في السينما الإيرانيه

«السبورة السّوداء» لسميره مخملباف

محمد الكامل

 

     * السينما الإيرانيه تفتح أبواب المهرجانات الدوليه الموصده عاده أمام سينما بلدان العالم الثالث

     * بعيدا عن الإبهار و عن التقنيات الحديثه السينما الإيرانيه تثير مواضيع إنسانيّه مؤثره.

     * جوائز دوليه قيّمه توّجت العديد من الأفلام الإيرانيه.

     اكتسبت السينما الإيرانيه في العشر سنوات الأخيره شهره واسعه في المهرجانات الغربيه بل و أصحبت بعض الأفلام تعرض بالقاعات التجاريه المتخصصه في الإنتاج الهادف و مع ذلك بقيت غائبه عن شاشات بلدان العالم الثالث علي قلتها رغم أنها السوق الحقيقيه التي كان من المفروض أن تستوعبها، و هنا لابد من الاعتراف بسيطره الاستعمار الثقافي الغربي علي أذهان جماهير هذا العالم الثالث التي لا تسعي إلي كسر الحواجز التي تضعها المؤسسات الغربيه أمام الإنتاج المحلي بل تكتفي بالمخدر التي تقدمه تلك الامبراطوريات التجاريه و المتمثّله في الأفلام الأمريكيّه بكلّ أصنافها من حربيه و ايديولوجيه و بوليسيّه و عاطفيّه و هزليه، و مما يزيد الطين بلّه أن الجهات الرسميّه في بلدان العالم الثالث تنصاع إلي شروط شركات الإنتاج العالميّه التي تغرقها بالإنتاج المثير و لا تحاول الاجتهاد في البحث عن أسواق سينمائيّه جديده بل إن الاتفاقيات الثقافيّه بين هذه البلدان تشير إلي أهميّه التبادل في مجال الثقافه بكل فروعه و يبقي حبرا علي ورق ميدان السينما و الأدهي أن هذه البلدان عندما تقتني الأفلام لمكتبها السينمائيّه الوطنّيه فهي تتجه للشركات الغربيّه التي تغرقها بشتي العناوين و تزداد المصيبه حدّه عندما يكتشف المرء أن المهرجانات السينمائيّه التي تقام في شتي أنحاء العالم الثالث تركز علي الإنتاج العالمي المثير و تبقي أفلامها المحليّه في الظل و قد يبرز أحد هذه الأفلام لمدّه عرضه بسبب حضور نجومه ثم يمحي و يختفي في حين أصبحت المهرجانات الكبري في البلدان الغنيه تعتمد في فروع الخلق و الابتكار علي أفلام العالم الثالث لأن مواطنيها يعيشون أصناف الحرمان في ميدان الاجتهاد الفكري و ابتكار العقل و بقي التجديد مختزلا في الأعماق و رغم عدم توفر الإمكانيات الماديه الواسعه التي يسبح فيها المثقف الغربي فإن أفكار المنبوذين تذهل الآخرين الذين يقفون مشدوهين أمام ثوره عارمه تعرفها العديد من البلدان التي ليس لها شهره تجاريه سينمائيّه مثل تركيا و فيتنام و كوريا و تايلنده و تايوان و الصين و الفيليبين التي يبقي إنتاجها محليا و تزداد الدهشه حين يعلم المرء أن بعض الأفلام المحليّه تتخطي في الإيرادات و في الإقبال أشهر الأفلام الغربيه و هذا ما وقع في السنه الماضيه في تايلنده و في كوريا لكن التعتيم علي أخبار التطور السنمائي في تلك البلدان يبقيها بعيده عن أنظار الجماهير العريضه التي تحاول ببطء شديد كسر السلاسل الحديديّه التي وضعتها الامبراطوريات السينمائيّه الأمريكيه و مثل هذه القضايا الفكريّه تبقي صعبه لمحدوديّه ردّ الهجوم الشرس لأن متفرجي هذا العالم الثالث لم يستيقظوا بعد من مخدر إثاره السينما الغربيّه بل إنّهم يتلذذون بالحلم الوردي و القبضه تزداد شراسه من حولهم خاصه و أن الأجيال الصاعده بصدد التعلم من الفضائيات التلفزيّه التي تتفنن في الاستعانه بالبرامج الأمريكيّه فمن الأفلام الروائيّه إلي الصور المتحركه و الأفلام الوثائقيه حسب وجهه نظر أمريكيّه إلي البرامج الأسبوعيّه العاديه عن النشاط اليومي في عدّه مجالات حياتيّه أمريكيه كان من المفروض أن لا يهتم بها سكان العالم الثالث لوجوب الاهتمام بقضاياهم الداخليه. و لا أظن أنه يوجد من يحسد أبناء هذا العالم المظلوم علي كثره المشاكل التي يتخطبون فيها من بطاله و أميّه و فقر و مصائب متنوعه يشيب من هولها الرضيع

