من المسؤول عن الحوار: العارف ام المتكلم؟

 

     تشير معظم الشواهد الي ان عصراً جديداً في طريقه الي الوجود.. و فيما كان المفكرون الدنيويون، حتي وقت قريب، يعتبرون عهد الاديان قد ولي و انتهي، بات يسمع اليوم عصر ما بعد الحداثه- من جديد في اروقه اكثر المحافل الفكريه العالميه تقدماً و اعتباراً، حديث العوده ثانيه الي الدين و المفاهيم المقدسه.. و لا يخفي ان هذا التوجه الجديد للدين، القي علي عاتق العلماء و المفكرين الدينيين مهام جساماً و ضاعف من مسؤولياتهم تجاه معتقدات دينهم و قيمهم الدينيه.. و نظراً للقواسم المشتركه التي تتسم بها الاديان السماويه. فإن علماء الاديان و مفكريها مطالبون اكثر من اي وقت مضي، ببلوره جهودهم و توحيد مواقفهم لمواجهه الخطر المحدق بهم. و ان ذلك لا يتأتي الا باللقاء و التباحث و الحوار.. و في هذا الصدد نشرت مجله «كلمه» التي تصدرها المعاونيه الثقافيه لوزاره الثقافه و الارشاد الاسلامي، حواراً قيماً شارك فيه عدد من الاساتذه اصحاب الرأي، نشرنا في العدد الماضي قسمه الاول، و ها هو القسم الثاني و الاخير.

     * د. اعواني: احياناً يهدف الحوار الي ايجاد الدافع للبحث و التحقيق لدي الانسان، و هذا شيء مطلوب بحد ذاته. و لكن الحوار بالمعني الذي افهمه ينبغي ان يمتلك بياناً من الحقيقه ايضاً. اساساً الدين يطلب الحق، و الحقيقه مطلوبه اينما وجدت. و الدين الاسلامي علي وجه الخصوص يؤمن بأن «الحكمه ضاله المؤمن يأخذها اينما وجدها»، و هذا يعني ان الاسلام ليس فقط لم يحد من علوم المستلم بل امره بطلب العلم ولو بالصين.

     و فيما يخص ما جاء في سؤالكم بأن افترضتم انهم من عبده الاوثان. فمع هذا الفرض كيف يتسني ان نتحاور معهم؟ هذا فضلاً عن انكم نعتم هذا الدين بدين عبده الاوثان دون ان تذكروا دليلاً او حجه. علماً ان هناك قولاً لرسول الله (ص) يشير فيه الي ما معناه أنه من نعم الله سبحانه علي امتي ان جعل الشرك فيها خفياً و لم يجعله جلياً كما في الاديان الاخر. ولو كان الله سبحانه جعل الشرك جلياً لكنا مثل هؤلاء.. و هناك اشاره الي هذا المعني في الآيات الاخيره من سوره يوسف، حيث يصرح القرآن: «و ما يؤمن اكثرهم بالله الا و هم مشركون».. و عليه فالشرك موجود فينا الا ان الله تعالي رحمنا و جعل هذا الشرك خفياً.

