريه في رفع شعار الحوار الثقافي من خلال ما يطلقه بين الفينه و الاخري قادتها السياسيون و وسائل اعلامها ما هو إلّا غطاء و ستار تستر به نواياها الخبيثه و ارادتها الاجراميه لإرضاخ و نفي الآخرين، و خصوصاً المنظومه الاسلاميه الأصليه التي تحمل لواء تحرير الانسانيه من نير الاستكبار و الظلم و السير بها نحو الحق و العدل حيث السعاده الحقيقه.

     و إلاّ، كيف تنسجم دعوه هذه القوي الاستكباريه للحوار مع ممارساتها و سعيها المتواصل لتدمير الآخرين؟

     فهل يصب في الدعوه للحوار الصادق إسناد و دعم حرب مدمره شنها النظام العراقي علي الجمهوريه الاسلاميه في ايران دامت حوالي ثماني سنوات دمرت العشرات من المدن و شرّدت و قتلت وجرحت الملايين من المسلمين الأبرياء؟

     و هل يحقق أرضيه الحوار السليم اسناد دويله مختلفه و دعمها عسكرياً و سياسياً و اعلامياً و اقتصادياً و فرضها بالقوه و القهر في أرض المسلمين فلسطين بعد تشريد أهلها و استقدام مجاميع عنصريه مختلف أنحاء العالم بعد اختلاق أزمات سياسيه و اقتصاديه في بلدانهم و إلجائهم للهجره إلي أرض فلسطين المغتصبه و تشكيل دويله منهم مدعومه بجيش ارهابي مسلح بأحدث أنواع الأسلحه العصريه الفتاكه، يلوّح بعصاه الغليظه لترويض المسلمين الفلسطينيين و إرهابهم و التنكيل الوحشي بهم، و بدول و شعوب المنطقه الاسلاميه و اغتصاب أراض جديده منهم و إرغامهم علي التسليم و الخضوع لسلطتهم و سياساتهم العنصريه و برامجهم الاستكباريه في المنطقه؟

     و هل من الحوار و الانفتاح العمل علي مجئ نظام عسكري دموي في الجزائر بعد فوز الاسلاميين في الانتخابات البرلمانيه و اسناده سياسياً و إعلامياً و اقتصادياً ليقود حملات الذبح المرعبه التي طالت لحد الآن حوالي مئه ألف جزائري مسلم أمام مرأي و مسمع دول الحضاره العلمانيه و المدنيه الأوربيه من دعاه حقوق الانسان دون أي رادع و مانع؟.

     و هل من الحوار الحضاري رعايه مشروع حرب الإباده العنصريه و التصفيه الدمويه للمسلمين في البوسنه و الهرسك علي الرغم من كونهم مصنفين ضمن منظومه الشعوب الأوربيه؟!

     و هل من مقدمات الحوار الذي تنادي به دول الاستكبار عسكره قواتها المدججه بالأسلحه المدمره في الدول العربيه المطلّه علي حوض الخليج الفارسي و سلب أمنها و السيطره علي ثرواتها و حبك المؤامرات لسحق إراده شعوبها و إرضاخهم لسطوه عملائها؟

     و هل من مفردات الحوار الحضاري المناوره الازدواجيه مع نظام صدام حسين بإطاله عمر طغيانة لإطاله مبررات ضخ المزيد من أساطيل اميركا و حلفائها، و تقويه قواعدها العسكريه و لو كان ذلك بتجويع شعب العراق المسلم، فناء مئات الآلاف من الأطفال و غيرهم مرضاً و جوعاً، و تشريداً و تعذيباً، و قتل مئات الآلاف من أبناء العراق المجاهدين؟

     و هي إن مسار الحوار الحضاري المزعوم يقتضي فرض الحصار الاقتصادي علي الجمهوريه الاسلاميه في ايران و تشريع القانون المسمي «داماتو» لإرغام بقيه دول العالم و خصوصاً الدول الاوربيه و إرضاخها للمشاركه في هذا الحصار و إحكامه لتدمير البلد و تجويع الشعب المدعو للحوار؟

     و نفس السؤال يتكرر حول فرض الحصار الاقتصادي و السياسي علي السودان الاسلاميه و تشجيع و تدعيم المنشقين عن نظامها و تأليب دول الجوار عليها لتخرج من دائره القرار الاسلامي المستقل إلي الرضوخ للقرار الاستكباري و التبعيه له.