     فرغم كثره الإنتاج المحلي في العديد من البلدان إلا أن العبور يكاد يكون مستحيلا و مع الأسف فإن جماهير العالم الثالث لا تبدي تحمّسا لمقاومه هذا الانغلاق و الأدهي أن المهرجانات السينمائيّه التي تنظم في هذه البلدان لا تعمل علي شراء نسخ الأفلام التي تمنحها جوائز و هذه هيّنه لا يمكن غض الطرف عنها و ما أكثر مثل هذه المشاكل التي لا يعمل المسؤولون المباشرون علي حلها .. فهناك سينما في تركيا و في إيران و في باكستان و في الفيليبين و في العديد من البلدان الآسيويه التي ضربت هوليوود حولها حصارا فولاذيا من الممكن أن يقع اختراقه لو أصرّت جماهير تلك البلدان علي رفض الأحكام المزيّفه التي تتزيّن بها أفلام هوليوود و من أنجح أفلام العالم الثالث في الوقت الحاضر ما تقدّمه السينما الإيرانيّه في المهرجانات الدوليّه و الجوائز الهامه التي تحصدها

 

انتشار محلي:

     كتب التاريخ شحيحه بالمعلومات عن هذه السينما و تقتصر جلّها علي أسطر معدوده و مبهمه تبرز آراء المؤلف أكثر ممّا تعطي بيانات واضحه حول مراحل انطلاق هذا الفن في إيران و مثل الفيلم فإن المطبوعات إن وجدت فهي غير متوفره بسهوله و يقول الناقد الفرنسي ـ غي هونيبال ـ في كتابه عن السينما العالميّه إن الإنتاج السينمائي يوجد منذ القدم في إيران و عرف الازدهار في أواسط الأربعينات حين كانت توجد أكثر من 540 قاعه عرض تقدم إلي متفرجيها مختلف أصناف الأفلام بما فيها الثمانين شريطا التي كانت تنتجها الشركات المحليّه و يري المؤلف أنها رديئه من جميع النواحي تقنيا و معنويا إذ هي أنتجت لمتفرّجين جلّهم من الطبقه الشعبيّه التي تبحث عن الإثاره سواء الأفلام المثيره عن بطولات صبيانيّه تثير الاستهزاء لبلاهتها أو العاطفيّه الغارقه في الميلودارما التي كانت منتشره في ذلك الوقت انتشارا واسعا و همّها انتزاع دموع المتفرّجين و تحريك عواطفهم الرقيقه و هذه السينما تشبه في تصميمها العام السينما المصريّه إذ لابدّ من إقحام ثلاث أو أربع رقصات شرقيّه في الفيلم مهما كان صنفه ذلك أن الطبل مهما كانت مهنته لابدّ أن يدخل المرقص حتي و هو في طريقه لتنفيذ أخطر عمليات الأخذ بالثأر و مع ذلك كان الجمهور رحيما بأهل السينما و لم يكن يبحث عن الروعه بل كان يفضل إنتاج بلاده علي أفلام هوليوود أو لندن إذ وصلت نسبه الإقبال 70 بالمائه علي الأفلام الإيرانيه الشيء الذي دفع بالأمريكيين إلي شن حرب شعواء علي هذه السينما و فشلوا في حملتهم التي كانت عامه في آسيا و خاصه علي الإنتاج المحلّي في الهند و في تركيا و التصدي بقوّه لانتشار السينما السوفياتيّه إلي جانب الحمله المنظمه علي السينما المصريّه التي أنقذها الصنف الاستعراضي لأشهر المغنين في القرن الماضي و هذه ظاهره لا يمكن إنكارها في مختلف بلدان العالم الثالث قد تكون ناتجه عن انتشار الأميّه فعامه الناس يري في السينما وسيله تسليه أي الإبحار في عالم الأحلام ..