     الامر الآخر هو ان البحث يقتضي ان يكون لدينا تعريف محدد للدين. ينبغي ان نعرف اساساً ما هو الدين؟ و ما هو ملاك الدين الحقيقي؟ ما هو الميزان في هذا العمل؟. فكل بحث بشأن الدين ينبغي ان يكون من منظار العلم و علم الكتاب. لقد حدد القرآن المجيد موضوع علم الدين و حقيقه الدين من خلال الملاك و المعيار و الضابطه. لابد من تدبر هذه الآيات و تأملها. علي سبيل المثال نقرأ في القرآن الكريم: «ان الذين آمنوا و الذين هادوا و الصابئون و النصاري من آمن بالله و لا هم يحزنون». ففي هذه الآيه جعل الايمان بالله و اليوم الآخر و العمل الصالح شرطاً للفلاح. و السؤال هو: من هم الصابئه الذين ذكروا في ثلاث آيات في القرآن. لقد قيل الكثير، من ذلك ان الصابئه هم عبده النجوم. و قد نسجوا حكايات متعدده في تفسير الصابئه و نسبوها الي المأمون. و لكن الآيه نزلت في زمن لم يكن المأمون مخلوقاً في ظهر ابيه. اذن فمثل هذه القصص المختلفه لا يمكن ان تكون مرجعاً لتفسير هذا اللفظ. و هكذا الامر بالنسبه للهندوكيه، البوذيه، اذ يتضمن كل واحد منهما الشروط الثلاثه التي ذكرتها الآيه للفلاح، يعني الايمان بحقيقه مطلقه و الايمان بالآخره و القول بالعمل الصالح. ينبغي ان ننظر الي ظاهر الامر، لابد من تقويم شخصيات دينهم. يقول القرآن الكريم: «و من احسن ديناً ممن اسلم وجهه الله و هو محسن». و هذا يعني التسليم المطلق و الخضوع و الانقياد الخالص لله سبحانه، و في الوقت ذاته تحقق مرتبه الاحسان. فالشخص الذي صفته «من اسلم وجهه لله و هو محسن» في اي دين كان، فان دينه حسن و مقبول و يستحق الثناء. مثل هؤلاء الاشخاص كانوا موجودين ايضاً في الاديان الاخر. و هنا ينبغي تحديد المعايير و تشخيص الملاكات. و ان فائده الحوار علي الاقل تحديد معني الدين اصلاً. لماذا هذا الدين حق و ذاك باطل. و ان التوحيد و معرفه الحق و القرب منه، موجوده في الاديان قليلاً او كثيراً. و قد اشار الدكتور مجتبائي الي انه ليس صحيحاً ان نطلق علي هذه الاديان لفظ غير توحيدي.. ان تقسيم الاديان الي ابراهيمي و غير ابراهيمي تقسيم صحيح. و لكن ان نقول ان الاديان غير الابراهيميه اديان توحيديه فهذا ما لا يمكن قبوله. باختصار استنتج مما قلته ان فائده الحوار ينبغي ان تتجلي في تحديد المعايير و الملاكات لتضاف الي معرفتنا الدينيه، و بالتالي لتكون دافعاً لنا في البحث و التحقيق ايضاً.

     * د. مجتبائي: تفضل الدكتور محقق داماد بقوله ان هذا التصور كان تصوراً عرفانياً و ليس تصوراً فقهياً. هذا صحيح تماماً، بيد ان الفقه في الاصل و اللغه يعني الفهم. و لا اعتقد ان فقيهاً محيطاً بالاحوال و المتغيرات يمنع احداً من المعرفه و الفهم. اذ ان فهم الكفر ليس بكفر. و لكن لم افهم ماذا يعني بالتصور العرفاني. اذا كان المقصود به ان العارف يبحث عن حقيقه مارواء الواقعيات الموجوده في العالم، فهذا صحيح. و اذا كان يقصد ان العارف يري و يعتبر جميع الاديان و تجليات الدين و الايمان الانسان منبثقه عن اصل واحد و مظهراً لحقيقه واحده؛ فمثل هذا الامر يشاهد ايضاً في اقوال الكثير من العرفاء. بيد ان المقصود بالحوار ليس هذا المعني. و كما قيل فهو يهدف الي الفهم. ان المشكله الاساس في الحوار ليست عدم الفقهيه او وجود العرفانيه. بل المشكله هي في اي مستوي من مستويات الدين؛ و بين الي الطرفين من الدينين يجري الحوار.. ان التصور الموجود بأن الدين عباره عن ايديولوجيه هو من الاخطاء الشائعه لهذا العصر. الدين دين و ليس ايديولوجيه. كما انه ليس فقط مجموعه من القوانين و الاحكام بالامر و النهي. اذ ان ايديولوجيه ليست اكثر من مسار او عدد المساوات الفكريه تتلخص في بيان او نظام داخلي لا يتجاوز عدداً من الفصول علي ابعد تقدير. فضلاً عن ان مبدأها و منتهاها بشري صرف. اما الدين فهو رؤيه كونيه فكريه و اعتقاديه و عاطفيه و ايمانيه و دينيه، و لابد لها من الشموليه بحيث تتمكن من الاحاطه بمتطلبات الانسان و الزمان في كل وقت، و تلبيه احتياجاته الروحيه و العاطفيه و الذوقيه و الاخلاقيه و الاجتماعيه و المعاشيه و الأخرويه.. و ان جميع الاديان العالميه الكبري، التي تواصلت و انتشرت علي مر العصور و نمت و ازدهرت في داخلها ثقافات كبري مع جميع تحولاتها و تطوراتها، كانت هكذا. في حين لا نعرف ايه ايديولوجيه تجاوز عمرها عده قرون.