     و هل من برنامج حوارهم المنشود إعلان أن دفاع الشعوب عن حريتها و استقلالها يعدُّ إرهاباً يجب مواجهه دولياً والقضاء عليه كدفاع حزب الله في لبنان و الحركات الاسلاميه الفلسطينيه عن حريه و استقلال الشعبين اللبناني و الفلسطيني في مواجهه الاحتلال الاسرائيلي و اغتصاب أراضيهم و هدر حقوقهم و مقدساتهم بالقو و الإرهاب؟

     و هل حوارهم الحضاري يعني إسناد و تدعيم حركات متطرفه اصطنعت من مجاميع الجهله المتعصبين كحركه الطالبان لإدامه إراقه الدماء في أفغانستان و منع استقرار نظام اسلامي فيها، بل العمل علي طرح صوره مشوّهه للاسلاميين المجاهدين من خلال هذه الحركات المتخلفه ثقافياً و حضارياً؟

     و هل يعدّ حواراً حضارياً تحريك دول الاستكبار صنائعها من العسكر المتعصبين للعلمانيه الاتاتوركيه و محاصره الحاله الاسلاميه و مظاهرها الدينيه و التي كان أكثرها فضاضه و فضاعه، و تناقضاً مع ضجيج شعار الديمقراطيه المرفوع هو إزاحه حزب الرفاه الاسلامي من السلطه عن طريق تهديده بانقلاب عسكري و من ثم حلّه دستورياً رغم كون هذا الحزب قد فاز بالأغلبيه في البرلمان من خلال انتخاب أكثر من سته ملايين من أبناء الشعب التركي المسلم له؟

     و هل من حوارهم الحضاري اختلاق الأزمات السياسيه و زرع النعرات القوميه و العنصريه و تشجيع الصراعات الاقليميه بين دول آسيا الوسطي ذات الغالبيه الاسلاميه؟

     و هل هو حوارُ أم أرضيه حوار حضاري دعم المنظمات الارهابيه في الباكستان لزعزعه الاستقرار في هذا البلد المسلم و زرع و تعميق حاله الفرقه بين المسلمين من خلال حمامات الدم التي تقوم بها عصابات جيش الصحابه المزعوم صنيعه المخابرات الأميركيه و عملائها في المنطقه؟

     و هل إن الدعوه للحوار الحضاري يجب أن تتم في موقع الاستكبار و الهيمنه من طرف، و الاستضعاف و الخضوع من الطرف الآخر؟ و الذي من مصاديقه الاخيره العمل علي ضرب القدره الماليه و الاقتصاديه للبلدان التي تحاول التحرر من هيمنه دول الاستكبار، و الاستقلال عنها ثقافياً و سياسياً و اقتصادياً، كالذي قامت به كارتلات المال و الاقتصاد لدول الاستكبار من إسقاط قيمه عملات النقد لدول شرق آسيا مقدمه لتدمير اقتصادها و تحطيم تكافلها و استقلالها و معاهداتها الاقليميه و اخضاعها للاراده الاستكباريه، و بذلك يكون حوارهم حوار المستكبر المهيمن مع المستضعف الخاضع.

     و هناك عشرات من علامات الاستفهام و التعجب الاخري، نترك للمتتبع الواعي استقصاءها من واقع الصراع الذي تؤجج صورته السلبيه قوي الاستكبار و من يدور في فل&