     و ذكر المؤلف أن البعض من الشبّان حاولوا في نهايه الستينات إنجاز أفلام هادفه تمّ بواسطه وزاره الثقافه و التلفزه الإيرانيه و هم يريدون إبراز حقيقه المجتمع الذي يعيشون في نطاقه و ليس المجتمع الذي يحلمون به و إذا أقبلت الطبقه المتعلّمه علي مشاهده هذا الصنف من الأفلام فإن الجمهور العادي لم يتأثر بها و لم يقبل عليها رغم محاوله الشبّان الذين تأثروا بالموجه الجديده في فرنسا تحسين التقنيات وجعلها تتماشي و المتطلبات العاديه لإنجاز فيلم سينمائي و في المقابل بقي المنتج التقليدي يصّر علي الأسلوب الكلاسيكي لأنه يخشي هروب المتفرّجين الذين يبحثون عن المتعه السطحيّه التي تعودّت عليها عدّه أجيال و عندما يفاتحهم مخرج صاحب سيناريو عصري ـ يصرون علي إقحام عدّه رقصات و مشاهد عنف في حين يرمي هؤلاء إلي إبراز الحقائق التي يعيشها المجتمع و المشاكل التي يعرفها المواطن العادي في حياته اليوميّه و لكن لا مآسي الفلاحين و لا الصيادين و لا الحرفيين جلبت اهتمام المتفرّجين .. و لتحسين مستوي السينما الهادفه تمّ بعث مهر جان دولي في إيران سنه 1973 و لكن لا يمكن فرض نوعيه من الأفلام علي جمهور لا يتفاعل معها و لا يريدها أصلا و هذه ظاهره عامه في كلّ بلدان العالم الثالث فمثلا الهند تنتج مئات الأفلام الجماهيريّه و عشرات الأفلام الهادفه و مع ذلك تسجّل مئات الأفلام التجاريه التي تتشابه في الشكل و في المحتوي نجاحا ساحقا و يتمّ تصديرها في حين يقتصر عرض الأفلام الهادفه علي المهرجانات الدوليّه زياده علي أنّها من إنتاج وزاره الثقافه الهنديه أي أن الخواص لا يغامرون في مثل هذا الانتاج.

 

السينما المعاصره:

     و جاءت الثوره و تغيّر الواقع بل إن السينما العالميّه عرفت منعرجات خطيره سواء بأفول سينما البلدان الشرقيّه و بصعوبات الإنتاج في أوربا و تقلص دورها في إثراء هذا الفن و توقف الإنتاج كليا في أمريكا الجنوبيّه و تعثر الإنتاج في بلدان العالم الثالث لأسباب اقتصاديّه ففي الربع الأخير من القرن الماضي تغيّرت المفاهيم في العالم و تأثرت السينما بهذه التحوّلات .