     ففي مرحله تاريخيه محدده مثلاً حدود القرن السابع الهجري، نري من جهه كان لدينا اشخاص من مثل ابن عربي و ابن الفارض و جلال الدين البلخي و السهروردي. و من جهه اخري و كان هناك اشخاص من قبيل شيخ الاشراق و الخواجه الطوسي. و في جانب ثالث كان هناك الفلاح و التاجر و العسكري و الفنان و المعمار و الرسام. و في جانب رابع كانت هناك مجموعه لا اباليه و غير متمسكه بالتكاليف الشرعيه. و هكذا شرائح و توجهات اجتماعيه و فكريه و ذوقيه و اخلاقيه مختلفه. و كل هؤلاء كانوا في المجتمع الاسلامي. و مثل هذا موجود ايضاً في جميع الاديان الكبري. المشكله هنا و هي مع اي مستوي من هذه المستويات ينبغي ان يكون الحوار؟ و لو كان الحوار علي مستوي متكلمي الدينين و علي فرض ان بعضهم يفهم الآخر، فهل هذا يعني ان كلا الدينين كان لهما حوار و تباحث فيما بينهما؟ هذه مشكله. و المشكله الاخري، الاجواء اللازمه لبدء حوار صحيح و مثمر. ان مجرد التعرف الي اصول و قواعد علم الكلام و الاستعانه بالبراهين المنطقيه غيركاف. ذلك ان الدين اصولاً و ماهيه هو امر ايماني و يرتبط بحياه الانسان المعنويه و العاطفيه اكثر من ارتباطه بحياته العقلانيه. ان فهم حاله دينيه ما او شأن اقتصادي يختلف عن فهم مسأله علميه او نظريه فلسفيه.

     يعتقد يواخيم واخ (J. Wach)، عالم الاديان الالماني المعروف، الذي يحمل الجنسيه الاميركيه، بأنه من اجل معرفه و فهم دين عبر ديننا لابد من توافر شروط اربعه:

     الاول. التفاهم اللغوي. و هذا يعني ان اي دين ينبغي ان يتعرف عليه و فهمه بلسان قومه و لغه اتباعه. مثلاً من غير الممكن ان نفهم الاسلام فهماً صحيحاً من خلال اللغه الانكليزيه او الفرنسيه او الصينيه. و هنا يطرح بقوه موضوع التلازم التام بين الفكر و اللغه و الاحساس و البيان. فضلاً عن المفاهيم و المصطلحات الدينيه غير القابله للانتقال الي لغه اخري بصوره كامله في اغلب الاحيان.

     الثاني. الارضيه العاطفيه المساعده. فمن اجل فهم صحيح لاي دين لابد من النظر اليه نظره حسن نيه و ايجابيه و موضوعيه. فلو كانت النظره خصوميه و مختزنه لفروض مسبقه برفضه و ادانته، ففي هذه الحال لن تتحقق المعرفه المنشوده. ان الارضيه العاطفيه غير المساعده تعد عقبه كبري في طريق الفهم و التفاهم.

     الثالث. امتلاك التجربه الدينيه. اي اذا لم يجرب الشخص بنفسه الآراء و الافكار الدينيه، فسوف لا يمتلك الاستعداد و القدره اللازمه لمشاركه الآخرين في التجارب الدينيه.

     الرابع. العزم و الاراده الصحيحان. اي ينبغي ان يكون القصد و الاراده بدافع الفهم و المعرفه و ليس بدافع الرد و النقض و الابطال و البحث عن العيوب، او الغلبه و دحر الخصم و الاستهزاء به. فاذا كان هذا الدافع فمن الطبيعي ان لا تكون النتيجه غير الايذاء و المخاصمه، و لن تكون الحصيله غير الاختلاف و سوء الفهم. و في الآيه الكريمه: «ادع الي سبيل ربك بالحكمه و الموعظه الحسنه»، حداد القرآن شرط المقابله مع اتباع الاديان الاخر، بـ«الحكمه» و «الموعظه الحسنه».