     و مع ذلك برزت السينما الايرانيّه الجديده في المهرجانات الدوليّه الكبري رغم العداء السياسي الذي تكنّه البلدان الغربيّه لإيران و من خلال تلك الأفلام التي توّج جلّها أمكن التعر‏ف علي أسماء جديده في ميدان الخلق و الابتكار و يمتاز الإنتاج الجديد بالبساطه في بسط الأفكار التي تكون نابعه من صميم الحياه اليوميّه في البلاد و تتمّ معالجتها بكل هدوء واتزان و بالإمكانيات التقنيّه المتوفّره و هي بذلك تصل إلي تحريك العواطف الإنسانيه الكامنه في الأعماق بدون أن يشعر المتفرّج مهما كان اتجاهه أو ميولاته أن ذلك الموضوع لا يهم مجموعه معيّنه من الناس بل هو موّجه إلي الجميع و نابغ من أي مكان يوجد به بشر و هذا ما فرض هذه السينما علي أشهر المهرجانات لأنها تمتاز بالصدق في إثاره المواضيع الإنسانيّه العاديه بعيدا عن الإبهار و عن الألغاز و الرموز الغامضه، و يتأكد هذا في الندوات الصحفيّه التي تعقد إثر عرض الأفلام حين يلاحظ المخرج الإيراني أمام الأسئله التي لا تخلو من مكر أنه لم يبحث عن طريق ملتويه لتمرير أفكار مبهمه بل إن صوّر ما كان يختلج في خياله و لابدّ من قراءه ذلك و تفسيره كما ظهر علي الشاشه بدون محاوله إعطائه تفسيرات من نسيج خيال بعض المجتهدين الذين يصدمون المخرجين بتفسيرات غربيّه و السينما الإيرانيه الجديده خاليه من التوابل التجاريّه المتداوله في بعض الأصناف التي تحاول إغراء المتفرج بعرض التفاهات الشاذه التي يطرب إليها الغرب و ينعتها بالجريئه و بالشجاعه و كأن تلك المشاهد المبتذله تتطلب عبقريّه خاصه .. و فعلا فإن نجاح السينما الإيرانيّه في المهرجانات الدوليه ألجم العديد من «المستغربين» الذين فشلوا في إرضاء منتجي الغرب و فشلوا في إقناع متفرّجي بلدانهم و بذلك خسروا ثقه مختلف الأطراف لأن الفنان الصادق يعبّر عن إحساس باطني و لا يمكنه أن يصطنع العواطف و يغالط الآخرين .. و حبل المغالطه و التصنّع قصير للغايه.

 

تجديد السينما الإيرانيه:

     ذكرت مجله (الفيلم الفرنسي) في عدد خاص صدر يوم 17 ماي الماضي أن مؤسسه ـ الفارابي ـ للأعمال السينمائيّه و هي جمعيّه خاصه تضمّ عددا من المخرجين السينمائيين و تتمتّع بإعانه رسميّه أعدت جناحا في سوق الأفلام الذي نظم في نطاق مهرجان كان ـ عرض خلاله ثمانيه أفلام إيرانيّه من إنتاجها و هذا جانب من الإنتاج العام الذي يتخطّي ستين شريطا كلّ سنه و يتمّ اختيار هذه الأفلام التي تعرض في السوق بواسطه المخرجين الذين ينتمون إلي المؤسسه، و لاحظت المجله الفرنسيّه أن الموزعين في العالم يتسابقون للحصول علي حق استغلال الأفلام الإيرانيه في مناطق معينه خاصه بعد أن لمع عدد من السينمائيين الإيرانيين في العالم فشهره محسن مخملباف و عبّاس خيار ستامي و جعفر بناهي فتحت الأسواق علي مصرعيها أمام الأفلام الإيرانيّه و توصّل السينمائي ـ مجيد مجيدي ـ إلي بيع شريطه ـ باران ـ بمبلغ مليون دولار لشركه أمريكيه بعد أن كان الفيلم الإيراني يباع ما بين مائه ألف و مائتي ألف دولار في السوق العالميّه

     و ترمي مؤسسه ـ الفارابي ـ إلي إدخال ديناميكيه جديده علي الإنتاج و ذلك بجلب الممولين الأجانب الذين يثقون في السينمائيين الإيرانيين و كذلك إلي إقامه قاعات جديده عبر البلاد و هذه إحدي وسائل جلب اهتمام أكبر عدد ممكن من المتفرّجين و يري المسؤول عن هذه المؤسسه ( .. أن السينما يبقي أحد الفنون التي تتمتع بحريه التعبير .. ).

     و من أشهر الأسماء في ميدان السينما و التي تتمتع بشهره عالميّه هناك:

     عباس خياروستامي:

     من مواليد طهران سنه 1940 اهتم منذ صغره بالرسم و بعد أن نجح في مناظره اندفع في معترك الحياه بعيدا عن عائلته و إلي جانب هوايته عمل موظفا إداريا في مركز للشرطه و شارك في إعداد عناوين الأفلام الروائيّه الطويله المحليّه من سنه 1960 إلي سنه 1968 و في الأثناء دخل كليه الفنون الجميله و في سنه 1969 أسّس مع أحد معارفه مركز السينما في معهد التنميه الثقافيّه و تطور فيما بعد هذا المركز و جلب أشهر هواه السينما في البلاد الذين لمعوا مع الزمان. و في سنه 1970 أمكن لهذا السينمائي إنجاز الأفلام القصيره و كانت اهتماماته تتجه نحو مشاكل الطفل و ما أكثرها في إيران و لعلّ عناوينها تبرز محتواها إذ صوّر علي التوالي «الخبز و الشارع» و «الاستراحه» و «التجربه» و «حلان لمشكل واحد» و «أنا أيضا في إمكاني» و في سنه 1974 أخرج أوّل أفلامه الروائيّه الطويله و كان بعنوان «المسافر» و لم ينقطع عن إنجاز الأفلام القصيره و من عناوين أفلامه الروائيّه حسب ظهورها «التقرير» و «تلامذه الدرس الإعدادي» و «أين بيت صديقي» و «درس المساء» و في سنه 1992 سجّل نجاحا واسعا في مهرجان ـ كان ـ حين اختير شريطه و «تمضي الحياه» في قسم «نظره ما» و صوّر فيه سياره تنطلق و علي متنها السائق و ابنه الصغير عبر مدينه دمّرها الزلزال الذي ضرب إيران سنه 1990 و طيله الرحله التي تستغرق جلّ وقت العرض لا يتوقف الطفل عن توجيه أسئله بريئه إلي والده و عند وصول السياره إلي مكان نصبت فيه الخيام لإيواء الهاربين من المدن المدمّره يلاحظ محاوله عدد من الشبّان تنصيب هوائي لالتقاط عرض مقالبه كره القدم بين الأرجنتين و إيطاليا ضمن تصفيات كأس العالم لسنه 1990 و بعد سنتين عرض «عبر أشجار الزيتون» و في سنه 1997 كان عبّاس علي موعد مع أشهر تتويج يمكن أن يحلم به أي سينمائي إذ فاز شريطه «مذاق الكرز» بالسعفه الذهبيّه في مهرجان ـ كان ـ و في نفس السنه منحته ـ اليونسكو ـ ميداليه «فلليني» و في سنه 1999 فاز في مهرجان البندقيه الإيطالي بجائزه لجنه التحكيم عن شريطه «تحملكم الرياح» و في السنه الماضيه قدّم علي هامش مهر جان ـ كان ـ شريط «ا ب ت أفريقيا» من إنتاج المنظّمه العالميّه للصحّه و أبرز خلاله ما تقاسيه إحدي البلدان الإفريقيّه و اختيرت ـ أوغندا ـ كنموذج من مرض فقدان المناعه، و الوباء منتشر في القاره السمراء بشكل يدعو إلي الفزع و اشترك ـ عباس خياروستمامي ـ في لجان تحكيم مهرجانات عالميّه مثل لوكارنو سنه 1990 ـ و كان ـ سنه 1993 ـ و البندقيّه ـ سنه 1995 ـ و سان سبستيان الإسباني ـ سنه 1996

     من مميزاته أنه يميل إلي إثاره قضايا الطفل و يعالج قضايا أفلامه بشيء من الهزل و المرّ و يتعامل مع الممثلين الهواه .. اكتسب شهره عالميه و تتسابق شركات الإنتاج الكبري للتعامل معه.