     فاذا ما اريد نقض عقائد الآخرين و اصولهم لهم الدينيه و إبطالها فلا يوجد سبيل غير التوسل بالبراهين العقليه. فغالباً ما ننعت العقيده الدينيه و العباديه للطرف الآخر بقولنا انها سيئه و منبوذه، او انها لا تتسق مع المنطق، او انها تخالف عاداتنا و تقاليدنا و قيمنا، و اخيراً نقول انها غير معقوله. و ان مثل هذه المعايير في النظره غير الدينيه تعتبر معايير اعتباريه و نسبيه. ان اي دين لا يخلو من هذه الامور التي يصطلح عليها بغير المعقوله، بنظر اتباع الدين الآخر. ان جذور الاعتقاد الديني لدي الانسان اعمق و ارسخ بكثير من ان تقاس بهذه المعايير و الملاحظات. المعيار الوحيد و المبدأ الصحيح هو ان يقبل كلا الطرفين ان العقائد و الاحكام الدينيه للطرف الآخر تستمد وجودها مما وراء الطبيعه. فهي ذات اصاله مطلقه و انعكاس لحقيقه مطلقه. و لاشك في ان المعرفه و الفهم هما غير الايمان. و ان التبليغ للحقائق الدينيه الخاصه بهذا الطرف او ذلك و دعوه الآخرين الي معرفتها و فهمها و قبولها هو موضوع مقوله اخري.

     * د. شبستري: اشار الاستاذ محقق داماد الي ان هذه النظرات نظرات عرفانيه. و ان المتكلم لا يستطيع ان يتحاور. و قد اوضح الدكتور مجتبائي شروط الحوار ايضاً. و انا اعتقد بان المتكلم وحده هو الذي يتمكن من الحوار. بالطبع اذا كان المتكلم متكلماً جامعاً. و المتكلم في الماضي لم يكن يرغب في اجراء حوار. علماً ان المتكلمين علي انواع. فالمتكلمون في الماضي كانوا يعتقدون بأن الكلام الاسلامي بني في الاساس علي الدفاع، و ان معظم الجهود التي بذلها متكلمونا كانت في مجال الدفاع عن العقائد الاسلاميه. فالذي يركز فكره و ذهنه علي اساس الدفاع عن مجموعه العقائد فمن الطبيعي ان مثل هذا الشخص لا يستطيع ان يتحاور، بل يؤدي واجباً آخر.

     العارف ايضاً لا يستطيع ان يتحاور. اذ ان عمل العارف رؤيه الحقيقه او الوصول الي اليه الحوار. و عليه، فلا العارف يستطيع ان يتحاور و لا الفقيه. لأن الفقيه ايضاً لا يخوض في اصول عقائد الرؤيه الكونيه و التجربه الدينيه و نظير هذه المسائل. الفقيه يعمل فقط علي توضيح الحلال و الحرام في الحياه العمليه.. الشخص الوحيد الذي يستطيع ان يتحاور، و الذي تقع علي عاتقه مسؤوليه الحوار في عصرنا الحاضر، هو متكلم الاديان. ففي العالم المسيحي مثلاً - تقع مهمه الحوار علي عاتق اساتذه الثيولوجيا، اي الاساتذه الذين يدركون الشروط الاربعه التي تحدث عنها الدكتور مجتبائي، و يتحلون بها الي حد ما. ان مثل هذا المتكلم هو الذي يستطيع ان يقوم بالحوار، لانه يحاول اعطاء توضيح معقول للايمان من خلال ارتباطه بالمفاهيم العالميه و الفلسفيه و الثقافيه و الفنيه و الاجتماعيه، و محاوله ربط التجربه الدينيه بسائر ابعاد الحياه الانسانيه. مثل هذا المتكلم يتمكن من القيام بالحوار و ليس كل متكلم. فهو لا يجعل الدفاع اساس عمله، بل يسعي الي توضيح منطقيه التجربه الدينيه و الايمانيه.

     * د. اعواني: لا ادري ربما اكون علي خطأ، ان علم الكلام سواء في الماضي او الحاضر يحد دائماً من ماهيه الدين. ان الفهم الكلامي للدين ضيق و محدود. اي ان علم الكلام عموماً يدرس بعداً خاصاً و محدوداً من ابعاد الدين. و هنا ينبغي ان نسأل هل المعرفه الواقعيه للدين ممكنه عن طريق علم الكلام؟ ان المتلكم يسعي دائماً الي مطابقه الدين مع الشروط الكلاميه الخاصه.. لقد صدر مؤخراً كتاب يحمل عنوان (Europe and The mystique of Iseam) اي اوروبا و هاله الاسلام. يتحدث الكتاب عن معرفه الغربيين بالاسلام، و تاريخ الدراسات الغربيه منذ القدم و حتي عصرنا الحاضر. و من الناحيه التاريخيه فان الاسلام هو اول من اعترف بالمسيحيه رسمياً و بالاديان الاخر و دعا اتباعها الي التباحث و الحوار. و من جهه اخري فالمسيحيون لم يعترفوا في الماضي بالاسلام بصوره رسميه، و حتي انهم كانوا يعتبرونه بدعه. في الحقيقه لم يعترفو بنا، و لكننا من جهتنا كنا نعتبر دينهم ديناً سماوياً، و لهذا كان الحوار يبدأ من جانبنا. ان دافع الحوار لم يكن في اي وقت من جانب المسيحيه، بل علي العكس كانت تسعي الي التبشير بين المسلمين لجعلهم يعتنقونها. ففي سيره واحد من اكبر القساوسه المسيحيين نقرأ ان القس فرانسيس آسيزي انفق سنوات طويله من عمره في شمال افريقيا في التبشير للمسيحيه بين اوساط المسيلمين، لانه كان لا يؤمن بأحقيه الاسلام. و هكذا كان دافع الحوار في الماضي دائماً من قبلنا حتي نصل الي عصرنا الحاضر اذ بدأت المسيحيه تتنبه لذلك.