     محسن مخملباف: من أشهر السينمائيين المعاصرين ولد في طهران سنه 1957 و نشأ في عائله شعبيه كانت مضطهده أيام حكم الشاه و كان محسن يناضل مع أقرانه ضد الامبراطوريّه الفارسيّه و سجن سنه 1974 ليبقي بين الجدران إلي قيام الثوره الإسلاميّه و إثر خروجه اهتّم بكثابه القصص و خاصه الصالحه للمسرح الجديد الذي يمكن أن يزدهر، و في سنه 1982 نشر قصّه «بستان الكريستال» ترجمت إلي الانقليزيه و تلاها بقصّه «حوض الملك» و أخرج أوّل أفلامه الطويله «نصوح التائب» و انطلق في هذا المنهج ليؤكد عبقريته السينمائيّه سنه 1985 في شريط «مقاطعه» في وقت ازدهر فيه النشاط السينمائي في إيران و تسابق الشبان في هذا الميدان و في سنه 1987 أطلّ محسن مخملباف ـ علي المهرجانات العالميّه من خلال شريطه «الحمّال» و سجّل شريطه التالي «راكب الدرّاجه» نجاحا شعبيا واسعا في إيران حمل له شهره شعبيّه عند المتفرّجين كما مدحه النقاد و أثنوا علي نظرته المبتكره في معالجه القضايا الشائكه و توالت أعماله و لعل أبرزها «نصر الدين شاه ممثل السينما» سنه 1992 شريط انتقادي هزلي يتهكم علي مظاهر سلبيّه للسينما الإيرانيه و يبرز أهمّ مراحلها و منذ سنه 1995 لم يتخلف عن مهرجان ـ كان ـ سواء في المسابقه الرسميّه أو في أحد فروعه الهامه و كانت آخر مرّه السنه الماضيه بشريط «كندهار» الذي خدمته الظروف العالميه المفاجئه و عرض بنجاح تجاري لا بأس به بالقاعات العامه و تسابقت شركات التوزيع للحصول علي حق استغلاله، و هو يروي قصّه صحفيّه إفغانيه هاجرت إلي كندا عندما استولي طالبان علي الحكم و عادت إلي الحدود الإيرانيّه في محاوله لدخول بلدها علّها تتمكّن من إنقاذ أختها الصغري التي أعلمتها أنها ستنتحر قبل خسوف الشمس و تبذل المرأه ما في وسعها للوصول قبل ذلك الموعد .. و يصوّر الشريط الواقع المؤلم الذي يعيشه الناس علي الحدود الإيرانيّه الأفغانيّه و كيف يتصرّفون للوصول إلي مدينه ـ كندهار ـ بطرق سريّه محاطه بأخطار جسيمه

     و اكتسب ـ محسن مخملباف ـ شهره عالميه و ازدادت شهرته حين انطلقت ابنته ـ سميره ـ في نفس الاتّجاه و بمقدره حقيقيّه.

     سميره مخملباف: هي ابنه المخرج ـ محسن مخملباف ـ وجدت استقبالا حماسيا في البلدان الغربيّه رغم صغر سنّها و يعود السبب إلي تشجيع الغرب للنساء القادمات من بلدان العالم الثالث و اللّواتي لهن ـ إعجاب ـ و ميولات ـ و تناغم ـ مع طبيعه الحياه الغربيّه و اللّواتي يقبلن بشيء من الحماس ذلك النمط و يزعم الغرب أنه يفعل ذلك مع المرأه لأنها لا تجد المكانه الجديره بها في أوطانها و هذا مجرد ادعاء إعلامي لأن المرأه القادره علي فرض إمكانياتها الذهنيّه الحقيقيّه لها مكانه مرموقه في كلّ هذه البلدان و لكن الغرب يري الأشياء بمنظاره الفلكلوري بحثا عن الفلكلور المثير و يدفع إلي التمرّد و التهكم علي التقاليد الأصليه التي تحيط المجتمع برعايه فائقه حتي لا ينزلق في سطحيات مفتعله تجلب مزيدا من المآسي لمجتمعات لها أولويات عديده و متنوّعه.

     علي كلّ تجد ـ سميره مخملباف ـ رعايه كبيره من النقاد و من المنتجين في الغرب الذين يبرزون نشاطها و مسيرتها بشيء من الإعجاب و من التأكيد ..