     * د. شبستري: هناك فرع جديد استحدث في المسيحيه يسمي بـ«ثيولوجيا الاديان». و في هذا الفرع تدرس المسيحيه كيفيه الحكم علي الاديان الاخر.. و بالنسبه لموضوع هل الحوار مجدٍ للعالم الاسلامي ام لا؟ لابد من القول ان الحوار بين الاديان بات امراً دولياً. و المسأله هي ان أتباع الاديان في العالم يرغبون في التعريف علي بعضهم بعضا و الفهم المتقابل، و هذا ما جعل من الحوار موضوعاً دولياً. و ربما من الممكن ان نطلق عليه لعبه دوليه. لعبه بالمفهوم الجاد للكلمه. مثلمان ان في المعترك الدولي لا تستطيع الدوله ان تقف معزوله عن السياسه الدوليه، مثلاً ان تكون بعيده عن الامم المتحده و ان لا تمارس دوراً خاصاً بها في اللعبه الدوليه.

     الحوار و المباحثه بين الاديان بات اليوم كاللعبه الدوليه، و بقدر ما تشارك فيها المجتمعات الاسلاميه، تتمكن من احتلال موقعها في الساحه الدوليه. و بطبيعه الحال يتسم الحوار الذي يجري في العالم ببعده السياسي ايضاً. فليس الامر بهذه الصوره و هي ان هذه الحوارات الدوليه بشكل عام امور مربوطه بالمتكلمين و علماء اللاهوت. فمن الممكن ان يجتمع المتكلمون و المتحاورون بعضهم الي جوار بعض بنوايا حسنه و ينشدون حقاً - تحقيق اهداف دينيه خيره، و لكن بالنتيجه فإن هذا العمل مثل الكثير من الظواهر الاخري يجد له ارتباطاً بتوجهات السياسيين، و من هذه الجهه فإن اي بلد اسلامي يرغب في المشاركه في هذا الامر الدولي، و لابد له من المشاركه، ينبغي لساسته ان يدرسوا الموضوع من بعده السياسي. و بالطبع يجب ان لا يتم الخلط بين هاتين المسألتين، الا ان دراسه البعد السياسي تقع علي عاتق السياسيين.

     * د. محقق داماد: كما تفضلتم بمعناه السياسي. ففي الحقيقه كنا قد شهدنا في العقد الاخير قيام العديد من الحوارات بين الاديان بين اساتذه ايرانيين و علماء مسيحيين و اديان اخر. و كان قد اقيم حوار مع الكنيسه الارثوذكسيه اليونانيه اسفر عن نتائج علميه قيمه.

     * د. شبستري: هناك ملاحظتان اود الاشاره اليهما. تفضل الدكتور اعواني بالقول ان في الحوار تطرح العلاقه مع الحقيقه بنحوما.. و اود ان اقول ان في الحوار بالمعني الذي اشرت اليه يوجد نوع من العلاقه مع الحقيقه و فهمها. لأن متكلم الدين انسان ينطلق في تحركه من موقع الايمان. و هذا هو الفرق بين عالم الدين و المتكلم. ان عالم الدين لا يتحرك من موقع الايمان، المتكلم وحده هو الذي يتحرك من موقع الايمان. طبعاً اعني بالمتكلم الجامع و المحيط بقضايا العصر، الذي تحدثت عنه من قبل. و ان متكلمينا في الماضي كانوا ينطلقون في تحركهم من موقع الايمان. و لكن الفرق بين متكلمي عصرنا و القدماء هو ان القدماء كانوا يقفون موقف المدافع. اما مهمه متكلم هذا العصر فهي منح حياه الانسان معني و الاجابه عن اسئلته.. علي ايه حال ان متكلم و محاور هذا العصر يهتم بالحقيقه، الحقيقه التي توصل اليها و يريد ان يشاركه الآخرون فيها. او الحقيقه المشتركه لدي كلا الطرفين و يريد ان يعيها بنحو افضل.

     هناك مسأله اخري مطروحه و هي انطلاق في التحرك من الاسئله المثاره. اي ان مفكري الاديان ليس في متناول ايديهم الحقائق و الاصول المشتركه فحسب، بل لديهم معضلات و اسئله تتطلب اجابات محدده. ان اثاره الاسئله الجاده من قبل المتكلم لا تتنافي ابداً مع ايمان هذا المتكلم بحقيقه ما. لان هذه الاسئله تتبادر للمرء في عالم الفكر و البحث. فمن الممكن ان يكون المرء مؤمناً بكامل وجوده- بحقيقه ما، و لكنه في مقام الفكر تتوارد في ذهنه اسئله عديده عنها.

     اذن فالمتكلمون و المتحاورون باستطاعتهم ان يدخلوا المعترك من هذا الطريق ايضاً. اي ان يطرحوا أسئلتهم المشتركه او الفرديه و يبحثوا عن سبل الاجابه عنها و فهمها.. نحن لدينا كلام متنوع و متكلمون مختلفون. و ينبغي ان نفكر في هذا الامر تفكيراً تاريخياً. ان علم الكلام للاشعري يختلف عن علم الكلام لدي الغزالي و ان طريقه كلام ابي الحسن الاشعري تختلف عن نموذج كلام القاضي عبدالجبار. كذلك في عالم المسيحيه، فالكلام الجديد عندهم يختلف عن الكلام القديم. بناء علي هذا فلو أنعمنا النظر فاننا اصلاً لا نستطيع القول ان العلم الكلام تعريفاً واحداً، او المتكلم له فهم واحد.

     * د. محقق داماد: بامكان الحوار ان يكون مجدياً اذا ما جلس علماء الاديان، اولئك الذين يشتركون في وجه اعتقادي، و تعرفوا الي تجارب بعضهم.. قبل مده كنت في هولندا، و قد التقيت رئيس مركز الاشراف علي الكنيسه البروتستانتيه، حيث قال لي: ان الشيء المهم و الضروري بالنسبه لنا هو ان نجلس الي جوار بعض و نفكر في الطريقه التي نعرف بها الله الي الجيل الشاب. علينا ان نعتم في عالم اليوم، حيث الكنائس تخلو من الشباب، في جعل الكنائس تمتليء مره اخري بالشباب. فما هي تجاربكم في هذا المجال فيما يخص مساجدكم. اذ كانت لديكم تجارب في هذا المجال حدثونا عنها.. ما هو الاسلوب الامثل لتبيين مفاهيم من قبيل مفهوم الله، مفهوم الوحي، مفهوم النبوه، مفهوم المعنويات، و امثال هذه المفاهيم؟ علي ايه حال ان لكل دين تجاربه الخاصه و ان افضل سبيل للتعرف الي ذلك هو ان نجلس الي مائده واحده يغمرها التفاهم و الهدوء وسعه الصدر و التسامح.

     و قد اجبت عن ذلك بأنني اري في هذا المجال ان كلاً منا منشغل في التبليغ ضد بعضنا بعضاً.. لابد من الاعتراف بأننا الآن خاصه في بعض مجتمعاتنا و بعض نشاطاتنا الثقافيه، نري ان نظرتهم الي المجتمعات غير الاسلاميه.. الي الشعوب غير الاسلاميه، نظره عدم قبول الطرف الآخر. و يمارس تبليغاً يهدف الي تخلي الطرف الآخر عن دينه و اعتناق الدين الآخر. و في اعتقادي ان هذا التكفير اهم مانع يحول دون تحقيق اي حوار مثمر في اي وقت..

     المانع الآخر هو الجهل بمضمون المحافل العلميه العامله خارج حدودنا. فاذا ما كان الشخص يجهل المحيطات العلميه الاخر و نشاطاتها و لا يدري ماذا يدور في هذه المحافل، و لا يسمح لنفسه بأن يتحاور مع هؤلاء و لو دقائق معدوده؛ لا يستطيع ان يكون ايجابيا في حواره. و بالطبع ان هذه ليست بالمعضلات التي لا توجد حلول لها، انها في مجتمعنا علي الأقل- قابله للحل.