     سميره مخملباف ـ من مواليد سنه 1980 و في سن الثامنه قدّمها والدها في شريط ـ راكب الدراّجه ـ و في سنه 1994 بدأت في متابعه دروس في السينما في مدرسه خاصه تواصلت ثلاث سنوات أنجزت خلالها شريطين قصيرين «صحراء» و «مدارس الرسم» و في سنه 1997 ساعدت والدها في إخراج شريط «السكوت» و في السنه المواليه أخرجت أول أفلامها الروائيّه الطويله «التفاحه» (و عرض في نطاق «نظره ما» داخل مهرجان ـ كان) و يروي قصّه فتاتين صغيرتين أبقاهما والدهما بالبيت منذ ولادتهما و تّمت الوشايه بالواقعه من طرف أحد الجيران الذي روي القصّه لمكتب الحمايه الاجتماعيه و تقوم مرشده اجتماعيّه بالتحقيق في القصّه و أكدت المخرجه أن القصّه واقعيّه جرت أحداثها في حي فقير بطهران. و إثر هذا النجاح و بعد سنتين قدّمت شريطها الثاني «السبورات السوداء» في صلب المسابقه الرسميّه لمهرجان ـ كان سنه 2000 و تجري أحداث الشريط علي الحدود العراقيّه حيث يتفاقم النشاط المريب و خاصه أثناء فترات الحروب حين يهرب السكان من ديارهم و خلال تلك الظروف القاسيه يحمل بعض المتعلمين سبورات سوداء علي ظهورهم و يلاحقون الناس لتلقينهم أصول القراءه و الكتابه و مع ذلك يجدون اللامبالاه لأن هؤلاء يبحثون عن الأمن و الطمأنينه و لقمه العيش و أكدت ـ سميره مخملباف ـ أن والدها ساعدها في صياغه السيناريو و أشرف علي عمليه التركيب و قدّم لها عدّه نصائح هامه.

     و فاز الشريط بجائزه التحكيم التي ترأسها المخرج الفرنسي ـ لوكبيسون.

     بهمان غوبادي: في سنه 200 فاز بجائزه ـ الكاميرا الذهبيّه ـ و هذه جائزه تسند إلي أحسن شريط يعرض في أحد فروع مهرجان ـ كان ـ و يكون العمل الأوّل لمخرجه .. فاز ـ بهمان غوبادي ـ بهذه الجائزه القيمه و عمره 31 سنه عن شريط «زمن شكر الخيل» و تأثر الحاضرون في حفل توزيع هذه الجوائز و كنت من ضمنهم حين تحدّث السينمائي عن الجهاد الذي قام به في سبيل إنجاز أفلامه القصيره و المجهودات الجباره التي كان يبذلها للانتهاء من إعداد شريطه الروائي الطويل الأوّل .. تأثر الجميع حين أكد ـ بهمان غوبادي ـ أنه كان يتوقف عن التصوير لأيام بسبب فقدان الفيلم الخام و عدم تمكنه من توفيره بعد أن نفذ المال القليل الذي كان بين يديه و لم يعد يجد ما يبيعه .. و طرق أبواب مختلف المؤسسات المحليه و الدوليه و تمّ له ما أراد بعد عناء و عذاب.

     تدور أحداث الشريط في كردستان الإيرانيّه قرب الحدود العراقيّه و تثير مأساه عائله صغيره تتألف من خمسه أشقاء و شقيقتهم و فجأه يصاب أصغرهم بمرض يتطلب علاجا سريعا و أدويه غاليه الثمن و يشير عليهم الحكيم أنه لا مفرّ من إجراء عمليه جراحيّه دقيقه حتي يفلت من الموت و يبذل الشقيق الأكبر ما في وسعه لجمع المال و يكتشف أن الأعمال المتواضعه التي قوم بها لم توفّر له أي شيء و تقبل الشقيقه أن تتزوّج من أجنبيّ أكد أنه علي استعداد للإنفاق علي العائله و علي العلميّه الجراحيّه، و علي الحدود بين إيران و ذلك البلد يرفض أفراد عائله العريس أن يحملوا معهم الشاب المريض و في المقابل يهدونهم فرسا و يعود الشقيق الأكبر مع أخيه إلي القريه و تزداد حاله المريض تدهورا ..

     ذكر المخرج ـ بهمان غوبادي ـ أنه اقتبس القصّه من صميم الواقع و شاهد واقع الحياه الصعبه في كردستان علي الحدود الجبليه الوعره مع العراق و رأي كيف يتصرف الأطفال و الشبان هناك بشجاعه لا مثيل لها و اقتبس عنوان الشريط من ملاحظه كان يرددها أهل تلك المناطق و هي تذكير أولادهم بأنه إذا تراغي الخيل إثر التعب يصيبه أو بسبب بروده الطقس التي تنحدر فيها درجه الحراره إلي الأسفل و تتكاثر الثلوج فلا بأس من اعطلاء الحيوان جرعه خمر كحوليه تعيد إليه الحراره و تجعله ينهض و ينطلق بدون وعي